تقرير / لا ميديا -
رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة، لا يزال العدو الصهيوني يفرض واقعاً عدوانياً يناقض جوهر الاتفاق تماماً، عبر القصف والنسف وإطلاق النار والتوسع العسكري الصامت، في مشهد يؤكد أن العدوان لم يتوقف، بل تغيّرت أدواته وحدودها.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية 14 شهيداً و18 مصاباً، جراء غارات صهيونية وعمليات نسف لمبانٍ في مناطق متفرقة، لاسيما شرقي مدينة غزة.
هذه الحصيلة اليومية تأتي ضمن سلسلة خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حتى بعد إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
وبحسب إفادات الأهالي، أطلقت قوات الاحتلال نيرانها بكثافة من الطائرات المسيّرة والآليات العسكرية المتمركزة شرقي خان يونس، باتجاه خيام النازحين وسط المدينة وغربها، وهي مناطق مكتظة سبق أن انسحب منها العدو الصهيوني بموجب اتفاق وقف النار.
ولا تقتصر الخروقات على إطلاق النار، إذ واصلت قوات العدو شن غارات جوية وتنفيذ عمليات نسف منظمة داخل المناطق التي ما تزال تخضع لسيطرتها شرقي مدينة غزة، في انتهاك صريح للترتيبات المعلنة. وتشير معطيات وزارة الصحة في غزة إلى أن العدو الصهيوني قتل منذ 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي 451 فلسطينياً، بينهم أكثر من 100 طفل، وأصابت 1251 آخرين، في وقت يعيش فيه نحو 2.4 مليون إنسان أوضاعاً إنسانية وُصفت بالمأساوية، نتيجة تنصل العدو من التزاماته الإنسانية والأمنية.

الاحتلال يوسع «الخط الأصفر»
في موازاة القتل المباشر، تكشف صور الأقمار الاصطناعية عن مسار آخر أقل ضجيجاً لكنه لا يقل خطورة. فقد أظهرت صور حديثة أن العدو الصهيوني وسّع خلال الأشهر الثلاثة الماضية منطقة ما يُعرف بـ»الخط الأصفر»، وهي منطقة احتلال فعلي باتت تشكل أكثر من نصف مساحة قطاع غزة. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» التابعة لكيان الاحتلال نفسه، توغلت القوات الصهيونية مئات الأمتار داخل مناطق يفترض، وفق الخرائط الرسمية، أنها خارج نطاق سيطرتها.
وتُظهر الصور استمرار هدم المباني في جباليا وحي الشجاعية، داخل وخارج «الخط الأصفر»، بالتوازي مع إقامة مناطق خيام جديدة للمهجرين، في مشهد يلخص معادلة قاسية: تدمير ثابت مقابل نزوح دائم. ورغم المزاعم الأميركية عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، لم يتوقف عن القصف من الجو والبر والبحر، ما أدى إلى ارتقاء مئات الشهداء منذ بدء الهدنة.
ووفق منظمة «العمارة الجنائية» في لندن، أقام الاحتلال منذ إعلان وقف إطلاق النار وحتى منتصف كانون الأول/ ديسمبر 13 موقعاً عسكرياً جديداً داخل القطاع، بينها موقعان كبيران في جباليا، بُنيا على أنقاض أحياء مدمرة، وباستخدام آليات هندسية ثقيلة وسواتر ترابية مرتفعة تطل على مساحات واسعة من شمال القطاع. كما تُبيّن صور الأقمار الاصطناعية استمرار هدم مئات المباني حول المستشفى الإندونيسي.
بدوره أكد متحدث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، ينس ليركه، الجمعة، ضرورة إدخال المواد الحيوية إلى قطاع غزة دون أي قيود، وسط استمرار العراقيل الصهيونية أمام المساعدات الإنسانية رغم إعلان بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
وقال ليركه إن إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة يعد خطوة مهمة من منظور الأمم المتحدة، موضحاً أن أي مبادرة تسهم في تخفيف معاناة المدنيين، ودعم إعادة الإعمار، وإيجاد أفق سياسي موثوق، تعتبر إيجابية.

استشهاد طفل في رام الله
لا تقتصر دائرة القتل على قطاع غزة، ففي الضفة الغربية المحتلة، استشهد الطفل محمد سعد سامي نعسان (14 عاماً) برصاص قوات الاحتلال في قرية المغيّر شرق رام الله، عقب اقتحام واسع للقرية وإعلانها «منطقة عسكرية مغلقة».
وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص الحي بكثافة باتجاه الأهالي، وأصابت الفتى في الظهر والصدر، قبل أن تعتدي على المصلين أثناء خروجهم من المسجد، مستخدمة قنابل الصوت والغاز.
وفي موازاة ذلك، صعّد الغاصبون اعتداءاتهم في المغيّر ومناطق جنوب نابلس ومسافر يطا، عبر إطلاق النار، وتسييج الأراضي، والاعتداء على الرعاة، بحماية مباشرة من قوات الاحتلال. ووفق بيانات هيئة مقاومة الجدار، سُجّل خلال العام 2025 أكثر من 23 ألف اعتداء نفذها الجيش والغاصبون المستوطنون في الضفة الغربية، في رقم يعكس تصاعداً غير مسبوق في سياسة العنف المنظم.