محمد ناجي أحمد

محمد ناجي أحمد / لا ميديا -

استخدام وتحريض القبائل ضد بعضها ليست سمة محتكرة بحكم الأئمة، ولكنها آلية حكم وسيطرة استخدمها الحكام القبليون في حضرموت «ومن الجدير بالذكر أن حكام تلك الكيانات السياسية، أو بعضهم على الأقل كانوا يلجأون إلى استثمار الصراعات القبلية لتثبيت أركان حكمهم (ص-ج-قاموس العرف القبلي في اليمن). فذلك هو ديدن الصليحيين والأيوبيين والرسوليين والطاهريين، والاستعمار العثماني والاستعمار البريطاني في اليمن، وكذلك هو شأن النظام الجمهوري في الجمهورية العربية اليمنية في العقود الأربعة الماضية.
يتميز المؤلف بالتخفف من الأحكام الضدية والعدائية بعموميتها ضد القبيلة، ليدرسها في سياقها القيمي والاجتماعي، في حين أنه يتخلى عن هذه الروح في تناوله لنظام الإمامة في سياقها القيمي والتاريخي. فمن استشهاداته عن إجارة القبيلة، يورد المؤلف موقف الشيخ عاطف المصلي حين أجار الإمام محمد البدر، وساعده على الهرب، بعد فراره من قصر البشائر الذي ضربته مدافع ثوار  سبتمبر ، ففر باتجاه همدان، وحين طُلب الشيخ عاطف المصلي إلى قيادة الثورة في صنعاء، وسألوه عن فعله، أجاب بما معناه أنه قام بذلك «بحق القبيلة» أي وفق القيم القبلية في «الجوار» ولم تأخذ قيادة الثورة بتبريره، بل اعتبرته «خائنا «وحكمت عليه بالإعدام، و»أعدمته فعلاً (ص-ج-قاموس العرف القبلي). ويكرر المؤلف قصة إجارة الشيخ (المصلي) مرة أخرى في صفحة -، بتفصيل أكثر «أنه عندما وصل البدر إلى ضلاع همدان القريب من صنعاء -كما شرح لي ذلك في كهف القارة- محل شيخ همدان، قدم له عاطف المصلي المساعدة بحق «القبيلة «مع أنه «المصلي» «مثور» (أي ثائر جمهوري) كبير، كما قيل لي. مكث البدر ساعة مع عاطف المصلي، ثم أعطاه فراشاً وتجهيزات وثلاثين عسكرياً، ليستمر في طريقه، وعندما جاء عاطف إلى صنعاء، سأله الضباط: «لماذا ساعدت البدر؟ رد عاطف بأنه كان مرغماً على فعل ذلك بحق القبيلة. فقتل عاطف بإطلاق النار عليه في ساحة التحرير. فما كان من ابنه محمد الذي قابلته في رداع عام  إلاَّ الاصطفاف مع البدر (ص). ولا أدري كيف للمؤلف أن ينساق مع ما قيل له من أن عاطف المصلي «مثور» (أي ثائر جمهوري كبير) دون أن يستقصي البحث عن «ثورية» عاطف المصلي مكتفيا بإيراد ما قيل له من ابنه محمد عاطف المصلي الذي انضم لجبهة الملكيين، في الصراع ضد الجمهورية!
ويستشهد المؤلف في موضوع تمسك القبيلة بأعرافها، بإجارة رموز العهد المتوكلي «أنه في البدايات لعهد الجمهورية، طالب الجمهوريون من قبيلة الأهنوم بتسليم السادة، والرسميين منهم على وجه التحديد، إلاَّ أن الأهنوم رفضوا قائلين «لنا فيهم هجرة» وردوا هجمات الجمهوريين (ص-ج-قاموس العرف القبلي). 

روح ابن علون تسري في الجسد اليمني
يلاحظ المؤلف أنه لا أثر لوجود «المنصب، «أي القيادة الدينية الصوفية، بصفته أحداً ممن يصنعون القرار مع الزعامة القبلية، وذلك في مناطق قبائل ردفان ويافع والضالع والحواشب وسلطنة العبدلي. على عكس بعض المناطق التي كان للقيادة الدينية شراكتها في القرار والأمر». من الملاحظ هنا أنه لا أثر لوجود «المنصب» بصفته أحداً ممن يصنعون القرار مع الزعامة القبلية، ولو أن الولاء لقبائل ردفان كان للصوفي الشهير أحمد بن علوان، الموجود ضريحه في محافظة تعز. (ص-ج-قاموس العرف القبلي).
ويبدو لي أن السلطة الروحية لـ(أحمد بن علوان ) قد امتدت من تعز إلى تلك المناطق من خلال استعانة الأئمة بقبائل تلك المناطق لإخضاع منطقة الحجرية، ومنها «يفرس» التي يوجد فيها ضريحه، ففي القرن الثاني عشر للهجرة كما يذكر (أبو طالب): «وفي سنة  هجرية استدعى أحمد المتوكل في تعز أهل يافع، وعلى رأسهم سلطان يافع قحطان بن معوضة العفيف وأخوه أبو بكر والمفلحي، ووجههم لقتال الحجرية التي كانت بقيادة أحمد بن وهيب وابنه عبد الرب، فانتهت الحملة بمقتل قحطان وأسر أخيه أبو بكر، وقد هزمت يافع في منطقة «الغرس «ما بين تعز ويفرس. وقد حدثت مواجهات بين أحمد المتوكل وأحمد بن وهيب بجبل صبر انتصر فيها ابن وهيب على عامل تعز أحمد المتوكل الذي كان وقتها قد خلع بيعته للإمام المنصور. (أبو طالب- مرجع سبق ذكره). ولم تكن هي المرة الأولى التي تختلط فيها قبائل يافع مع قبائل الحجرية حربا وسلما، فقد سبق للعثمانيين في احتلالهم الأول لليمن أن استخدموا تلك القبائل في حروبهم وإخضاهم الحجرية، ونجد تفاصيل ذلك في الأحداث التي يسردها الموزعي وجرت في القرن العاشر الهجري، في كتابه (الإحسان في دخول مملكة اليمن تحت ظل عدالة آل عثمان) تحقيق عبد الله محمد الحبشي -منشورات المدينة -صنعاء-.

