أوراق أقل!
علي عطروس
في ربيع 2026، كان يفترض بهذا العالم أن يكون تحت «حماية» أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ. كان يفترض أن تبقى الممرات مفتوحة، والأسواق مطمئنة، والتكنولوجيا في يد من يملك أغلى الرقائق وأضخم الأساطيل.
لكن شيئاً ما تعطل في ماكينة الإمبراطورية. بين كدمات ترامب ومكياجه، وشباك الصيد في وجه المسيّرات، وشركة «دومينو» التي تكشف الألغام، و«إسبرطة» تحترق في الخليج، وطفل غزة على غلاف «بوليتزر»... صارت الصورة مكتملة: الإمبراطور عارٍ، والمفاتيح في يد من كان يُفترض أنهم على الهامش. هذا هو المشهد الكبير. وهذه هي مواده.

حالــي وحامــض وقُــب
• في 2026، أثبت اليمن المقاوم أن القرار في صنعاء لا يُكتب بحبر خارجي. 40 يوماً من الصمت في المواجهة الأخيرة، قبل التحرك في اللحظات الحاسمة. التحالف مع طهران خيار استراتيجي؛ لكن «زر التشغيل» في يد صنعاء. اليمن صار حارس البوابة الذي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية كبرى.
• في العام نفسه الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية تقصف إيران، فازت صور غزة بجوائز «بوليتزر». المصور الفلسطيني ساهر الغرة، المتعاون مع «نيويورك تايمز»، حصد جائزة التصوير للأخبار العاجلة. صور أطفال الجوع، أمهات يحتضنّ جثثاً، ركام ينضح برائحة الموت. لجنة التحكيم وصفتها بأنها «مؤثرة وحساسة». وكذلك فاز الكاتب الفلسطيني مصعب أبو طه بجائزة التعليق الصحفي عن نصوصه في «نيويوركر»، إذ تحول السرد إلى رسم بريشة التعبير عن أصعب المشاعر الإنسانية.
• في بريطانيا، اقتحمت الشابة ليونا كاميو ورفاقها مصنع شركة «إلبيت» الصهيونية التي تصنع الطائرات المسيّرة لقصف غزة ولبنان وإيران. حطموا الآلات بأيديهم. قالوا للقاضي: «كيف يمكن للبشر أن يقدّموا قيمة الممتلكات على قيمة الأرواح؟!». حُكم عليهم بالسجن.
• وقفت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، لتكشف كيف استُخدم الذكاء الاصطناعي لتزييف صور إباحية لها. «التزييف العميق أداة خطيرة قادرة على الخداع والتلاعب وإلحاق الضرر بأي شخص. أنا أستطيع الدفاع عن نفسي؛ لكن الكثيرين لا يستطيعون». لكن السؤال الأعمق: كم من حرب شُنت، وكم من سمعة دُمّرت، وكم من طفل قُتل، باسم الخوارزمية نفسها التي تستطيع أن تخلق صورة مزيفة لرئيسة وزراء؟!
• في أمريكا، ارتفع سعر غالون البنزين بنسبة 52٪ منذ اندلاع الحرب. 80٪ من الديمقراطيين ينظرون إلى «إسرائيل» نظرة سلبية. 29 نائباً ديمقراطياً طالبوا بكشف برنامج «إسرائيل» النووي، كاسرين «تابو» الغموض النووي المستمر منذ اتفاق نيكسون-غولدا مائير عام 1969. النائبة مارجوري تايلور جرين، التي كانت من أشد أنصار ترامب، انقلبت وكتبت عن أطفال غزة: «216 طفلاً قُتلوا خلال فترة وقف إطلاق النار!».
• كتب ستيفن مالت، أستاذ العلاقات الدولية في هارفارد، في «فورين بوليسي»، ما يشبه شهادة وفاة: «أكثر ما يثير الدهشة في هذا الهوس بالقوة الصلبة هو قلة الجهود المبذولة لإخفاء استخدامها. صحيح أن معظم الدول ترتكب أعمالاً شنيعة، والقوى العظمى تفعل ذلك أكثر؛ لكنها عادة ما تحاول إخفاء قبضتها الحديدية تحت قفاز مخملي من التبريرات القانونية. أما إدارة ترامب، فلا تفعل ذلك. تبدو سعيدة بانتهاك الأعراف وإلحاق الألم. شعارهم: أن تكون الأقوى يعني ألا تضطر أبداً للاعتذار».
