حاورته: بشرى الغيلي  / مرافئ -
شاعر عاش لقصيدته وأخلص لها حتى فارقها. أذكر في أحد اللقاءات أنني سألته: ما العمل عندما تغيب القصيدة بالانشغال في الصحافة أو غيرها؟ فأجاب: «يا ابنتي، القصيدة لا تريد منافسا أبدا، ولا بد من الإخلاص لها».
عاصر الكثير من الأحداث السياسية والتاريخية المهمة، وكانت له مواقف دوّنها شعرا. كتب للوطن، وتغنى بجباله وسهوله وقراه وشواطئه، وكان يفتخر ويفاخر بأنه جاء إلى محراب القصيدة من المرعى الذي شكَل في حياته علامة فارقة وحساسة، وهو الذي يقول:
 وللصبواتِ في المرعى شِعــــابٌ          مراهقةٌ كموالِ الصبايــا
 أهشُّ بها على بصري وسمعي          وألقي في نزاغتها عصايا
صحيفة «لا» كان لها منذ انطلاقتها أن تظفر بلقاء شيق مع الشاعر الراحل حسن عبد الله الشرفي، وها هي الآن تستضيف نجله «صادق» عبر مرافئها، متحدثاً عن جوانب من حياة والده، فإلى الحوار: 

تأثير البيئة
  إلى أي حد تركت البيئة أثرها في نتاج شاعرنا الراحل حسن عبد الله الشرفي وجعلت قصائده معجونة بالطين والماء؟ 
- بداية أشكر لصحيفة «لا» اهتمامها بسيرة وحياة الوالد رحمة الله عليه. وفي هذا الخصوص كان الوالد حريصاً على تدوين مكان وتاريخ كل قصائده، لإدراكه أهمية المكان وأثره في القصيدة. وقد ورد في قصائده أسماء الكثير من الأماكن التي وظفها توظيفاً جمالياً أو سياسياً أو اجتماعياً، في الإشارة إلى العادات والتقاليد المختلفة من مكان لآخر. وكان يقول إن كتاباته بعد 93 (عام انتقاله إلى صنعاء) غير كتاباته قبله؛ في إشارة إلى أثر البيئة الصنعانية، السياسية والثقافية والاجتماعية، في قصائده.

