تحقيق: بشرى الغيلي / لا ميديا -
الموتُ يزحفُ إلى موائد البسطاء في إب، متخفياً ببراعةٍ بين أوراق الخس وحبات الطماطم، ليُحيل «اللواء الأخضر» من جنةٍ للناظرين إلى بؤرةٍ للألم والخوف، ما يحدث لم يعد سراً يُتداول همساً في المجالس، فشهاداتُ المواطنين تحولت إلى «محاضر ضبطٍ» شعبية وتهمٍ صريحة، تُشير بالاسم إلى مزارعَ ومناطق بعينها، استبدل أصحابها عروق الحياة بمياه الصرف الصحي، لتُضخَّ تلك السمومُ علناً نحو الأسواق، وتستقرَّ أخيراً في موائد المواطنين.
وفي هذا العدد تضع صحيفة «لا» يدها على هذا «الجرح المتقيح»، راصدةً مفارقةً مؤلمة: قراراتٌ حكومية بالمنع، وشحنات خضروات ملوثة تم ضبطها، لكنَّ نفوذَ «تجار الأوبئة» جعل من تلك التوجيهات -في كثير من الأحيان- مجرد «حبرٍ على ورق».. ولعلَّ أخطر ما يوثقه هذا التحقيق، ليس فقط كشف تلوث المحاصيل، بل تتبعنا لمأساةٍ حية، وتوثيقنا لحالةٍ من عشرات الحالات دفعت ثمن هذا العبث وهي إصابةً مؤكدةً بالسرطان، لتكون شاهداً حياً على الكارثة نضعها أمام «الجهات المختصة» والرأي العام، لفتًا للانتباه إلى كارثةٍ لا تقبل التسويف.

إبراء ذمة!
في بلاغ «إبراء ذمة» يضعه على طاولة صحيفة (لا) يسرد النقيب/ سيف محروس وقائع يومٍ كامل من «التواطؤ البيروقراطي» الذي انتهى بكارثة غذائية، كاشفاً كيف نجح «الروتين القاتل» في تعطيل القانون وتمرير السموم إلى موائد المواطنين رغم التحذيرات المبكرة.
ويوثق محروس بدء الكارثة في السادسة من صباح الأحد، حين رصد بالدليل المرئي دخول كميات من (البطاطس، والباذنجان، والفلفل) المسقية بمياه الصرف الصحي من منطقتي «ميتم» و«السحول» إلى السوق المركزي. ورغم التجاوب الفوري للقاضي عبدالرحمن النزيلي، وكيل النيابة، وإدارة أمن «الظهار» التي وجهت بضبط الشحنة وإتلافها، إلا أن التعقيدات في «القسم الغربي» حالت دون التنفيذ.
ويصف محروس بمرارة سيناريو التواطؤ الذي حدث: «سلمت توجيهات النيابة للقسم الغربي في العاشرة صباحاً، لكنهم ماطلوا بحجة غياب المدير وإغلاق هاتفه، ورفض نائبه إخراج الطقم لضبط الشحنة رغم وجود ضباط مستعدين للخروج.. تركوني أنتظر حتى الواحدة ظهراً دون جدوى».
ويختم محروس كلامه بمفارقة صادمة، حيث يقول: «تلقيت اتصالاً من القسم قبل المغرب يطلبون النزول لضبط المخالفين.. قلت لهم: ماذا نضبط الآن؟ السموم قد بيعت، والكارثة وصلت إلى بيوت الناس وموائدهم بالفعل».

بؤرة تلوث كبرى
فيما يرصد الناشط الاجتماعي عبدالله أبو الرجال في حديثه لصحيفة (لا)، تحولاً دراماتيكياً في ملف «الري القاتل» خلال العام المنصرم ومطلع 2026، مؤكداً أن «الكارثة تجاوزت مرحلة التستر الفردي لتصبح ظاهرة مكشوفة أمام الرأي العام».
ويعيد أبو الرجال أسباب هذا الانفلات إلى عوامل مناخية واقتصادية، قائلاً: «تحولت الظاهرة في مناطق محددة، خاصة في إب وتعز، إلى (سباق علني) على مياه المجاري؛ نتيجة موجات الجفاف القياسية التي ضربت البلاد صيف 2025، والارتفاع الجنوني في كلفة استخراج المياه النظيفة».
وتشير تقارير الرصد الميداني التي استعرضها الناشط أبو الرجال لـ(لا)، إلى تصدر محافظة إب المشهد كـ«بؤرة تلوث كبرى جديدة»، بعد أن دفعت أزمة العطش المزارعين لاستخدام أي مياه جارية ولو كانت مخلوطة بالسموم، كحل يائس لإنقاذ ما تبقى من أراضيهم.