• في طهران، وثيقة مسربة لـ(CIA) تقول ما لا يجرؤ ترامب على قوله: 75٪ من الصواريخ لا تزال في منصاتها. القدرة على الصمود تمتد لأشهر. وهيئة (PGSA) الجديدة تدير المرور في هرمز: استمارة من 40 سؤالاً، والبريد الإلكتروني يصل إلى الربابنة. من يريد العبور، فليملأ الاستمارة. ترامب كان يحمل 6 كروت «أونو». ردت إيران بصورة الناطق باسم الحرس الثوري يحمل 4 كروت «شدّة» وكتبت: «نعم، لدينا أوراق أقل». السخرية من قلب المعركة. القلة ليست ضعفاً، والكثرة ليست انتصاراً.
• في غزة، استشهد نجل خليل الحية، رئيس حركة حماس. الابن الرابع. وسط الخيام والمجاعة، لا في فندق في قطر ولا في منتجع في تركيا. المشهد وحده يكفي: 216 طفلاً قُتلوا خلال وقف إطلاق النار، والفئران تلتهم ما تبقى من طعام النازحين، وجوائز «بوليتزر» ترفع صورة الطفل الفلسطيني إلى واجهة العالم.
• ترامب يعلن «يوم سبت وطني» لأول مرة في التاريخ الأمريكي، بمناسبة شهر التراث اليهودي. الراحة يوم السبت من غروب الجمعة حتى ظهور النجوم. ومعها، يضيف مادة دسمة للرأي العام المتصاعد ضد تبعيته للصهاينة.
• إبستين يكتب من قبره رسالة يدوية سرية بخط مهتز، كُتبت في أيامه الأخيرة داخل مركز الاحتجاز الفيدرالي: «من المتعة أن يكون الإنسان قادراً على اختيار وقت الوداع... ماذا تريدون مني أن أفعل؟! أن أنهار باكياً؟! لا متعة». الإمبراطورية التي تحكم العالم، لا تستطيع حتى إخفاء جرائم نخبتها.
• بيع فلسطين في معبد يهودي بنيويورك: صحفي أمريكي يفاجأ عند دخوله معبداً يهودياً بمزاد علني على أراضي الضفة الغربية المنهوبة. «منطقة أنجلوسكسونية خالصة»، يقول الإعلان. عمدة نيويورك المسلم يدين.
• «الغارديان» تكشف أن السعودية استعانت بمخرج أسترالي شهير لتصوير فيلم عن «بطولات رجال مكافحة المخدرات». بلد أعدم 243 شخصاً بتهمة المخدرات العام الماضي، ينتج فيلماً عن أبطال مكافحتها. «تبييض سجل حقوقي بالسينما»، كما قالت «هيومن رايتس ووتش».
• في أول حادثة من نوعها، يتحول اسم ترامب إلى شتيمة. لاعب كرة قدم سابق يقول لزميله في نقاش رياضي: «أنت ترامب». الإمبراطورية التي كانت تصدر الأحلام، صارت تصدر الشتائم.
• اليمين الإنجيلي واليهود: تحالف نهايته جهنم: الإنجيليون يدعمون «إسرائيل» لتحقيق نبوءة نهاية الزمان، إذ «يحترق اليهود الكفار في جهنم». واليمين «الإسرائيلي» يعرف ذلك؛ لكنه يختار نصف الكوب الممتلئ. الطرفان يعرفان أن نهاية الآخر في جهنم. ومع ذلك، يمضيان معاً.
• أنفقت واشنطن 25 مليار دولار، وتقرع أبواب الكونجرس طالبة 1.5 تريليون. عبدالرحمن السيد، الطبيب الأمريكي من أصل مصري، قال ما لم يقله السياسيون: «بهذا المبلغ، كان بإمكاننا القضاء على كل الديون الطبية لجميع مواطني الولايات المتحدة 10 مرات متتالية».



عن كاليجولا. J. ترامب
التقطت عدسات الكاميرات صوراً مقربة ليدي دونالد ترامب خلال احتفال رسمي في البيت الأبيض، كشفت عن كدمات شديدة وتغير واضح في لون الجلد. حاول البيت الأبيض تفسيرها بالمصافحات الكثيرة. قدم ترامب تفسيراً آخر: الأسبرين. طبقة سميكة من المكياج لم تعد تخفي البقع.