من المعلامة إلى المرعى
 حياته الشخصية رافق فصولها الكثير من المحطات المهمة.. كيف سيرويها نجله صادق لجمهوره ومحبيه؟ 
- كان رحمه الله قد تحدث في كثير من المقابلات عن سيرته الذاتية، وكتبها في مقدمات بعض دواوينه الشعرية. والأجمل هو سرد فصول حياته سردا شعريا بديعا في قصيدته المطولة بعنوان «متن السيرة»، تجدونها في المجلد الثامن من الأعمال الكاملة، وأنهى كل فصل بتاريخ بداية ونهاية الفصل ابتداء من مرحلة الطفولة من تاريخ ميلاده في 1944 وحتى دخوله «المعلامة» (الكُتَّاب). وهذه المرحلة في مديرية الشاهل بمحافظة حجة، واستمرت حتى 1951 تقريبا، ثم جاء الانتقال الأول إلى مديرية المفتاح مع جدي رحمه الله، ليكمل هناك تعليمه في المعلامة لمدة ثلاث سنوات تقريبا، ثم من المعلامة إلى المرعى، بعد أن أكمل عامه العاشر، ليستمر في رعي الأغنام حتى 1957، وتتاح له -بشفاعة من أحد أصدقاء والده- الفرصة ليعود إلى المدرسة العلمية في مدينة المحابشة حتى نهاية الخمسينيات، ومنها انتقل إلى المدرسة العلمية في صنعاء حتى قيام ثورة 1962، ليعود بعدها إلى الريف ويعمل مزارعا وخياطا وطبيبا متجولا، ثم تم تعيينه في المحابشة مديرا لمدرستها. لم يستقر بها طويلا، ليعود إلى الترحال والتنقل هربا من المصريين، لأنه انتقد إدارتهم للمنطقة، وينضم إلى الملكيين في صعدة وجمعة بن فاضل، ليعود بعدها في بداية السبعينيات للانتقال إلى الزيدية في تهامة، بحثا عن عمل، ومنها مجددا إلى مديرية المفتاح كموظف في الإدارة المحلية ثم مديرية أفلح اليمن، ثم مديرية كحلان الشرف، ثم مديرية المحابشة مجددا، ليستقر فيها قرابة العشرين عاماً، أي إلى أواخر 1993. وأتيحت له الفرصة خلالها لزيارة عدد من الدول العربية والأوروبية، سواء من خلال مشاركاته في الفعاليات الثقافية، أو الزيارات الشخصية برفقة صديقه المقرب جدا، المرحوم عبد الوهاب الشهاري، لينتقل بعدها بشكل نهائي إلى صنعاء، التي كان يسميها «مدينة الستر» حيث وجد فيها الهدوء الذي افتقده في سنوات حياته السابقة، فتفرغ للقصيدة وهيأت له الظروف بعض الأصدقاء الرائعين، مثل الوالد المرحوم محمد سعد القيفي الذي لم يفارق مجلس الوالد يوماً واحداً خلال أكثر من 15 عاماً. ولا أظن أن الوالد حزن على فقد أحد كما حزن على فقده، رحمهما الله. 
كل هذا الترحال قد يكون للإنسان العادي أمرا غير ذي أثر، ولكن مع شاعر مفرط الإحساس والمشاعر كان لكل مرحلة أثر بالغ في شعره، وخاصة أسماء الأماكن على امتداد الجغرافيا التي تنقل منها وإليها. كما أثرت ثقافته الاجتماعية ومعجمه اللغوي من اللهجات العامية -وما أكثرها- لتتجلى في قصائده الشعبية في مزيج بديع ميز قصائده.
على المستوى التعليمي، كانت فترة دراسته في المدرسة العلمية من أهم المراحل التي أثرت على مسيرته الأدبية، حيث أتيح له في تلك المرحلة الاطلاع على تجارب كبار الشعراء، لينتقل بفكره من زمن المهاجل الزراعية وحزاوي العجائز -كما كان يقول- إلى مرحلة المقاربات الثقافية الحقيقية. ومن المراحل المهمة في حياته، فترة عمله في الإدارة المحلية، التي أتاحت له فرصة الاقتراب من هموم المجتمع وقضاياه، لتتجسد جلية واضحة في قصائده الشعرية الفصحى والعامية. وآخر المراحل هي مرحلة استقراره في صنعاء، والتي مثلت بالنسبة له خطوة كبيرة للاقتراب من الوسط الثقافي اليمني بكل مكوناته وأطيافه.

