عادل بشر / لا ميديا -
لأول مرة منذ سنوات طويلة، يمكن لأي متابع أن يلاحظ ظاهرة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي: دكاترة جامعات ومدرسون وأكاديميون أفاضل يشاركون في المسابقات التي تعلن عنها الشركات والمؤسسات وغيرها. ليس هدفهم الترفيه، ولا مجرد التسلية، وإنما التعلق بقشة أمل للحصول على جوائز مالية لا تتجاوز في بعضها العشرة آلاف ريال، وهو مبلغ زهيد جداً مقارنة باحتياجات الحياة الأساسية.
هذه الصورة تحمل أكثر من معنى مؤلم. فهي تعكس حجم المعاناة الاقتصادية التي يعيشها المواطن، بغض النظر عن موقعه الاجتماعي أو العلمي. فالأستاذ الجامعي الذي يُفترض أن يعيش حياة مستقرة نسبياً، أصبح يتنافس مع الآخرين في مسابقات إلكترونية، يقتصر غالباً مضمونها على نشر إشارات محددة ومتابعة حسابات وتوسيع نطاق التفاعل، مقابل الفوز -في حال حالفه الحظ- بمبلغ مالي محدود للغاية.
المشهد لم يعد حالة فردية أو استثناء، وإنما انعكاس لواقع معيشي متدهور تعيشه غالبية الأسر اليمنية، التي لم تتمكن من تأمين احتياجات شهر رمضان في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية. ويضاعف ذلك من الأثر النفسي والاجتماعي على المواطنين، خصوصا في شهر يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتراحم والتكافل، فإذا به يتحول إلى موسم قلق وانتظار.
يأتي هذا الواقع، وفقاً لمراقبين، في ظل حالة (اللاحرب) التي تعيشها البلاد منذ اتفاق الهدنة مع العدوان السعودي في نيسان/ أبريل 2022م، دون تحقيق أي تقدم يلمسه المواطن، لا سيما في ملف المرتبات والوضع المعيشي، عدا ما تصرفه حكومة صنعاء من نصف راتب لا يغطي أدنى الاحتياجات الأساسية.
ويرى كثيرون أن هذا الواقع المؤلم يضع مسؤولية مباشرة على عاتق الجهات المعنية في صنعاء لتوفير حلول عاجلة وواقعية. فاستمرار الأزمة دون معالجات جذرية سيؤدي إلى مزيد من الفقر، ويؤجج مشاعر الإحباط واليأس، وقد يدفع بالمجتمع نحو الحالة التي يسعى خصوم اليمن إلى الوصول إليها وهي "إنهاك الداخل وإضعاف الجبهة الاجتماعية".
في هذا السياق يقول الإعلامي والكاتب الصحفي محمد معوضة، مراسل قناة المسيرة في محافظة الحديدة، إن "مشاركة دكاترة جامعات ومدرسين أفاضل، في المسابقات المعلنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تعكس صورة مؤلمة تعني التعلق بأمل الحصول على شيء من الهواء"، لكنه يرى أن هذا الأمر قد يكون "أفضل ممن أجبرتهم الظروف على الوقوف بين الناس في المساجد، أو المدرسين والموظفين الذين اضطروا إلى جمع العلب الفارغة من الشوارع وأكوام القمامة وبيعها"، مؤكداً بأنها في مجملها "حالة عامة تقيم الحجة على الحكومة".
وأضاف معوضة في منشور على صفحته بـ"الفيسبوك": وضع الناس في الحضيض، ولا حل إلا بصرف أو انتزاع مرتبات الموظفين من السعودية بأي طريقة كانت"، موضحاً بأن "وضع الناس المعيشي ليس في صالح صنعاء، وهذا ما تريده سياسة الرياض الخبيثة".
في ذات السياق كان القائم بأعمال رئاسة حكومة التغيير والبناء، محمد مفتاح، قد حذر مملكة العدوان، من "نفاد الصبر"، موضحاً بأن صنعاء قد تلجأ إلى "انتزاع الحقوق بشكل قسري".
وأكد مفتاح خلال خطاب ألقاه بمناسبة حلول شهر رمضان، أن حكومة التغيير والبناء تعمل على جمع الإيرادات المتبقية وإنفاقها. وشدد على أن صنعاء "لن تستجدي السلام بل ستفرضه فرضاً".
وحذر من أن صنعاء لن تبقى مكتوفة الأيدي إزاء تفاقم معاناة الشعب، وستعمل على إيجاد معالجات سريعة، أبرزها تفويض القوات المسلحة اتخاذ ما يلزم "لاستعادة ثروات الشعب المنهوبة" من قبل تحالف العدوان بقيادة السعودية.
وبالمجمل تدفع آثار العدوان والحصار الممتد منذ العام 2015م، بالملايين من اليمنيين نحو المجاعة. فقد صنفت الأمم المتحدة -التي تخلت عن دورها الإنساني تواطؤاً مع العدوان- في آخر تقرير لها، الأسبوع الماضي، الأزمة الإنسانية في اليمن بأنها الأخطر على مستوى المنطقة.
وأوضحت مديرة قسم التمويل والشراكات في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ليزا دوتون، ارتفاع أعداد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية طارئة في اليمن إلى نحو ثلاثة ملايين نسمة. مشيرة إلى أن 22.3 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 18 مليون شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد، فيما يعيش 5.5 ملايين شخص في حالة طوارئ غذائية.