الصحفي «الإسرائيلي» أورلي أزولاي كتب في «يديعوت أحرونوت» وصفاً أقسى: «الرئيس الذي لا يملك أي فهم بتاريخ الحضارات أو إدارة الحروب وأزماتها. قراراته على مزاجه، وعلى مستوى البقع الحمراء التي تظهر على كفيه. يحاول إخفاءها بالإفراط بالمكياج. كل هذا الدهان لا ينجح في إخفاء شخصيته المضطربة».
لكن الجسد كان يرسل إشارات أخرى أيضاً. فقد أعلن ترامب رسمياً أنه خاض 3 اختبارات إدراكية متتالية ونجح فيها جميعاً بامتياز. «لا أعتقد أن بايدن كان سيتمكن من الإجابة حتى على السؤال الأول»، قال. ثلاثة اختبارات إدراكية. الرجل الذي يهدد بمحو حضارة بأكملها يحتاج إلى شهادة تثبت أنه يستطيع التمييز بين فيل ودراجة.
وعندما سُئل عن المفاوضات مع إيران، قال: «لا تملك إيران أي فرصة ضدنا، هذا ما يقولونه لي عندما أتحدث معهم. أما في وسائل الإعلام، فيقولون عكس ذلك». مع من يتحدث؟! لا أحد يعرف. ربما مع نفسه! وربما مع أشباح الإيرانيين الذين «يتوسلون للتوصل إلى تسوية»، كما قال في تغريدة أخرى! ثم عاد بعد يومين ليهدد بـ»أكبر ضربة عسكرية جوية مدمرة في التاريخ» إذا لم يُفتح المضيق خلال 24 ساعة!
قال إنه «مسيطر على المضيق وكل شيء تمام». ثم أوقف «مشروع الحرية» بعد 48 ساعة. قال إن «تقدمّاً كبيراً» أُحرز في المفاوضات. كان «أكسيوس» قد نشر الخبر نفسه 5 مرات في 19 يوماً، كلها أخبار مضروبة، والهدف -كما شرح رئيس البرلمان الإيراني- مراهنات على البورصة قبل كل تصريح: 920 مليون دولار رهانات قبل 70 دقيقة من آخر خبر، و125 مليون دولار أرباحاً بعد نفيه.
تحت البيت الأبيض، ثمة شيء آخر يُبنى. ليس مركز عمليات طوارئ، بل قاعة حفلات تتسع لـ999 ضيفاً. تكلفتها بدأت بـ200 مليون دولار وتضاعفت إلى 400 مليون. المتبرعون مجهولون. لهم مصالح مع الحكومة. ولجنة وافقت على المشروع في 12 دقيقة. وحين أوقفه القضاء، استأنفت الإدارة بحجة أنه «منشأة عسكرية سرية للغاية». إدوارد لويس، الكاتب في «فايننشال تايمز»، وصفه بأنه «إرث فرعوني وتأسيس سلالة حاكمة». نشرت «إيكونوميست» مقالاً تحت عنوان: «على أمريكا أن تأمل ألا يكون دونالد ترامب كاليغولا جديداً» (كاليغولا الإمبراطور الروماني الذي هدد بتعيين حصانه قنصلاً). ترامب لم يعين حصاناً بعد. لكنه عين متملقين غير مؤهلين في مناصب رفيعة، يهدد بمحو حضارة، ويبني قوس نصر عملاقاً بارتفاع 76 متراً، ويعلن أول «سبت وطني» في تاريخ أمريكا... من يريد أن يفهم الإمبراطورية، فلينظر إلى رأسها.



48 ساعة أسقطت «تمثال الحرية»
لم يصمد «مشروع الحرية» الذي أعلنه ترامب لفتح مضيق هرمز أكثر من 48 ساعة. لكن هذه المرة، لم تكن مجرد 48 ساعة من الفشل العملياتي، بل كانت 48 ساعة انهارت فيها ثلاث ركائز قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية في الخليج: الثقة العسكرية، الغطاء الإقليمي، والتفوق الاستخباراتي.