الأنظمة الفاسدة سبب فشل الأمة
 الشرفي الذي كتب للوطن الكثير من قصائد النضال على المستويين المحلي والقومي، كيف أثرت الحياة السياسية عليه؟ وكيف كانت علاقته بالحمدي وبمحور المقاومة؟
- كان الوالد يقول إن السياسة دخلت في كل شيء، ومهما حاول الإنسان الابتعاد عنها فلن يستطيع. وكان رحمه الله متابعا ممتازا للأحداث محليا ودوليا، كما كان قارئاً جيداً للتاريخ الحضاري والسياسي العربي والإسلامي. وهذا الخليط من المتابعة للحاضر والخلفيات التاريخية كون لديه مزيجاً من المعرفة خلقت له رؤية واضحة حول العديد من القضايا السياسية في الداخل والخارج، وكان لذلك الأثر الكبير في موقفه من كل حدث وكل قضية. وكل ذلك انعكس في شعره، فكتب قصائد كثيرة تناول فيها قضايا الأمة وقضايا الإنسانية، مثل العدوان على العراق الذي ترك غصة دائمة في حلقه، وحالة التبعية الخليجية للغرب، وعن التدخل الخارجي في اليمن، وصولا إلى تفريط العرب بالقدس، بل كتب حتى عن تفريطهم بالأندلس من قبل.
وكان يدرك أن سبب فشل الأمة العربية في جميع قضاياها هو الأنظمة الفاسدة، ليخاطبهم في إحدى قصائده قائلاً: 
أقول لكل الخائنين: مكانكم 
بعيدا عن العزم المقاتل والحزمِ 
إذا لم يكن «شارون» منكم فما لكم 
ضمنتم له حرية الفتح والضمِّ؟!
عدمت حياتي إن رجوت سلاحكم 
لموقفِ غرمٍ ما حييتُ ولا غُنْمِ 
إلى أن يقول: 
تقولون: أمريكا هي الخصم دائماً 
صدقتم، فهل كنتم رجالاً مع الخصمِ؟! 
وقلتم بأن الروس قد مكروا بكم 
يجوز.. ولكنْ ما خلصتم من الذمِّ!
وتأتي حركات المقاومة فتبعث في نفسه الأمل بقيام هذه الأمة من سباتها، وهو يدرك أنه لولا حركة المقاومة في لبنان والعراق وسورية لضاعت بيروت وضاعت دمشق، كما ضاعت بغداد. وله ديوان كامل عن المقاومة بعنوان «ديوان لبنان» كان من المفترض أن يطبع في بيروت برعاية حزب الله كما وعده أحد الأصدقاء، ولكنه لم يرَ النور بعد.
أما علاقته بالشهيد إبراهيم الحمدي فينطبق عليها مقولة: «ما محبة إلا بعد عداوة»؛ حيث بدأت علاقتهما بقرار فصل الوالد من عمله بسبب شكوى كيدية مفادها أنه من المناهضين لحركة التصحيح التي قادها الحمدي في السبعينيات، لتهيئ الظروف فرصة أن يلتقيا في المحابشة ويقرأ عليه الوالد قصيدته التي يقول فيها: 
وطني يا قلعة المجد ويا 
غرة العز تجلى فأضاءَ 
رُبَّ مغرور يرى إصبعه 
في دماغ الشمس تحشوها ضياءَ 
يحسب الدنيا بيمناه متى 
شاء كانت صولجاناً أو حذاءَ
وبلا سابق إنذار هوى 
تحت أقدامك يشكو البُرَحاءَ 
رُبَّ قيل سخّر الحظ له 
عَرَقَ الشعب غذاء وكساءَ 
هزه التصحيح فاستخذى على 
قدم الذلة والضعف عياءَ 
لا عسيب الجد أجداه ولا 
شنب الخال وإن طال السماءَ 
بعدها أصدر الحمدي أمراً بإلغاء القرار السابق المتعلق بفصل الوالد وإعادته إلى عمله، والاستمرار في صرف مبلغ من المال على سبيل المكافأة بين الحين والآخر. ويقول الوالد إن آخر مكافأة وصلت إليه بعد استشهاد الحمدي بستة أشهر، وكان من المفترض أن يكون معها رسالة شكر، بحسب ما بلغ الوالد نقلا عن مدير مكتب الرئيس الحمدي، إلا أن الرسالة لم تصل.

مدحوه من حيث لا يشعرون
 بعد وفاته بأيامٍ، تعرّض الشاعر الراحل لهجمة شرسة من قبل بعض الأقلام، محاولة للنيل من تلك القامة السامقة.. كيف تعاملتم مع الأمر؟
- في الحقيقة، نحن سلكنا نهج الوالد في هذا الموضوع، فلم نلتفت لتلك الكتابات، ولم نقف عندها حتى. فكل من كتبوا محاولين الإساءة إليه ليسوا أهلا لأن يلتفت إلى كتاباتهم. ومن الواضح أيضا أنهم ليسوا من القراء الجيدين لشعر المرحوم، فكل تهمة حاولوا إلصاقها به تنفيها عنه قصائده. وربما مدحوه في بعض التهم من حيث لم يشعروا؛ فحينما يوصف بأنه شاعر حوثي لأنه يقف مع الوطن في وجه العدوان، فهذا في الحقيقة هو المديح بعينه. وهناك من وصفه بالهاشمي السلالي. وإن كان هناك من رد على هؤلاء فهي قصيدته التي يقول فيها:
لست حوثياً ولا مؤتمرياً 
وكفاني أن تراني يمنياً 
أمقت الباطل والبغي ولا 
أرتضي للناس حكما همجيا 
وهنا لا يفوتني أن أشير إلى حرص الوالد خلال مسيرة حياته على إبقاء مسافة فاصلة بينه وبين السلطة والمكونات الحزبية والمجتمعية، بل وحتى الصالونات الثقافية؛ حرصا منه على ألا يؤطر في أي أطر حزبية أو فئوية أو أي إطار ضيق لا يتسع للوطن ككل. وبقي على هذا النهج حتى مع نظام ما بعد ثورة 21 أيلول/ سبتمبر. ولذا لم يجد خصومه في كتاباته ما يعينهم على ما رموه به من أكاذيب. 

