دمشق - خاص / لا ميديا -
مشهد 1
الحدث السوري انتقل فجأة، خلال الأيام القليلة الماضية، من لقاءات لوضع اتفاق آذار وتفاهماته، بين سلطة الجولاني الانتقالية في سورية، وتنظيم سورية الديمقراطية «قسد» موضع التنفيذ، ليكون فاتحة لعهد جديد من الهدوء، انتظره وتأمله السوريون، لكن ما حدث كان معاكساً لهذه الآمال.
هذه التطورات، جاءت بعد اجتماع باريس، بين ممثلين عن سلطة الجولاني والكيان «الإسرائيلي»، وبرعاية أمريكية، وبحضور تركي من خارج الطاولة، ثم لقاء دمشق، بين سلطة الجولاني و«قسد»، والذي أوقفه وزير خارجية سلطة الجولاني، الشيباني بشكل مفاجئ، وأعلن تأجيله إلى وقت غير محدد، لتبدأ في اليوم التالي، الاشتباكات العنيفة بين الجانبين، في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، حيث كانت الأيادي التركية واضحة، لدرجة اعتبرت أنها حرب بقرار تركي، وليس بقرار سوري، وليغيب بعدها الجولاني عن الأنظار لعشرة أيام، بدون أن تكشف تفاصيل وأسباب هذا الغياب حتى الآن، وانتهت اشتباكات حلب، بسيطرة قوات الجولاني على الحيين، بتفاهم داخلي وخارجي.
هذا الفصل من الدراما السورية، لم يتوقف هنا، وإنما تلى اشتباكات حلب، حشد كبير في منطقة دير حافر شمال حلب، ومن الجانبين، وهي منطقة تقع غرب نهر الفرات، وسيطر عليها تنظيم «قسد» بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وسط توقعات بتكرار ما حدث في حلب، في دير حافر.
هذه التطورات، أثارت تساؤلات كثيرة وكبيرة، لأن ما يجري لا يخص الوضع في سورية فقط، وإنما منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا كلها، لأنه مقدمة لرسم معالمها، وهي المنطقة التي تعتبر على مدى التاريخ، المؤشر على صعود وانهيار الإمبراطوريات، والدول العظمى:
- فهل هي محاولة لرسم حدود النفوذ والسيطرة في سورية بين تركيا والكيان الصهيوني؟
- هل هي محاولة لرسم حدود إقليم شمال شرق سورية، الذي تسيطر عليه قوات سورية الديمقراطية «قسد» وحصر سيطرتها في مناطق شرق الفرات؟
- هل هذا الرسم هو مقدمة لتقسيم سورية، أم لرسم حدود المناطق الفيدرالية، التي يكثر الحديث عنها كمقدمة لتعميمها في كل المنطقة، انطلاقا من سورية؟
- هل هي محاولة لتحجيم قوة «قسد»، وإجبار قيادتها على الجلوس على طاولة المفاوضات، وفق شروط سلطة الجولاني كمقدمة لإنهاء الوضع في السويداء والساحل السوري وفق سقف أعلى، وهو اللامركزية الإدارية بدل الفيدراليات أو التقسيم؟
- هل هي محاولة أمريكية «إسرائيلية»، لتوريط تركيا، على طريقة توريط صدام حسين في الكويت، ثم تصفية الحساب معها لاحقاً، خاصة وأن لتركيا، حسابات مفتوحة تنتظر تصفيتها، مع معظم القوى والدول الإقليمية والدولية الفاعلة؟
ربما كل هذه الأسئلة مبررة، خاصة وأن ما تخطط له القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وتحديدا الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني حول سورية والمنطقة لا يزال حبيس كواليس غرف السياسة والدبلوماسية في هذه الدول، وهو ما يجعل السيناريو السوري مغلفا بالغموض، ومفتوحا على كل الاحتمالات، ويبدو أن اجتماع باريس كان أكثر من مجرد اجتماع لرسم حدود العلاقة بين سورية بسلطتها الجديدة والكيان الصهيوني، ليظهر وكأنه يشبه الاجتماعات التي أنجبت «سايكس بيكو» قبل أكثر من مائة عام.

