دمشق - خاص / لا ميديا -
يعيش الشارع السوري هذه الأيام، حالة من الاحتقان والإحباط، وتبخر الآمال والأحلام، التي بناها على التغيير، بعد أربعة عشر عاما من حرب، دمرت كل شيء، وخاصة الإنسان السوري وحقه في حياة كريمة.
هذه الحالة، التي يعيشها المواطن السوري، لم تأت من فراغ، وإنما من سوء أداء الحكومة، والمعاناة التي يعيشها من مختلف أنواع الأزمات والغلاء، التي طالت معظم المواد الرئيسية، ورفع أسعار الغاز، وفواتير الكهرباء، بحوالي مائة ضعف، واستئثار الأقرباء، وجهة واحدة من المجتمع السوري، بمعظم التعيينات والوظائف، وخاصة المناصب الرفيعة، واستمرار الانتهاكات في مناطق عديدة وقضايا الفصل والتسريح التعسفي.
كما يتم انتقاد عملية إقصاء الكفاءات، وأصحاب الخبرات، وخاصة من المعارضين السابقين لنظام الرئيس بشار الأسد، واقتصار معظم التعيينات، ومنها السلك الدبلوماسي، على شخصيات مؤهلها الأساسي، أنهم من جماعة السلطة.
كما جاءت بعد المشاهد المأساوية، التي ظهرت في مخيمات اللجوء، التي لازالت على حالها، بعد أكثر من عام على تولي هذه الحكومة السلطة، خاصة بعد الأمطار والعواصف الأخيرة، التي حولت حياة هؤلاء إلى بؤس شديد.
وتظهر انتقادات وإشارات كثيرة، إلى تدهور الوضع المعيشي، ورفض الحجج التي يروجها مؤيدو السلطة، حول عدم وجود موارد، رغم أحاديثهم عن استثمارات وعقود بعشرات المليارات من الدولارات، والتي تبين أنها مجرد كلام على ورق، ووصفها بأنها «عذر أقبح من ذنب» ويؤكدون أن دور الدولة، عبر حكومتها يقتضي إيجاد الموارد، وتحسين الدخول، وتأمين فرص عمل، وضبط الأسواق.
وكانت فيديوهات تم نشرها، قد أظهرت مشاهد، لمدى المبالغة في المواكب والسيارات الفاخرة، التي تسير مع المسؤولين الحكوميين، وهو ما استفز المجتمع السوري بشكل كبير، ومن الفيديوهات التي أثارت الاستفزاز، مشهد لوزير الثقافة في حكومة الجولاني، محمد ياسين صالح، وهو يسير وسط مجموعة من عناصر الحراسة والمرافقة، فيما كان يروج لنفسه قبل أيام، وهو يحمل جرة غاز في أحد المخيمات، ومشهد آخر لموكب محافظ دمشق (عديل الجولاني) وهو في شوارع دمشق، وبشكل لا يشبه إلا مواكب قادة الدول العظمى.
وما زاد من حالة الانقسام والجدل، الذي يجري في الشارع السوري، التصريحات اللافتة التي أدلى بها حسن دغيم، أحد أهم أعمدة السلطة الجديدة، والمعبرين عن رأيها وتوجهاتها، خلال لقاء مطول معه، بأن لا مانع لديه، من أن يصبح نظام الحكم في سوريا ملكيا، بدل الجمهوري، وأن التعيين في الوظائف الكبرى، يجب أن يكون مبنيا على الثقة، لا على الكفاءة، وأن الوضع الطبيعي للمسؤول بالدولة أن يعين أقاربه في المناصب الكبرى، ورفضه للمناخ الديمقراطي، وأن الديمقراطية لعبة بين أمريكا وروسيا.
الطريقة التي تحدث فيها دغيم، أعطت انطباعاً بأنها نتاج الشكوى شبه العامة، التي أصبحت في الشارع، والنخب السورية، من الحكومة. وأن السيد دغيم، لم يدلِ بهذه التصريحات من تلقاء نفسه، أو أنها أفكاره الشخصية، وإنما هناك من طلب منه أن يدلي بتلك الآراء، ليقيس بها نبض الشارع السوري، ومقدار تقبله وردة فعله حول هذه التصريحات، وخاصة حول مستقبل سورية، أن تكون ملكية أم جمهورية.