لا نعتب عليهم
 ما يُستغرب له أن الجهات المختصة والثقافية لم تكلف نفسها حتى إحياء أربعينية الراحل، فمرت وفاته كأنما مرور الكرام. كيف واجهتم هذه اللامبالاة؟ وكيف أثر عليكم ذلك كأسرة عايشت نضاله في محراب القصيدة المخلصة للوطن وقضيته طيلة حياته؟ 
- نحن لا نعتب على أحد؛ إذ إن الأربعينية جاءت خلال فترة الإغلاق بسبب وباء كورونا، ولم نكن نتوقع في الأساس إقامة أي فعالية، بسبب الأوضاع الصعبة والسائدة حينها.

ألوان من زهور الحب والبُن
  ندخل في أجواء الشعر. حضور القصيدة الشعبية والحمينية، إلى جانب الفصحى التي أخذت نصيب الأسد ضمن دواوين الشاعر الراحل حسن الشرفي. كيف تقيمون ذلك الحضور بين أكثر الألوان التي استهوته؟
- أتفق معكم تماما في أن للقصيدة الشعبية حضورا قويا في شعر الوالد، رغم قلتها، مقارنة بالشعر الفصيح. وقد لمست لديه قلقا من أن تطغى شهرة قصائده الشعبية والحمينية على الشعر الفصيح. وعبر هو ذاته في إحدى المقابلات عن ذلك، وأشار إلى تجارب تاريخية لبعض الشعراء السابقين الذين طغت شهرة قصائدهم الحمينية على شعرهم الفصيح، حتى أنه قارن بين القبول الواسع الذي حظي به ديوانه الشعبي في بداية الثمانينيات «ألوان من زهور الحب والبن» مع ديوانين آخرين أصدرهما بالفصحى، أحدهما في الفترة ذاتها، وهو «أصابع النجوم»، وديوان آخر مثل باكورة دواوينه بعنوان «من الغابة»، وقال موضحا إن هذا القلق مرده أن الشعر الحميني مهما ذاع وانتشر فهو محدود الجغرافيا، بسبب قيود اللهجة والمفردات حتى داخل الجغرافيا اليمنية؛ على عكس الشعر الفصيح. ومن ناحية أخرى، الشعر الشعبي أقل ملاءمة لتناول وطرح القضايا غير المحلية. 

لا بد من صبح يبدي فيه سيل اخرف
  القصيدة التي يقول فيها «لا بد من يوم يبدي فيه سيل اخرف»؛ هل كانت تنبؤا بحدوث ثورة تجتاح الفساد الذي كان حاصلا؟
-  هي قصيدة بعنوان «من قال حقي غلب»، قدم الوالد فيها صورة عن الواقع السيئ والفساد المتفشي في المجتمع حينها، وفي أبياتها ما يوضح ذلك: 
غبني على الشعب كم طفْرَنْ وكم حَيْرف 
وكم تجرّعْ سموم القات والشمة 
قاتل وضحى وحمران العيون تلقف 
واحد يبنّك وواحد منتظر قسمه 
راشد يحوتش ومرشد من قداه يدهف 
لا دين يردع ولا عفة ولا ذمة 
وكلّ من جا لطش يدحف ويتصرف 
على مزاجه وما بش من يقول للمه 
وهكذا استمر في سرد مظاهر الفساد، حتى انتهى إلى النتيجة الحتمية لهذا الوضع في قوله: 
 لا بد من صبح يبدي فيه سيل اخرف 
متمشقر امصخر من يلقاه... إلى آخر القصيدة.
 ولذا فإن توقعاته ليست تنبؤات بقدر ما هي استقراء للواقع؛ فقد عانت ثورة 26 سبتمبر من انحراف كبير في مسارها بسبب تسلط مراكز القوى على القرار، وكذلك تسلط القوى الخارجية التي كان أثرها واضحا في توجيه دفة القيادة؛ وهو ما يمكن أن نستشفه في قصائده. كل ذلك جعل من الطبيعي أن يصل الوضع إلى الانفجار وقيام ثورة جديدة. والوالد -كما أشرت سابقا- كان متابعا وقارئا متميزا للأحداث، وقد لمست ذلك في كثير من مواقفه وأحكامه على مجريات الأمور داخل اليمن وخارجها. 

