غربة الحرية وثمار النصر في زامل  (ما رميت الحكومة) للشاعر الشهيد عبد المحسن النمري 
يا قمر يا كواكب وين أجي يا زماني
ما رميت الحكومة جيشها اللي رماني
شعبنا ما غزيته والله إنه غزاني 
جيش ضد المواطن ما يشرف وطاني
وين أجي يا وطنّا ما معي شعب ثاني
اليمن حقّ أبويه جدي اللي بزاني
ويش سويت قلي يا وطنا كفاني 
أصبح المعتدي طلّاب والحر جاني
يا جميع الخلايق كل قاصي وداني
إشهدي عند ربي يوم يبعث كياني
صرخة الله أكبر ذنب والذنب ثاني
صرخة الموت لأمريكا جريمة تباني
صرخة الموت لإسرائيل عزّ أو هواني
وإن لعنت اليهود أصبحت مجرم أناني
صرخة النصر للإسلام صارت تعاني
ذنبي أني رفعت شعاري اللي حماني
ذنبي أني صلا ربي (هو) اللي دعاني
ذنبي أني مجاهد يرفض أي امتهانِ
والله إني لأكبر ما أتراجع ثواني
لو وقف ضدي العالم وكلٍّ نصاني
والله إني أسد في الحرب ما أنا جباني
بندقي في يميني والجعب والكفاني
نصر وإلا شهادة من بغاني لقاني
دام وأنا مع الله ربي اللي يراني
مرحبا بالمنايا في حتوف الطعان
أرفض الظلم وأرفض في الحياة الهواني
والله إني لاضحي في البداية واعاني
سكة الله شرف رفعة وعز وهناني 

مناشدات تخاطب العقل والضمير الإنساني الحي، مقدمة الحجج القاطعة والبراهين والأدلة الدامغة، التي تثبت خلو ساحة المتكلم /الشاعر - في موقعيه الفردي والجمعي - من كل التهم المنسوبة إليه مسبقاً، سواء من حيث الزعم أنه بدأ العداء والاعتداء على الحكومة، أو من حيث الزعم الآخر أنه خارج عن الجماعة، ويمثل أجندة خارجية لا تمت لواقعه وهويته وشعبه ووطنه بأية صلة، حيث يحضر الشاعر بقوة نافياً ذلك، ومؤكداً خلافه، ابتداء من عتبة النص/ العنوان (ما رميت الحكومة)، سواء في مستواه التركيبي المكون من (ما) النافية لوقوع الفعل (رميت) من المتكلم المعبر عنه بتاء الفاعل سواء في الماضي أو الحاضر وصولاً إلى المستقبل، كون ذلك الفعل مستنكراً وغير مقبول في عرف وتقاليد وعادات قيم ومبادئ الشاعر الذي يمثل مجتمعه وبيئته.
أما على المستوى الدلالي، فنجد أن النفي يمثل بؤرة المعنى والمركز الدلالي المهيمن على ما سواه، لتواشج التركيب والدلالة، ليس فقط في نفي التهمة وإعلان براءة المتكلم من جرم استهداف أبناء الجيش أو مبادرتهم باعتداء أو ما شاكله، بل يصل النفي إلى إثبات وتأكيد أن مثل ذلك الفعل والجرم الشنيع يعد عيباً أسود، وعاراً وشناراً في عرف وبيئة الشاعر المتكلم ومجتمعه، الذين لا يمكن أن يخوضوا حرباً استباقية، وإنما هم فقط يدافعون عن أنفسهم، إزاء حرب إبادة شاملة كانت ضدهم.
هذه الدلالات وغيرها هي ما يؤكده السياق الدلالي العام لهذا النص/ الزامل، منذ مطلعه الاستهلالي الفائق الروعة المتوجه بالنداء إلى مفردات الكون وعناصره الجامدة (القمر والكواكب)، بما تمثله من دلالاتها العلوية، وأنسنتها لتكون شاهدة على هول الكارثة وحجم الفاجعة.