قبل الحرب كان المضيق يمرر يومياً 130 سفينة. في أول أيام «الحرية» عبرت 6، ثم واحدة. ثلاث سفن إجمالاً. المحلل في «كبلر» قال لـ«وول ستريت جورنال»: «لا تزال شهية قطاع الشحن غير موجودة لتحمل المخاطر». مسؤول الدفاع البريطاني السابق ماثيو سافيل لخص: «السيطرة على المضيق مسألة ثقة، لا قوة عسكرية». الثقة التي بنتها واشنطن على مدى عقود تبخرت في ساعتين.
فيما كان ترامب يعلن مشروعه، كانت طهران تعلن شيئاً مختلفاً تماماً. كشفت (CNN) عن وثيقة رسمية تؤسس لهيئة (PGSA)، الذراع الإيرانية الجديدة التي باتت تتحكم في أزرار المرور عبر المضيق. استمارة من 40 سؤالاً استخباراتياً تفرضها طهران على كل سفينة: هوية المالك الحقيقي، جنسيات الطاقم كافة، بلد المنشأ والوجهة النهائية. منع صريح لأي سفينة مرتبطة بأمريكا أو ربيبتها المغتصبة لفلسطين. تحذيرات تصل عبر البريد الإلكتروني بأن «تقديم معلومات كاملة هو شرط لا غنى عنه لمعالجة الطلب».
كتبت «وول ستريت جورنال» في اليوم التالي مباشرة: «هذا يعني أنه لا يوجد حل سريع لإغلاق المضيق الذي تسبب في أسوأ صدمة لإمدادات النفط في التاريخ». ليس لأن واشنطن تفتقر إلى المدمرات، بل لأن طهران نقلت المعركة من البحر إلى الورق، وحولت الفوضى إلى نظام، والتهديد إلى بيروقراطية. من يريد العبور، فليملأ الاستمارة.
حاولت الرياض أن تبدو أمام مرايا الديجيتال وهي تقول: «لا». كشفت «إن بي سي نيوز» و»وول ستريت جورنال» أن السعودية رفضت في البداية إعطاء واشنطن حق استخدام قواعدها وأجوائها لتنفيذ «مشروع الحرية». المكالمة الأولى بين ترامب وابن سلمان فشلت في حل القضية. الكويت حذت حذو الرياض. قواعد ظلت لعقود ركيزة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، أُغلقت فجأة في وجه من يحميها.
لكن ساعات قليلة كانت كافية لتتغير المعادلة. فبعد مكالمة ثانية بين الرجلين، عادت الرياض ورفعت القيود، وأعادت فتح قواعدها وأجوائها للطائرات الأمريكية.
النتيجة كانت مشهداً مكتملاً للتبعية: 15 طائرة تزويد وقود أمريكية انطلقت بتنسيق كامل مع القواعد الخليجية، بعدما كادت تضطر للاعتماد على كيان الاحتلال وحده كمنصة إقلاع.
ثم جاءت الضربة من داخل العاصمة الأمريكية نفسها. وثيقة سرية أخرى لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) سربتها «واشنطن بوست»: إيران تحتفظ بـ75٪ من منصات إطلاقها الصاروخية المتنقلة، و70٪ من ترسانتها الصاروخية. قدرتها على الصمود الاقتصادي تمتد 3 إلى 4 أشهر إضافية قبل أي ضغوط حادة. مخازن عائمة، مسارات تهريب برية، إعادة تأهيل المنشآت تحت الأرض. «خطر المسيّرات منخفضة الكلفة» التي يصعب رصدها لا يزال قائماً.
كل ما قاله ترامب عن «تدمير القدرات الإيرانية» و«قرب الانهيار» صار في مهب الريح. استخباراته نفسها تكذبه.
المحلل العسكري «الإسرائيلي» رون بن يشاي كتب في «يديعوت أحرونوت» أن تغريدات ترامب عن «قرب الاتفاق» هي مجرد تكتيك: «يضمن ترامب أن يكون المتطرفون في طهران على دراية بالعرض الأمريكي السخي. ويمارس ضغطاً شعبياً على النظام». لكن طهران ردت ساخرة: «فشل أمريكي. ترامب يتراجع».
صحيفة «التلغراف» البريطانية لخصت الخيارات الأمريكية الثلاثة أمام العقدة الإيرانية: اتفاق سريع يعترف بتحكم طهران بالمضيق (هزيمة سياسية)، استمرار الحصار (كارثة اقتصادية عالمية)، أو محاولة فتح المضيق بالقوة (حرب شاملة). وخلصت إلى أن «الاتفاق السريع والجزئي، رغم هشاشته، قد يكون الخيار الأكثر إغراءً لتجنب الأسوأ».