جريمة مكتملة الأركان
ينقل شاهد العيان، صدام الدمة (37 عاماً)، لصحيفة (لا) هول الكارثة التي حولت محافظة إب إلى «بؤرة الخطر الأشد» خلال عام 2025؛ حيث اجتاحت مياه الصرف الصحي حقول «السحول» و«وادي ميتم» و»جبلة».
وبنبرة تحذيرية، يصف الدمة المشهد بـ»المرعب»، والذي يقول إنه تصاعد أواخر العام الماضي ومطلع 2026، ويضيف: «ما يحدث جريمة مكتملة الأركان؛ لقد شاهدنا بأم أعيننا سباقاً محموماً لمد شبكات الأنابيب وشفط المياه العادمة من غرف التفتيش مباشرة لضخها إلى الحقول، دون أدنى اكتراث بحياة الناس».

سبب موجات الكوليرا والتسمم الغذائي الحاد
الدكتور/ نجيب الكامل، مدير مكتب الصحة في محافظة إب حذّر في تصريح خاص لصحيفة «لا» من «ارتباط طردي وثيق وثقته التقارير الطبية أواخر 2025 بين انفجار معدلات الإصابة بالسرطانات والأمراض المزمنة، وبين استهلاك الخضروات المروية بالمياه العادمة».
ويؤكد الكامل أن استمرار ضخ سموم الصرف الصحي في حقول «السحول» و»وادي ميتم» بات الوقود الرئيسي لموجات الكوليرا العائدة وحالات التسمم الغذائي الحاد.
ووجّه مدير الصحة تحذيراً شديد اللهجة بخصوص الخضروات الورقية تحديداً، بالقول: «تمثل الورقيات كالكراث والبقدونس والخس القادمة من تلك المناطق قنابل موقوتة؛ إذ تمتص الملوثات والسموم بشكل مباشر، ويستحيل تطهيرها بالغسيل التقليدي، ما يضعنا أمام كارثة صحية تتفاقم يوميا».

موت أخضر
فيما وجه المواطن مبارك العُقاب عبر صحيفة (لا) أصابع الاتهام نحو المتسببين في ما وصفها بـ»جريمة تسميم المجتمع»، واضعاً الجميع أمام مشهد تلك الحزم من الخضروات التي تبدو يانعة وخضراء بشكل لافت ومغرٍ للناظرين، لكنها تخفي في عروقها سموماً سوداء.
ويؤكد العُقاب أن المناشدات التي وُجهت لعاقل منطقة «الذهوب» ومدير قسم 7 يوليو، قوبلت بانتكاسة خطيرة، وردَّ المخالفون بتكثيف ضخ المجاري بدلاً من إيقافها.
ويحذر العُقاب من أن هذا «الموت الأخضر» يتجاوز الإيذاء بالروائح التي تخنق سكان «دار القدسي»، قائلاً: «هؤلاء المزارعون يرتكبون جريمة في حق المجتمع ببيع خضروات مسقية بالسموم قد تسبب الفشل الكلوي والسرطان للناس. ونحن عبر منبركم نجدد البلاغ ونطالب الجهات المعنية بسرعة النزول وضبط هؤلاء الذين لا يراعون ذمة ولا ضميرا في أرواح الناس».

لن نتهاون في ضبط المخالفين
يقطع المهندس حمود الرصاص؛ مدير عام مكتب الزراعة بمحافظة إب، الطريق أمام المشككين بجهود المكافحة، كاشفاً لصحيفة (لا) عن ضبط وإتلاف 5 شاحنات كانت تحمل 18 طناً من الخضروات المروية بالمجاري.
ويؤكد الرصاص قائلاً: «نحن مستمرون في تنفيذ التوجيهات بكل حزم، ولن نتهاون في هذا الملف؛ فقد أخذنا تعهدات صارمة من بائعي الجملة بعدم الشراء من مناطق (ميتم) الملوثة، ونقوم بالتعميم لمنع دخول أي منتجات ملوثة من خارج المحافظة، وأي مخالف سيتم إحالته للنيابة فوراً».
وتتلاقى هذه الصرامة مع تأكيدات مصدر مسؤول في ديوان عام المحافظة، الذي وصف منع هذه السموم بأنه «معركة حقيقية» لحماية الأرواح، مشدداً في حديثه: «إن توجيهات المحافظ عبدالواحد صلاح تضع صحة المواطن في رأس الأولويات دون أي تسويف، ولن نسمح لأي عابث أن يضر بصحة أبناء إب».
وعلى الضفة الأخرى من المواجهة يعتبر مصدر أمني في إدارة أمن إب أن المهمة تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن، مشيراً إلى أنهم حجزوا السيارات المخالفة وأخذوا التعهدات اللازمة.
ويضيف المصدر الأمني: «دورنا لا يقتصر على ضبط الأمن الجنائي فحسب، بل الأمن الغذائي أيضاً؛ لذا نعمل جنباً إلى جنب مع الزراعة، وسنكون بالمرصاد لكل من تسول له نفسه إدخال هذه الآفات إلى أسواق المحافظة».