العُرف القبلي وتأثيره على الحضر
مما أورده المؤلف بهذا الشأن قوله: «في سياق الحديث عن العُرف القبلي وتأثيره على الحضر، لا بد من لفت الانتباه إلى أن العلاقة بين القبيلة والمدينة ينبغي أن ينظر إليها على خلفية أنظمة الحكم التي كانت سائدة والتي كانت تتسم بالظلم والجور الشديدين بحق أبناء الشعب في مختلف مناطقه. وقد رافق ذلك تشويه بليغ بين أنظمة الحكم وأبناء الشعب، فاتخذ صيغا وأردية ومسارب عديدة: مذهبية، ومناطقية، قبلية، وغيرها... ومنها العلاقة المشوهة بين الريف والمدينة، سواء أكان هذا الريف ممثلاً بالقبيلي أم بغيره (ص-ج-قاموس العرف القبلي).
وأنا أرى أن تفسير وتعليل الصراع بين القبيلة والمدينة يعود بشكل رئيسي إلى عوامل اجتماعية، واختلاف أنماط الإنتاج المديني والقبيلي، فحين يسكن أبناء القبائل في المدن تظل هذه الأعراف متمكنة وحاكمة لسلوكهم. ففي تعز سبعينيات القرن العشرين أتذكر ذلك الصراع المناطقي بين حارة الجحملية وحواري وحافات المدينة القديمة، بل كان صراعا في أحد أوجهه بين القبيلي المتبندق، كعسكري في الدولة، وأغلبهم كانوا من بني حشيش وبني بهلول وبني مطر وغيرها من مناطق قبائل الشمال، سكنوا في حارة الجحملية السفلى والعليا، وتزوجوا من نساء (صبر) كانت المعارك بين حارة الجحملية والمدينة بالأيدي والصمول (جمع صميل) والأدوات الحادة هي السمة الغالبة في تلك المعارك، بما يشي بعصبية ممزوجة قبلية ومناطقية، تختلط فيها روح العصبية القبلية بعصبية الحارة والحافة. فأبناء المدينة في تعز وإب يرادفون بين العسكري والقبيلي، وينظرون إلى حارة الجحملية وكأنها قبيلة ومعسكر في آن. ولم تتلاش هذه الظاهرة الاجتماعية إلاَّ مع النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وكان للاغتراب، أي الانشغال بالعمل في المهجر، والتعليم دوره في إذابة هذه العصبويات داخل المدن.
يرى القبيلي بحسب ما ينقله أحمد الجبلي في مؤلفه هذا، نقلا عن (عدرة)، «بأن القبيلي (في شمال البلاد) هو مزارع ومحارب في نفس الوقت، ولذا فهو يُطعِم فئتي السادة والقضاة، وبني الخُمس، وهو من يحميهم، ويميز القبائل أنفسهم بالانتساب إلى القبائل القحطانية، وبدورهم التقليدي كمحاربين، وبسكنهم في الريف، مقابل سكان المدن والبلدات التي يسكنها السادة والقضاة وبنو الخمس (ص-ج-قاموس العرف القبلي).