أمة لا تستحق الحياة!
  الأوضاع التي عايشها الشاعر الراحل لم تمر عليه مرورا عابرا، بل جعلته يعالجها بشعر ساخر على طريقته الخاصة. ما أبرز قصائده الساخرة؟
-  ليس هناك شيء يبعث على السخرية والأسف أكثر من حال الأمة العربية، وله في ذلك قصيدة ساخرة مطلعها: 
يا أمةً لا تستحق الحياة 
سوّدت وجه المصطفى في ثراه 
ما دمتِ لم تبني ولم تصنعي 
 فخففي عن دوراتِ المياه 
في إشارة إلى أن الأمة العربية أمة استهلاكية لا تنتج شيئا ولا تقدم شيئا للبشرية. وكما كان يردد دائما: لولا محمد بن عبد الله لم تذكر هذه الأمة بين الأمم، وكل ما تفعله هو الأكل والشرب ودخول دورات المياه. 
بالإضافة إلى سخريته من الاتصالات الليلية التي كانت تصله آخر الليل عندما ينشر نصا لا يعجب السلطة، فيرد عليهم في اليوم الثاني بقصيدة حمينية، مثل قصيدة بعنوان «هاتف الليل»: 
توبة من الشعر توبة وحزام 
مادام والمسألة فيها وجع 
ما غير قلنا نفونس في الظلام 
ونركز الحرية جنب البرع 
إلى أن يقول: 
يا هاتف الليل مثلك ما يلام 
إذا سجد للمهانة أو ركع 
أنا مواطن موالي للنظام 
لكنني أستحي أنفخ قرع 

أغان برائحة البيئة
  فيما يخص القصيدة الغنائية، إذا ما قارنا بين قصيدتيْ «مطر مطر» و»يا ليتنا في جباكم عصفري»، ما الفارق الزمني بينهما؛ حيث إن الأخيرة لم تكن بشهرة الأولى؟
- هناك فترة زمنية لا بأس بها بين القصيدتين. لكن بعيدا عن الفترة الزمنية، دعيني أرجع إلى إجابتي عن أثر البيئة في شعر الوالد. فقصيدة «يا ليتنا في جباكم عصفري» -كما روى لنا- كتبها وهو في مجلس صنعاني؛ ولذا نجد فيها رائحة الأجواء الصنعانية واللهجة الصنعانية. أما قصيدة «مطر مطر» فقد كتبها وهو عائد من زيارة لمنطقة الجوانة في تهامة، ونلمس فيها المفردات واللهجة الخاصة بالمناطق الجبلية القريبة من تهامة. ومن ناحية شهرة قصيدة «مطر مطر»، فجانب كبير من شهرتها يعود إلى الأستاذ أيوب طارش، الذي غناها وقدمها للجمهور بصوته الرائع، حتى أن الكثيرين يرددونها ولا يعرفون من هو الشاعر الذي كتبها.
  هل هناك فنانون من جيل الشباب يطلبون منكم حاليا قصائد لغنائها؟
- لم يطلب أحد أي نص حتى الآن.
  اللون التهامي كتبه الشاعر الراحل باقتدار وتميز. كم النسبة التي تعطونها لهذا اللون؟
- في الحقيقة، لقد سئل الوالد هذا السؤال في عدة مقابلات صحفية. وفي إحداها أحال السائل إلى ما كتبه من نصوص وما نشر من دواوين ليقدر النسبة بنفسه. وأنا سأكتفي بالإجابة ذاتها. 

حسن البردّوني
  كان منزل الشاعر الراحل أشبه بصالونٍ أدبي يجمع في مجلسه أطيافا من الشعراء الشباب. كيف كانت علاقته مع بقية الشعراء؟
- كان يحتفظ بعلاقات طيبة مع الجميع، وكان يتحدث عن الشعراء الكبار، أمثال البردوني والمقالح، بتقدير كبير. وقد أشار في عدة مقابلات صحفية إلى تأثره في بداياته بالأستاذ الراحل عبد الله البردوني رحمة الله عليهما، وربما صرح أنه في مرحلة من مراحل مسيرته الأدبية تمنى أن يكون البردوني الصغير، ولكنه كما قال استطاع أخيرا أن يستقل بشعره وشخصيته، وله ديوان خاص بعنوان «البردّوني». 