مشهد 2
على خلفية هذه الأحداث، أجرت قناة «شمس» التي تعمل من مناطق الحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق، لقاء مع رئيس السلطة الانتقالية أبو محمد الجولاني لكن إدارة القناة قررت بعد إجرائه عدم بثه، مما أثار تساؤلات كثيرة حول مبررات اللقاء، ومبررات الإلغاء، خاصة وأن القناة لم توضح أسباب ذلك، لكن ما تم بثه من مقاطع بواسطة وسائل الإعلام السورية يوضح أن ما قاله الجولاني أكبر من قدرة القيادات الكردية على تحمله، وأكبر من قدرة سلطات البرزاني، على تبريره، أمام الرأي العام الكردي، حول أحداث حلب، والصراع بين سلطة الجولاني و»قسد» حول مستقبل المنطقة، التي تسيطر عليها «قسد» ومستقبل سورية ككل.

مشهد 3
رغم التأثير والتفاعل المباشر بين الوضع في إيران وفي سورية، بسبب الدور المهم الذي كانت تلعبه إيران في سورية والمنطقة قبل سقوط نظام الأسد، والتأثير المتوقع للأحداث الإيرانية على كل المنطقة، لكن لوحظ نوع من البرود الرسمي والشعبي حول الحدث الإيراني، والسبب هو أن مسار الأحداث لا يزال غير معروفة اتجاهاته، والخوف من تداعيات الحدث، والانشغال الرسمي والشعبي بالحدث السوري الذي لا يقل سخونة وتأثيراً عن الحدث الإيراني.

مشهد 4
المشهد الأكثر درامية، في اليوميات السورية، كان مسرحه جامعة دمشق، الجامعة العريقة التي كانت تصنف يوماً من أعرق جامعات العالم، والتي شهدت مناقشة رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الداعية السعودي عبدالله المحيسني، والتي حملت جملة من الملاحظات والتساؤلات:
عبدالله المحسيني، هو أحد قادة تنظيم «القاعدة»، ثم انتقل للعمل مع «جبهة النصرة» في سورية، والتي أصبحت فيما بعد «حركة تحرير الشام»، وهي نفسها التي أصبحت على رأس السلطة في دمشق، بقيادة رئيسها أبو محمد الجولاني.
الشهادة من جامعة «سليمان الدولية» في تركيا، والمناقشة تمت في جامعة دمشق، وهذه الجامعة التركية، وبحسب ما قالته مصادر أكاديمية تركية ليست ضمن المؤسسات المعترف بها رسميا من مجلس التعليم العالي هناك.
المحسيني كان مشغولاً بالأحداث السورية، ومضى فقط عام واحد على سقوط نظام الأسد، ووصول «حركة تحرير الشام» إلى السلطة، والتساؤل: كيف استطاع المحيسني إنجاز رسالة الدكتوراه خلال عام واحد؟
المشهد الأكثر دراماتيكية، كان حضور وزراء الثقافة والتعليم العالي والسياحة في حكومة الجولاني لجلسة المناقشة.
الخوف اليوم، ليس من شهادة المحيسني تحديداً، وإنما من أن تتخذ هذه الشهادة، والتي تم الحصول عليها بطريقة غير مسبوقة، لتكون فاتحة لسلسلة من مئات وآلاف الشهادات المماثلة لمن يصبحون أو سيصبحون من كوادر السلطة الجديدة، وبنفس الطريقة التي حصل فيها الآلاف، ممن كانوا يحتلون معظم المناصب والمفاصل الإدارية والأكاديمية في نظام الأسد المنهار، على شهادات الدكتوراه من جامعات غير معروفة في العالم، وهو ما أنتج على المدى الطويل أفسد سلطة في تاريخ سورية، وانتهت إلى ما انتهت إليه الأوضاع، وبسبب هذا الفساد تحديداً.