كوبا التحدي
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي / لا ميديا

واشنطن تعتبر كوبا وأمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية لها، ولا يحق لتلك الدول مجرد التفكير ولو من بعيد بالاستقلال سياسياً واقتصادياً عن (الشقيقة الكبرى) الجاثمة على أنفاسهم، لأن أي استقلال يعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي، وهي نفس العقلية الاستبدادية الطاغية لمملكة الشر السعودية (الشقيقة الكبرى) التي تعتبر اليمن ودول الخليج تابعة لها ومن حقها أن تبقي تلك الدول تحت وصايتها وسيطرتها ويحق لها التصرف بثرواتها ومصيرها دون منازع. أنظمة متوحشة وعقليات تدميرية، اعتمدت سياسة الهيمنة والعدوان والحصار وسيلة وأدوات ثابتة في سياستها لإخضاع الدول والشعوب. 
استطاعت كوبا (التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية) التخلص من الاستعمار الأمريكي وطابع نظامه الامبريالي المتوحش، حيث تمكنت ثورة كاسترو وشقيقه راؤول وجيفارا في يناير عام 1959م، من اسقاط نظام المرتزق باتيستا، أداة أمريكا في كوبا، ودفعه للهرب من كوبا عن طريق الجو إلى جمهورية الدومينيكان.
تمكنت القيادة الكوبية الحكيمة من خلق دولة قوية متماسكة ومتطورة في جميع مجالات الحياة، وخاصة في مجال الطب والتربية والتعليم، وأصبحت كوبا من الدول المصدرة للأدوية وأكثر من دولة تستعين بكوادرها الطبية في مجال طب العظام.
 ثورة حولت كوبا من حديقة خلفية ومتعة ودعارة لأمريكا إلى حديقة علم وثقافة وطب يخدم الإنسانية وبإمكانية كوبا الذاتية الشحيحة.
 فرضت أمريكا حصارها على كوبا عام 1963م وحتى يومنا هذا، وهو ما يمثل أطول حصار من نوعه في التاريخ القديم والحديث تسبب في شقاء الشعب الكوبي وتمكن من إحكام الخناق حول رقبة النظام الكوبي إلى حد القتل بنشر الفقر والمرض بسبب نقص المصادر ونفاد الطاقة. وكان السبيل الوحيد لعملية التخلص من نظام كاسترو حصاراً تجاوز كل الحدود والتوقعات، ومع ذلك استطاع الشعب الكوبي بصموده وقيادته الحكيمة أن يكسر الدائرة الشيطانية للحصار الأمريكي ويحقق أهدفه ومقاصده ويبني دولة مؤنسنة بطابع مجتمعي متنامٍ ديمقراطي، وربط التقدم الاقتصادي بالتقدم الاجتماعي، واندماج الإرادة الشعبية مع قيادتها وتأييدها المطلق لها.
أمريكا هي الدولة الوحيدة في العصر الحديث اعتمدت الحصار في سياستها الخارجية وعلاقتها بالدول من أجل خنق الدول المناهضة لها وعزلها عن العالم اقتصاديا وسياسياً والتفرد بها لإخضاعها وتذويب سياستها في السيادة الأمريكية. حصار دولة وشعب بسبب خياراته ومواقفه في الصراعات الدولية هو في الحقيقة حصار للعالم كله وللإنسانية كلها، لأنه يتعلق بمصير أمة، وبسبب نتائجه المدمرة من تعذيب وموت بطيء وأذى يطال كل شخص أياً كان موقعه ومهما كانت توجهاته ومواقفه. 
كوبا فتحت طريقاً يقود إلى خارج الهيمنة الرأسمالية المتوحشة، وخارج الحصار الخانق الذي زجت فيه الرأسمالية المتوحشة ببلدان العالم من أقصاه إلى أدناه مروراً بوطننا العربي.
 رأسمالية تنجب شعوباً مفقرة، مجوعة من ناحية، وبرجوازية متضخمة منتفخة تضخ القسم الأكبر من عوائد عمل وثروات شعوبها إلى مصارف أمريكا المسيطرة والمهيمنة على العالم، مما جعل الكثيرين في العالم يهتف (الموت لأمريكا)، وهو حدث لا شك سيكون عنواناً لانعطافة كبرى في التاريخ الإنساني الحديث، فموت أمريكا لا شك يعني حياة الإنسانية، وإلا لماذا تموت الإنسانية اليوم في كل مكان من أجل عالم أمريكا ونظامها الإمبريالي؟!

أترك تعليقاً

التعليقات