هاتف الليل
  هل هناك مضايقات تعرض لها الشاعر الراحل؟ ومن قبل من كانت؟
-هذا صحيح، فقد كان يعلم أن السلطة الحاكمة في فترة ما قبل 11 فبراير 2011 شعارها «قولوا ما شئتم ونحن نفعل ما نشاء»، لأنها وصلت إلى قناعة أن هذا الشعب لن يتحرك ولن يثور مهما قيل من نثر أو شعر. ولذلك كانت تترك مساحة من الحرية للنقد ليظهر إعلاميا أن لدينا حرية رأي. وكان الوالد يستغل هذا التناقض ويكتب الشعر كتابة الناصح الناقد. وانتهج ما يمكن أن نصفه بأسلوب النقد البناء الذي يركز على المشكلة ومكامن الخلل، وليس على تجريح الأشخاص؛ ليس لأنه لا يريد أن يذكر أسماء، بل بسبب المشاركة المجتمعية في انتشار وتشجيع الفساد والفاسدين، وما كان يطلقه المجتمع على الفاسدين من صفات، مثل كلمة «فلان ذيب» و»فلان رَجّال»... وغيرها من الألفاظ التي جعلته يرى أن الفساد لم يعد محصورا في شخص أو جهة بقدر ما أصبح ظاهرة مجتمعية يتحمل مسؤوليتها الجميع، الرئيس والمرؤوس. فكان من حين لآخر، ومع نشره لأي نص شعري لا يعجب الجهات الأمنية، يتلقى اتصالات تحذير وتهديد، وحتى أنه لم يكن يخبرنا بها إلا بعد مرور فترة طويلة عندما تأتي مناسبة لقراءة ذلك النص، فنجده يتندر بما قال المتصل، وحينها نعرف أنه تلقى التهديدات. وفي قصيدته التي أشرت إليها سابقا بعنوان «هاتف الليل»، تندر فيها بمثل تلك الاتصالات، وهي في المجلد السابع من الأعمال الكاملة. 

الحياد خيانة
  موقف الشاعر الراحل من العدوان كان واضحاً في معظم قصائده؛ حيث كتب قصيدة بعنوان «إنها الخامسة» وصف فيها الوضع بعد مرور أربعة أعوام من العدوان. كيف تردون على من شككوا بموقف الشاعر من العدوان؟ 
- لم أعلم أن أحدا يشكك في موقفه ومناهضته للعدوان، بل إن بعض المرتزقة بعد وفاته لم يجد ما يعيب عليه سوى وقوفه ضد العدوان، وأطلقوا عليه صفة حوثي. مواقفه من العدوان معلنة وصريحة، خاصة أنه أعلن في أكثر من مقابلة أن الحياد في هذه المرحلة خيانة، وأنه لا معنى للحياد مع هذا العدوان الظالم، وقصائده ضد العدوان ترددها القنوات التلفزيونية والإذاعية، وخاصة القصيدة التي كتبها في اليوم الثاني من بداية العدوان: 
دكوا الجبال وزلزلوا القيعانا 
هيهات أن نستشعر الإذعانا 
أنتم بقوتكم ونحن بضعفنا 
وغَدٌ لمن لم يخذل الميدانا 
شرف الرجولة أن تحارب جهرة 
لا مثل من جعل الخفا عنوانا
  ختامه مسك. كيف تصفون لقراء ومحبي الشاعر حسن الشرفي تلك الروح الصوفية المتبتلة في محراب النقاء، وقصائده الفريدة في هذا الجانب، الجديرة بأن يطلق عليها «المدرسة الشرفية» و»القصيدة الشرفية» كونه استخدم قاموسا لا يشبه سواه؟
- أستطيع أن أقول إن القصيدة ملأت عليه حياته فعلا وصارت شغله الشاغل، وخاصة بعد أن أصبح غير قادر على القراءة بسبب مشاكل صحية في عينيه، فلم يعد يهتم بالوقت الذي يمضيه مع القصيدة منقطعا عما حوله، فهو إما غارق في تأملاته يفتش عن القصيدة - مع العلم أنه في السنوات الأخيرة لم يكن هو من يبحث عنها، بل كما قال كانت القصيدة هي التي تبحث عنه، فقد امتلك ناصيتها- وإما منكب على دفتر يكتبها فيه أو منشغلا بمراجعتها أو بنقلها من مسخرة إلى مسودة، ثم إلى ديوان مخطوط بصورتها النهائية ليبدأ رحلة جديدة مماثلة مع قصيدة أخرى وبصبرٍ عجيب. وكلما أكمل تجميع ديوان من الدواوين تجده في غاية السرور ويقوم باستعراضه معنا في أي فرصة تسنح لنا بالجلوس معه. وأما معجمه الشعري فقد تشكل وتطور تدريجيا خلال مسيرته الأدبية الطويلة، وربما راجع بعض كتاباته السابقة وتمنى أنه لم ينشرها، ولكنه أيضا بقي حريصا على إظهارها في دواوينه ليتضح للقراء التطور الذي رافق تجربته الشعرية.