السرطان في طبق السلطة
يختزل المواطن علي صالح لصحيفة (لا) قصة وجع عائلته التي بدأت بألم عابر وانتهت بتشخيص زوجته بـ»الورم الخبيث»، وهي النتيجة التي أرجعها الأطباء -بحسب تأكيده- إلى التلوث الغذائي الناجم عن الخضروات المروية بمياه الصرف الصحي والمبيدات، ليتحول ما كان يظنه غذاءً صحياً إلى «سم» يتجرعه أهل بيته ببطء.
ويصف صالح كيف انقلبت حياتهم واستنزفت «الخضروات الملوثة» مدخراتهم وصحتهم، قائلاً: «كنت أشتري لبيتي جرجير وكراث وخس يومياً معتقداً أنها مفيدة، ولم أكن أعلم أنني أُطعم زوجتي وأطفالي أمراضاً، لقد بعت ذهب زوجتي واستدنت مبالغ كبيرة لتوفير قيمة الجرع الكيماوية وهي تتألم أمامي؛ ذنبنا الوحيد أننا وثقنا بالسوق، والآن ندفع الثمن غالياً من صحتنا وأموالنا».

تكسير أغطية غرف التفتيش
من موقعه الفني والإداري يضع المهندس/ ماجد الشامي، مدير عام المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بمحافظة إب، النقاط على الحروف، كاشفاً لـ(لا) أن الأزمة لا تكمن في شحة المياه فحسب، بل في «تخريب متعمد يطال البنية التحتية؛ إذ يعمد مزارعون في مناطق (الذهوب) و(ميتم) إلى تكسير أغطية غرف التفتيش لشفط المياه العادمة الخام قبل معالجتها».
ويحذر الشامي من الخطورة القاتلة لهذا السلوك قائلاً: «إن المياه التي تُسرق من الشبكة هي مياه خام محملة بتركيزات عالية من البكتيريا والمعادن الثقيلة والملوثات الطبية، واستخدامها لري خضروات تؤكل نيئة هو جريمة قتل مكتملة الأركان».
وفي مواجهة هذا العبث يؤكد الشامي أن حلول «تلحيم المناهل (غرف التفتيش)» لم تعد تكفي أمام تكرار الاعتداءات، كاشفاً عن توجه جديد للمؤسسة يتمثل في «رفع دعاوى قضائية وعقوبات رادعة ضد كل من يثبت تورطه في تدمير الشبكة والعبث بالأمن الصحي للمجتمع».

من المجاري عيني عينك
«في إب الخضراء، الخضار تُسقى من المجاري عيني عينك»، بهذه المكاشفة الصريحة يفتتح القاضي محمد البعداني تعليقه على الواقع الصحي، مشيراً إلى أن الأمر لا يتوقف هنا، بل يتعداه إلى القات الذي «كل الناس عارفين أنه مسموم».
وفي تعليقه على الأنباء المتداولة مؤخراً يضيف البعداني بأسى: «ذي كان ناقص هو اللحوم، كشفوها اليوم أنها لحوم كلاب»، مختتماً رأيه بتساؤل يستنكر انعدام الخيارات الآمنة: «عاد شي معاكم تغذية غيرها تمنح الحياة مش الموت».. محذراً من وصول الوضع إلى مرحلة العبث الكامل بأرواح الناس.

حجم التلوث والكلفة البشرية
تكشف البيانات عن فجوة بيئية وصحية حرجة في محافظة إب، حيث يتدفق يومياً ما بين 25,000 إلى 30,000 متر مكعب من مياه الصرف الصحي، بينما لا تتجاوز القدرة الاستيعابية لمحطة المعالجة 5,500 متر مكعب فقط؛ ما يعني ضخ كميات هائلة من المياه غير المعالجة إلى واديي «ميتم» و»الذهوب». يُستخدم هذا الفائض الملوث مباشرة لري سلة غذاء المحافظة (خضروات ورقية، ثمرية، وجذرية)، وقد ارتبط ذلك بتسجيل أكثر من 7,000 حالة سرطان في مركز الأورام بالمحافظة، لتُصنف إب ضمن أعلى المحافظات في معدلات الإصابات الجديدة بالسرطان نتيجة تركز المعادن الثقيلة في السلسلة الغذائية.