وكان هناك استغراب لهذا الطرح، حيث الإرث السوري مبني على التعددية والتنوع، والأساس الديمقراطي الذي قامت عليه الدولة عند استقلالها، إضافة إلى أن الحرية والديمقراطية كانت أحد أهم أهداف ومطالب المعارضة منذ بدء الأحداث في سورية عام 2011.
اللافت أن التعبير عن هذه المعاناة، والإحباط في المجتمع السوري، لم يعد يقتصر على المعارضين، وإنما أصبحت تأتي من مؤيدين للسلطة، ومن المعارضين للنظام السابق، سواء في الداخل أو الخارج، وتمتلئ الصفحات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بمقالات وآراء لكتاب وإعلاميين تحذر من أن استمرار تراكم الأخطاء، وتجاهل مطالب السوريين، قد يقود البلاد إلى «انفجار» محتمل.
وتب رز هذه الأيام، مواقف تحذر من خطورة «المطبلين المغرورين» الذين يوصفون بأنهم من أهم المخاطر على سوريا الجديدة، مع دعوات للمسؤولين، إلى مراجعة المسار، والتصدي للمنتفعين، الذين يستغلون المناصب، لتحقيق مكاسب شخصية، على حساب البلد والشعب.
وتتم الإشارة أكثر بهذا الفشل، إلى «الأمانة العامة للشؤون السياسية» التابعة بشكل غير مبرر أو معروف إلى وزارة الخارجية في حكومة الجولاني التي يتولاها أسعد الشيباني، المحسوب على تركيا، فيما الأصول أن تكون مؤسسة مستقلة، أو تابعة للرئاسة، ويرون بأنها «أس الأسباب» وأن نهجها وأدواتها، بعيدة كل البعد، عن تطلع السوريين، لبناء دولة، تقوم على المشاركة والمواطنة والعدالة.
هذا الوضع الصعب، والذي لم يعد يطاق، من معظم شرائح المجتمع السوري، زاد من حدة التنبيهات للسلطة، من خطورة الاستمرار بهذه السياسات، وبأن الوضع أصبح بحاجة إلى مبادرات حقيقية، للخروج من هذه الحالة، فيما أكدت معلومات، وتقارير إعلامية عديدة، أن نصائح قدمت لرئيس السلطة أبو محمد الجولاني من قادة ودول، وفي مقدمتهم تركيا وقطر، بأن يبادر إلى اتخاذ خطوات، تخفف الاحتقان الموجود في الشارع السوري، فيما الأجهزة والإعلاميون المؤيدون للسلطة يتحدثون عن خطوات متوقعة ستتخذ في إطار سياسة لإصلاح مؤسسات الدولة والعمل الحكومي، وعقب ملاحظات للجولاني على الأداء الحكومي ومظاهر الرفاهية التي ظهرت على أعضاء الرئاسة والحكومة، ويجري الحديث عن حكومة قريبة ستتشكل بعد شهر رمضان، وعن تغير في المناصب العليا، وسيكون هناك رئيس للحكومة، وهو بعكس ما يتضمنه البيان الدستوري المؤقت المعمول به، والذي ألغى المنصب ووضعه بيد رئيس السلطة.
وتؤكد تقارير عديدة، أن هذه الحكومة ستكون واسعة الصلاحية، وتجري مناقشتها في العواصم المؤثرة في الحالة السورية، وفي مقدمتهم الأمريكي والفرنسي، إضافة إلى السعودية وتركيا، والمرشح الأكبر لتولي هذه الحكومة هو رئيس الوزراء الأسبق رياض حجاب، الذي انشق عن سلطة الرئيس بشار الأسد، وهو في منصبه.
السوريون اليوم، يشكون من كل شيء، ومؤيدو السلطة في وضع غير مريح، وخاصة عند أي محاولة لتبييض صفحة السلطة، حيث تلي أي محاولة من هذا النوع سلسلة من المواقف والتقارير والمقارنات والفيديوهات والمواقف التي تأخذ الطابع الكوميدي والساخر لتفنيد ما يقولونه، وكل ما يجري يؤكد بأن الوضع لا يمكن أن يستمر على هذه الحالة، فإما أن يتم التغيير وإما سيفتح الباب على احتمالات مفتوحة وعديدة.