عادل بشر / لا ميديا -
تحت عنوان صادم يكشف عمق المأزق الأمريكي، نشرت مجلة "جاكوبين" الأمريكية تقريراً أكدت فيه أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية في إيران بدأت، بعد ثلاثة أيام فقط، تخرج عن السيطرة.
وأوضحت المجلة أنه بعد أقل من 72 ساعة على انطلاق العدوان الأمريكي-"الإسرائيلي"، بات واضحاً أن القرار لم يكن مدروساً بقدر ما كان مغامرة؛ لافتة إلى أن مصير الملايين بات معلقاً على "حسابات داخلية لا يعرفها إلا رئيس متغطرس ومتقلب المزاج"، في إشارة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي ترامب، الذي لطالما قدم نفسه بوصفه صاحب قرار فردي لا تحده مؤسسات ولا تقيده حسابات استراتيجية بعيدة المدى.
الأخطر، بحسب المجلة، أن واشنطن قوضت بنفسها أي فرصة لاحتواء التصعيد، عبر انخراطها "بسوء نية" في مفاوضات كانت تُدار أصلاً  كغطاء سياسي لا أكثر. وبمجرد سقوط خيار التهدئة، دخلت المنطقة مرحلة الانفجار الكبير.

اغتيال القيادة وسقوط وهم الشلل
"جاكوبين" أفادت بأن استهداف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، وعدد من القيادات العسكرية، ومدنيين، كان الهدف منه "إحداث صدمة تشلّ الدولة الإيرانية؛ إلا أن ما جرى كان العكس تماماً، إذ تولى المجلس الأعلى للأمن القومي، برئاسة لاريجاني، إدارة الحرب، فيما شُكّل مجلس قيادة يضم في عضويته الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجي، وآية الله علي رضا عرفي، كما باشر مجلس الخبراء إجراءات اختيار خليفة للمرشد".
الرسالة، وفقاً للمجلة، كانت واضحة: "الجمهورية الإسلامية ليست فرداً، بل شبكة مؤسسات متداخلة صُممت لتبقى"، وأن محاولة "قطع الرأس" لم تُسقط الجسد، بل حررت طاقة الرد.
وأكدت بالقول: "إن الجمهورية الإسلامية عبارة عن شبكة مترابطة من المؤسسات التي يراقب بعضها بعضاً وتوازن بينها، وهي مصممة للبقاء في وجه أي محاولة لعزلها".

سماء ملتهبة وخسائر غير مسبوقة
وشددت "جاكوبين" على أن "الدولة الإيرانية متماسكة، وتعمل على الدفاع عن نفسها وإلحاق خسائر فادحة بمهاجميها"، مضيفة: "خلال اليومين الأولين، أُسقطت ثلاث طائرات أمريكية على الأقل. وأعلنت وزارة الدفاع الكويتية أن عدة طائرات أمريكية تحطمت فوق أراضيها".
وكشفت المجلة الأمريكية أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تجنبتا التحليق فوق المجال الجوي الإيراني خشية التعرض لنيران الدفاعات الجوية الإيرانية، التي تعززت أكثر منذ عدوان الـ12 يوماً العام الماضي. لذلك تُفضل واشنطن و"تل أبيب" إطلاق الصواريخ من طائرات تحلق في الأجواء المجاورة.
وأوضحت أن الولايات المتحدة "تزعم أن الطائرات أُسقطت بنيران صديقة؛ لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن أمريكا خلال 48 ساعة خسرت من أصولها الجوية ما يفوق خسائرها منذ حربها ضد فيتنام قبل خمسين عاماً".
وأضافت: "في المقابل، أطلقت إيران موجات متتالية من الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل. وبينما نجحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية في إخفاء حجم الأضرار، فقد وردت تقارير غير رسمية تؤكد أن الخسائر أكبر مما تدعيه تل أبيب".

استراتيجية الاستنزاف
تقرير "جاكوبين" لفت إلى أن طهران تتبع تكتيكاً ذكياً، وهو استخدام صواريخ قديمة نسبياً لإجبار "إسرائيل" والولايات المتحدة على استهلاك صواريخهما الاعتراضية باهظة الثمن، مع الاحتفاظ بالصواريخ الأكثر تطوراً العاملة بالوقود الصلب للمرحلة الحاسمة. وأشار إلى أن إيران تعطي أولوية لضرب أنظمة الرادار، لتعريض القطع البحرية الأمريكية عالية القيمة وطواقمها لخطر الصواريخ الباليسيتة، وقد حدث ذلك باستهداف حاملة الطائرات "ابراهام لينكولن".
والأهم أن الرد الإيراني، وفقاً للتقرير، كان أوسع نطاقاً مما توقعه الكثيرون، ولم يكن ضربة واحدة لاستعادة "الهيبة"، بل موجات متكررة تؤكد القدرة على الصمود. هذه النقطة تحديداً تُقوض الثقة في أنظمة الدفاع الجوي "الإسرائيلية" والأمريكية باعتبارها ضمانة أمان مطلقة.

مغامرة الغرور
الكاتب برانكو مارسيتش، من مجلة "جاكوبين"، لخص المأزق بجملة لافتة، مفادها أن الحرب تبدو غير ضرورية حتى أن "مَن يشنّها لا يبدو أنه يعرف سبب إشعالها".
واختتمت المجلة تقريرها بالقول: "في يناير الماضي، قال ترامب وهو يحشد الأساطيل في الخليج: مبادئي الأخلاقية… عقلي… هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني".
اليوم، وبعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع الحرب، يبدو أن ذلك "العقل" لم ينجح في ضبط إيقاع النار التي أشعلها، وأن ما تشهده الأرض يؤكد أن زمن الضربات السهلة قد انتهى، وأن الحرب لم تعد مجرد قرار في البيت الأبيض، وإنما معركة إرادات مفتوحة على كل الاحتمالات.