الإمام يحيى وسلب المشايخ سلطاتهم
عمل الإمام يحيى منذ بداية عشرينيات القرن العشرين على سحب صلاحيات وسلطات المشايخ، بأن أرسل عاملا وحاكما وكاتبا لكل قضاء، مما جعل المشيخ دون وظيفة فعلية تمس الناس. ولعل ما أشار إليه المؤلف أحمد الجبلي من أن علي الوزير أمير تعز قد أنشأ ما يسمى بنظام «الأمين» ليقوم بمقام الشيخ بالنسبة لعلاقة المواطن بالدولة، وهو ينقل ذلك عن الوزير المحقق «ولكنه أبقى للمشايخ وجاهتهم الاجتماعية، وأبقى أيضا حصة معينة من حاصل الزكاة مقابل شل أيديهم من أي تصرف يمس المواطن مباشرة أو غير مباشر (الوزير: ) ولكني لم أجد ما يؤيد هذه المعلومة في أي مصدر أو مرجع متاح لي (ص-ج-قاموس العرف القبلي).
أظن أن ما قاله المحقق الوزير هو الصحيح، لكن بتسمية مختلفة «عدل القرية» وليس الأمين، فقد كان جدي محمد سعيد عبد الله، أخو جدي أحمد سعيد، عدلا لـ(نباهنة) عزلة قدس ناحية المواسط قضاء الحجرية، يقوم بوظيفة جمع الزكاة، وتمثيل النباهنة لدى الدولة، فقد طلبه الإمام أحمد إلى المقام في تعز لمحاسبته عن زكاة النباهنة. أما عقود الزواج والبيع والشراء فلم تكن من اختصاصات (عدل القرية) إنما من اختصاص الفقهاء والقضاء. 

الدوشان/ الإعلامي
من وظائف الدوشان، وهو من بني الخمس، أي المستضعفين، الذين لا يحملون السلاح، ويعطون من خمس الغنائم، القيام بوظيفة الإعلامي في نشر الأخبار على الملأ، فعندما أراد النقيب يحيى أبو عروق -وهو أحد نقباء خميس آل أحمد بن كول من ذي محمد- التبرؤ من الإمام القاسم، أمر «الدوشان» أن ينادي بـ»ظاهرة» في السوق توضح تخليه عن مسؤولية الدفاع عن الإمام القاسم وأتباعه (ص-ج-قاموس العرف القبلي).

حكاية مثل
«من غرائب الحكم العرفي بالعوالق أن الحاكم العرفي حديج بن حسين الجارضي كان في بيته عندما جاء خصمان ادعى أحدهما أن الآخر عضه بأسنانه، وادعى الثاني أن الآخر رمحه برجله، فلما فرغا من الدعوى والإجابة بينهما قال الحاكم بالبديهة: العضة بالرمحة، وقرشين لحديج، فذهبت مثلا في إهدار الحدود وتغريم الخصوم (ص-ج-قاموس العرف القبلي).

نخيط برطي
نقتبس من الكتاب ما ذكره المؤلف عن مادة: برط. البريط: هو الإبراق والإرعاد بالكلام (النخيط) وقد اشتقت اللفظة -كما يذهب الإرياني- من طريقة أهل برط في الحديث المليء بالفخر والاعتزاز، ويراد بها التفكه. وسكان جبل برط هم «ذو محمد بن غيلان» و»ذو حسين بن غيلان». ولعل «ذو حسين» هم أول من تفكه على إخوانهم «ذو محمد» بأهزوجة يترنمون بها، موضوعة على لسان أحدهم من «ذو محمد» يرويها بفخر، وليس بها من الفخر، بل هي ضرب من «البريط» إذ يقول:
إحنا عشرة من «ذو محمد»
لقينا قُمْعِثي من «ذو حسين» 
هاشنا وهشناه
مننا ومنه 
قتل مننا واحد بقينا تسعة 
وحنا تسعة من «ذو محمد» 
لقينا قمعثي من «ذو حسين»
هاشنا وهشناه
مننا ومنه
قتل منا واحد 
بقينا ثمانية من «ذو محمد»
لقينا قمعثي، إلخ
وتستمر الأهزوجة إلى أن يبقى واحد:
ما زاد بقي إلا أنا 
ومن شجاعتي وقحامتي 
تِربّعْتِه ودخلت من بين ارْجلِهْ
أي أنني توسلت إليه واستجرت به ربيعا، وزيادة في التعبير عن خضوعي له دخلت من بين رجليه (ص--ج-قاموس العرف القبلي) نقلاً عن (الإرياني: مادة «برط»-).

مكانة الحرب في القبيلة
الحرايب: في قبائل المشرق هي الحروب، يشير متزمل إلى مكانة الحرب المحورية في حياتهم اليومية، وأن الغاية من تربية الأبناء هي لكي يصبحوا رجالا أشداء عند القتال:
يا سلامي على من هو رفيق صحبته ما نَبَا بدّالها
عند شب الحرايب ما نضيق ما نربي العيال إلاَّ لها
ولتثبيت قيم الاستبسال والشجاعة في نفوس القبائل، تسمع الأمهات، عندما يلاعبن أولادهن: «يجعلك ربي قتيل ولا يميتك ميتة الدواب». وإذا مات الرجل ميتة طبيعية، فمن جملة ما تعدِّده المرأة عند رثائه قولها: «ليته اغتسل بالدماء، ولا مات حرمة» (ص).
وإذا أرادت القبائل صلحا، قالت: «حرب طول الزمن عيب»، ويضرب عند عرض الصلح على أطراف الصراع، بغرض استمالتهم إلى الصلح. (ص-ج-قاموس العرف القبلي). ومن أمثالهم «من حل وسط القوم شل بلاهم». 

أترك تعليقاً

التعليقات