حسن حيدر كتب في «الأخبار» أن إيران لا تخوض حرباً بحرية تقليدية، بل تدير «حرب استنزاف غير متكافئة»: زوارق سريعة، ألغام، صواريخ ساحلية، غموض عملياتي، وربط الميدان بالاقتصاد العالمي. «طهران تدرك أن أي اضطراب في هرمز سينعكس مباشرة على أسعار النفط وأسواق المال».
ريم هاني أضافت أيضاً في «الأخبار» أن «مشروع الحرية» كان معيباً منذ البداية: «الافتراضات التي استند إليها بدت معيبة. من الأسهل على الإيرانيين إبقاء نقطة الاختناق مغلقة، مقارنة بقدرة الولايات المتحدة على إجبارهم على فتحها».
وتحت وطأة الاستنزاف تتكشف أزمة أعمق. كشف (CSIS) استهلاك 45٪ من الصواريخ الموجهة بدقة، نصف «ثاد»، نصف (Patriot PAC-3)، 30٪ من «توماهوك»، و20٪ من (JASSM). «ديلي تلغراف» أضافت: أكثر من 1000 صاروخ «توماهوك» أُطلق، الواحد بـ2.6 مليون دولار. أنفقت واشنطن 25 مليار دولار، وتقرع أبواب الكونجرس طالبة 1.5 تريليون، بينما يعترف المحللون: «بلغنا أقصى طاقتنا الإنتاجية».
العقدة الأكبر في بكين. فصواريخ «توماهوك» تعتمد على معادن تسيطر الصين على 99٪ من إنتاجها. (tPatrio) تسيطر على 93٪ من وارداتها. حتى مقاتلة (F-35) فيها 920 رطلاً من معادن بقبضة الصين.
تحقيق «واشنطن بوست» كشف أن الضربات الإيرانية أصابت 228 منشأة في 15 قاعدة أمريكية، بينها (Patriot) في البحرين والكويت، رادارات «ثاد» في الأردن والإمارات، وطائرة (E-3 Sentry) دُمرت في السعودية. مقر الأسطول الخامس تضرر «بشكل واسع» ونُقل مؤقتاً إلى فلوريدا.
دانيال ديفيس، المحارب الأمريكي القديم، كتب: «ليس أمامنا خيارات إيجابية». ومدون «محارب من وراء الشاشة» أضاف: «طردت إيران الولايات المتحدة من الخليج، وسيطرت على هرمز. هذا نصر حاسم غير مشروط».
«هآرتس» علقت: «هوليوود على ضفاف هرمز». البروفيسور روبرت بيب أكد أن ترامب «وقع ضحية التضليل الإسرائيلي»، ووصف ما جرى بأنه «أسوأ هزيمة استراتيجية لأمريكا منذ فيتنام».
أما إيران، فوقعت استمارة العبور جاهزة. 40 سؤالاً لمن يريد المرور. وبريد إلكتروني يصل إلى الربابنة: «أهلاً بكم في مضيق هرمز. تقديم المعلومات شرط لا غنى عنه».



فاشية خوارزمية: نسخة تكنولوجية من «كفاحي»
في 18 نيسان/ أبريل، نشر أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير» الأمريكية للتكنولوجيا العسكرية، بياناً من 22 نقطة حصد 32 مليون مشاهدة في أول 24 ساعة. وصفه المؤرخ طارق سيريل عمار البيان بأنه «نسخة محدثة من كفاحي لعصر الخوارزميات». وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس اختصر: «لو كان الشر يغرد، فهذا ما سيبدو عليه». باحث اليمين المتطرف كاس مودي اكتفى بثلاث كلمات: «فاشية تقنية خالصة».
بينما كان البيان يكتسب المشاهدات، كانت منصة «مافن» التابعة لـ«بالانتير» تدير عملية ما سمي «الغضب الملحمي» ضد إيران: 13 ألف ضربة في 56 يوماً، ألف ضربة في اليوم الأول، 41 صاروخاً في الساعة، و3 آلاف خيار استهداف في 24 ساعة. تفصيل واحد ظل عالقاً: دقة التصنيف 60٪ فقط، مقابل 84٪ للمحللين البشر. أحد هذه «الأخطاء التقنية» كان مدرسة شهريجه طيبه الابتدائية في ميناب: 175 قتيلاً، معظمهم فتيات بين 7 و12 عاماً. البنتاغون لم يوضح.