إذن، ما الذي حدث؟ وما هي القصة وراء هذا النص المتمثل في موقف الشاعر - الفردي والجمعي - وكيفية شعوره بالغربة النفسية المجتمعية، المتمثلة في مناشداته للقمر والكواكب، دون أن يناشد أهل الأرض بعد تخليهم عنه وخذلانهم له وعدم إنصافهم له، لذلك لم يكتف بمناشدة المكان، وإنما انتقل الى الزمان الذي لم ينصفه أيضاً، متسائلاً هل هو زمانه الذي من المفترض تواجده فيه، وإن كان زمناً آخر، فهل له موقف آخر غير هذا الموقف السلبي الذي جعل الشاعر يعاني من غربته وهو في أرضه وبين أبناء شعبه؟! 
الذي حدث هو أن جماعة أنصار الله في صعدة منذ التسعينيات تبنت خيار مقاومة القوى الامبريالية الاستعمارية، وحاولت إعادة المجتمع اليمني العربي المسلم الى مساره الصحيح ودوره الأساسي الذي يجب أن يؤديه، وقد اتخذت من الشعار موقفاً ورؤية تحمل كل محددات مسيرتها النضالية، وحينما أعلنت موقفها المشرف ذاك تكالبت عليها كل القوى الداخلية والخارجية، وشنت ضدها 6 حروب، بتحريض إعلامي وعداء عقائدي، شارك فيها الجيش اليمني والطيران السعودي والأمريكي، في حرب غير متكافئة، واعتداء صارخ أقل ما يوصف به أنه كان حرب إبادة جماعية. ورغم محاولات هذه الجماعة توضيح حقيقة موقفها وما ترمي إليه، وانبثاقه من حقيقة الدين وصريح النص القرآني، إلا أنها لم تجد - غالباً - غير الخذلان والتعامي وصمم الآذان من القريب والبعيد، وبذلك أصبحت في مواجهة الموت المحتم مباشرة، إضافة إلى عزلتها ومحاصرتها في حيزها الجغرافي المحدود جداً، ليكون المنفى الذي أرادته لها قوى الاستكبار وعملاؤها. 
غير أنها خرجت بعد تلك الحروب الظالمة، منتصرة شامخة، وقد وصل صدى صرختها إلى جميع الأسماع محلياً وإقليمياً، وأصبح ما ظنته قوى الاستكبار وعملاؤها منفى لهذه الجماعة، منبرها الإعلامي ومنطلق مسيرتها النضالية التحررية مبلغاً عنها ما تريد قوله إلى الجميع، وأصبح المكان - مران خاصة وصعدة عامة - رمزاً للصمود والشموخ والحرية، وبذلك اتسعت دائرة النضال التي شغلها مجاهدو ورواد المسيرة القرآنية، لتشمل بعد ثورة 21 أيلول المباركة اليمن بأكمله أرضاً وإنساناً، ليصبح موقف رفض الهيمنة الأمريكية موقفاً جماهيرياً شعبياً عارماً، وبذات الكيفية السابقة تعاملت أمريكا وعملاؤها مع اليمن الثائر بفرض عزلة سياسية واجتماعية واقتصادية عليه، وأعلنت عليه حرباً شعواء، وفرضت حصاراً جائراً ضد الشعب اليمني، وبذلك أصبحت كلمة الحق المتمثلة في المسيرة القرآنية التي بدأت من رقعة جغرافية صغيرة في منطقة صعدة، هي الموقف المشرف للشعب اليمني بأكمله، ومواصلة لمرحلة التضحيات والصمود ضد قوى الاستكبار وعملائها، وكما كان النصر حليف جماعة أنصار الله في حيزها الصغير، فإن بشارات النصر تلوح في الأفق للشعب اليمني بأسره، وبإذن الله سيكون الموقف الجامع للأمة العربية والإسلامية على طريق الحرية الإنسانية الشاملة؛ ذلك لأن دعوات الحق غالباً ما تقابل بالرفض القاطع، وتواجه بالقمع، وتعامل بالاستنكار والازدراء، ويلحق بدعاتها سيل من التهم الباطلة، ثم يدعى المجتمع إلى مقاطعتهم ونفيهم ورفضهم، وحينها تصبح الفضيلة عاراً، والحق مستنكراً، حسب المفهوم السائد، ولكن سنة الله تقتضي أنه كلما زاد الضغط على صوت الحق وقمعه وكبته وتغريبه، كان ذلك سبباً في جلجلة صوته وزلزلة صداه، واتساع رقعة انتشاره، وقوة ظهوره على جميع بقاع الأرض، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.