عادل بشر / لا ميديا -
كشف تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية ومعهد بحوث الأمن القومي الصهيوني، أن مشهد الحرب الدائرة مع إيران لا يسير وفق ما تشتهيه واشنطن و«تل أبيب»، بل على العكس، يتجه نحو ترسيخ مكاسب استراتيجية لطهران، مقابل مأزق متصاعد للإدارة الأمريكية وارتباك يصل حد «الجنون» داخل كيان الاحتلال.
وأوضح التقرير، الذي بعنوان «استمرار الوضع الحالي.. مأزق لترامب ومكسب لطهران وجنون لإسرائيل»، أن ما وصفها بـ»المرحلة الحالية من جمود المحادثات بين طهران وواشنطن» يصعب فيها التكهن بإمكانية التوصل إلى مخرج؛ إلا أن من الواضح جلياً أن الجمهورية الإسلامية غير مستعدة للتخلي عن أوراق الضغط والقوة التي تمتلكها.

هرمز ورقة تفوق السلاح النووي
أبرز ما يكشفه التقرير هو الإدراك الصهيوني العميق لما قال إنه «خطورة سيطرة إيران على مضيق هرمز»، ليس فقط كمعبر مائي حيوي، وإنما كسلاح جيوسياسي متعدد الأبعاد. فهذه السيطرة -وفقاً للتقرير الصهيوني- تمنح طهران قدرة مباشرة على التأثير في سوق الطاقة العالمية؛ لكن الأهم أنها تحوّلت إلى ورقة تفاوضية مركزية تفوق في أهميتها حتى السلاح النووي.
وترى القراءة الصهيونية أن هذا التحول في وظيفة المضيق من ممر اقتصادي إلى أداة ضغط استراتيجية يعكس نجاح إيران في تحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية. وبينما تزعم واشنطن أن حصارها البحري سيُجبر طهران على الاستسلام، يؤكد التقرير أن لجوء الإدارة الأمريكية إلى الحصار يأتي بعد أن «أثبتت أسابيع من القتال المباشر أن التدابير العسكرية الأمريكية باتت في موضع شك».

فشل الرهان على الانهيار الاقتصادي
واحدة من أهم نقاط الضعف التي يعترف بها التقرير هي فشل الرهان الأمريكي على انهيار الداخل الإيراني عبر الضغط الاقتصادي. فرغم العقوبات، وتراجع العملة، والتحديات المعيشية، لا تزال القيادة الإيرانية تظهر تماسكاً واضحاً، مع خطاب موحد وصلب في مواجهة الضغوط.
حتى التصريحات التي أطلقها ترامب، الأسبوع الفائت، حول قرب «انفجار» مخزونات النفط الإيرانية، يفندها التقرير نفسه، مشيراً إلى أن هذه التقديرات تفتقر إلى الدقة، وأن قدرة إيران على إدارة مواردها لا تزال بعيدة عن نقطة الانهيار، وأن «تقييمات الخبراء تُشير إلى أن من غير المتوقع أن تصل سعة تخزين النفط الإيرانية إلى مستوى يُهدد المنشآت على المدى القريب، وحتى في هذه الحالة، يبقى من المشكوك فيه ما إذا كان الضرر سيكون لا رجعة فيه».
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً -نتيجة التوترات- يصب في مصلحة طهران، ويمنحها متنفساً اقتصادياً غير مباشر، في حين يعاني الاقتصاد العالمي من اضطرابات في سلاسل الإمداد ونقص في مواد حيوية.

دولة لا تنكسر
يعكس التقرير قناعة متزايدة داخل الدوائر «الإسرائيلية» بأن إيران ذات قدرة عالية على الصمود الاستراتيجي. فواشنطن تراهن على الوقت؛ لكن طهران تراهن على النفس الطويل، وهي معركة أثبتت فيها الجمهورية الإسلامية تاريخياً تفوقها.
أما الأخطر بالنسبة لخصومها أن هذا الصمود لا يأتي في إطار دفاعي فقط، وإنما يترافق مع خيارات تصعيدية متعددة. فإيران -وفقاً للتقرير- جزء من محور المقاومة، الذي يملك أدوات ضغط عديدة، بما في ذلك مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر، مشيراً إلى أن هذه القدرة على توسيع رقعة الاشتباك تجعل أي مواجهة مع إيران ومحور المقاومة مفتوحة على سيناريوهات غير قابلة للضبط، وهو ما يفسر حالة القلق «الإسرائيلي» المتصاعد.
في السياق، يؤكد التقرير أن إيران «لا تزال تحتفظ بقدرات نووية كبيرة»، وأن رفض طهران مناقشة هذا الملف حالياً يعكس تمسكاً استراتيجياً به كأداة ردع أساسية، موضحاً أن «التقديرات الإسرائيلية تكشف أن إيران بدأت بالفعل إعادة بناء منظومتها الصاروخية، مع إمكانية استعادة آلاف الصواريخ خلال سنوات قليلة».

وحدة القيادة
ورغم مزاعم ترامب، والإعلام المؤيد له، بوجود اختلافات وتباينات داخل القيادة الإيرانية، يعترف التقرير بأن «المسؤولين الإيرانيين يُظهرون موقفاً موحداً وعنيداً وتماسكاً واضحاً».
كما يؤكد عدم وجود مؤشرات حقيقية إلى ضعف النظام في طهران أو تراجع قبضته أو استعداده لتقديم تنازلات جوهرية، بل على العكس يبدو أن تجربة الضغوط عززت صلابة الموقف الإيراني بدل أن تُضعفه.
في الخلاصة، يُقدم التقرير الصهيوني صورة معاكسة تماماً للرواية الغربية. فالوضع الراهن، الذي كان يُفترض أن يكون مرحلة إنهاك لإيران، تحوّل إلى مأزق استراتيجي لواشنطن، وأزمة تقدير عميقة داخل الكيان الصهيوني.