النقطة 12 من البيان أعلنت نهاية العصر النووي. لكن الحرب دارت 56 يوماً حول المنشآت النووية الإيرانية تحديداً. إيران عضو في معاهدة حظر الانتشار وتُقصف. و«إسرائيل» تملك 90 رأساً نووياً خارج المعاهدة ولا تُقصف. النقطة 21 تجيب: «بعض الثقافات متقدمة وأخرى مختلة». عنصرية بمبرر خوارزمي.
الفاشية التقنية لا تحتاج صواريخ. أحياناً يكفي «أفاتار» كرتوني على شاشة (LBCI) اللبنانية. القناة بثت تقريراً بتقنيات التزييف العميق يسخر من أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم. المنتج المنفذ، كما كشف المؤثر حسن عطية، هو حسن الخطيب، صانع محتوى موثق لدى القناة ولقبه «إسرافيل». لم تكن زلة فردية، بل قراراً مؤسسياً مر عبر سلسلة الموافقات. أداة واحدة، وضحايا مختلفون: بالانتير تستهدف المدارس، و(LBCI) تستهدف رموز طائفة كريمة.
بالتوازي، يدير كيان الاحتلال «جيشاً إلكترونياً» عبر منظمة «برايت مايند» بقيادة إيلا كينان، ضابطة الاستخبارات السابقة وحفيدة مؤسسي مستوطنة «كفار عزة». بدأت في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بهاشتاغ «حماس هي داعش». اليوم: 60 ألف شخص، 3 مليارات مشاهدة. ثلاث منصات ذكاء اصطناعي تنتج التغريدات وتبرر الحصار وتعيد كتابة التاريخ. بسؤال المحرك عن حصار غزة، يجيب: «ضرورات أمنية». تقارير الأمم المتحدة عن العقاب الجماعي لا وجود لها في الخوارزمية.
فيما العالم مشغول بالحرب والذكاء الاصطناعي، سرّحت شركة «أوراكل» الأمريكية 30 ألف موظف دفعة واحدة لصالح نظام ذكاء اصطناعي. المفارقة أن الموظفين أنفسهم هم من دربوا النظام الذي حل محلهم، بعدما أجبرتهم الشركة على توثيق أدق تفاصيل مهامهم اليومية. وحين استُبدلوا بالخوارزمية، خسروا مع وظائفهم عقود خيارات أسهم كانت تصل إلى 300 ألف دولار للشخص الواحد.
سام ألتمان، المدير التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» مطورة «تشات جي بي تي»، له فلسفته الخاصة في قياس قيمة البشر: «تدريب الإنسان يتطلب الكثير من الطاقة ويستغرق حوالى 20 عاماً والكثير من الطعام الذي تتناوله قبل أن تصبح ذكياً». هكذا بكل برود. 20 عاماً من الطعام والطاقة، تعادل في النهاية موظفاً قابلاً للاستبدال بخوارزمية.
أما إيلون ماسك وجيف بيزوس ومارك زوكربرغ، فهم في قلب ما يسميه فاروفاكيس «الإقطاع التكنولوجي»: «نحن المستخدمون عبيد رقميون نولد القيمة دون أجر، وهم الإقطاعيون الجدد. تضخم ثرواتهم ليس نتاج عبقرية ريادية، بل تراكم عنف واستغلال للبشر والطبيعة».
175 شهيدة في ميناب. دقة 60٪ تعني 4 أخطاء من كل 10 أهداف. 30 ألف مسرّح من أوراكل. 60 ألف جندي إلكتروني لكيان «تل أبيب» المجرم. 3 مليارات مشاهدة للروايات المسمومة.
هذه ليست أرقاماً تقنية. هذه معادلة الموت في عصر «جمهوريات اللاموز التكنولوجية»: كلما زادت سرعة القرار، قلّ زمن التحقق. وكلما قل زمن التحقق، كثرت المدارس التي تتحول إلى «أخطاء تقنية»... مدارس لا تعلم أطفالنا الحساب اللوغاريتمي ولا تدربهم كيف لا يضحوا ضحايا.



لبنان.. حيث تسحق المسيّرات غرور الإمبراطور
 وقف ضابط «إسرائيلي» في جنوب لبنان وأجاب على سؤال مراسل «يديعوت أحرونوت» رون بن يشاي عما يفعلونه هناك: «نُقيم منطقة أمنية جديدة؟ لا أعلم. هذا أمر يعود للقيادة السياسية». وفي اعتراف نادر، وصف قائد كتيبة «إسرائيلية» ما يجري بأنه «وقف إطلاق نار تحت نيران العدو». هكذا باختصار: قوات الاحتلال في لبنان لا تعرف لماذا هي هناك، وإلى متى ستبقى، وكيف ستخرج!
المفارقة التي تقض مضاجع قادة الاحتلال تتلخص في مشهد واحد نقله المراسل العسكري لـ«معاريف» آفي أشكنازي: «قامت شعبة اللوجستيات بشراء كامل مخزون شباك الصيد وشباك مرمى كرة القدم لحماية قوات الجيش في لبنان من تهديد المحلّقات». قوات تملك طائرات شبح ومقاتلات (F-35) وقنابل ذكية، تلجأ إلى شباك الصيادين لتحمي جنودها من مسيّرات قال عنها أشكنازي ساخراً إن حزب الله «اشتراها من علي إكسبرس أو أمازون».
أما الاعتراف الأقسى فنقله رون بن يشاي نفسه من الميدان: «حزب الله يقاتل الآن من أجل بقائه في لبنان»؛ لكن «الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب يمنحه دعماً سياسياً وشعبياً». الاجتياح «الإسرائيلي» تحول إلى أفضل هدية للمقاومة في الداخل اللبناني.
يوم واحد فقط في جنوب لبنان يكفي لسرد الفضيحة: 12 عملية مركزة لحزب الله في 6 أيار/ مايو، تدمير 3 دبابات ميركافا وجرافتي D9 وآلية نميرا وإصابة مروحية عسكرية في البياضة. وفي دير سريان، استهدفت المقاومة آلية «نميرا» بمحلّقة انقضاضية، وعندما تدخلت مروحية «إسرائيلية» للإخلاء، أمطرتها قذائف المدفعية. المقاومة لم تعد تكتفي بضرب الهدف، بل صارت تستهدف وحدات الإسناد والإنقاذ أيضاً.
النتيجة، كما كتب المحلل العسكري في «معاريف»: «الجيش الإسرائيلي بدأ بصمتٍ وهدوء يتصدع». وهو يتوجه لرئيس الأركان بالقول: «لا تَبِعْ إلى الجمهور قصصاً واهية عن حرية العمل للقتال في لبنان. فقط بعد أسابيع طويلة حصلت على تصريح لتنفيذ اغتيال لمستوى تكتيكي في الضاحية».
في أيار/ مايو 2025، كتبت شعبة العمليات في قوات الاحتلال وثيقة حذرت من «خطر الطائرات المسيّرة الانتحارية المعتمدة على الألياف الضوئية» وحددت الخطوات المطلوبة لمواجهتها. بعد عام، في أيار/ مايو 2026، خرج ضابط كبير ليعترف بأن رد فعل المؤسسة الأمنية كان «مثل النائم والمستيقظ المتأخر». الوثيقة التي فصلت التأثير العملياتي لهذه المسيّرات في أوكرانيا، ظلت حبراً على ورق، فيما كان حزب الله يطور قدراته بهدوء.
اليوم، تعترف «إسرائيل هيوم» بأن جنود الاحتلال يواجهون المسيّرات بوسائل «بدائية»، وأن الحلول «تفتقر للفعالية الكافية». وتحدثت تقارير عن تعطيل نظام «شوعال» للقيادة والسيطرة المدنية في مستوطنات الشمال خشية تسريب معلومات لإيران، ما أدى إلى «عمى عملياتي» خلال القصف.
الجنرال «الإسرائيلي» يوسي بن آري، الذي طالما سخر من سياسات حكومته باستعارة «عجّة الملوك» التي تُصنع من «الهواء والبهارات والنوايا الحسنة فقط»، وجد نفسه يقدم وصفته الخاصة للحل في لبنان: نزع سلاح حزب الله، قوة أمريكية - فرنسية، قوات «إسرائيلية» في الجنوب، قوات سورية في الشرق، و«خطة مارشال». إبراهيم الأمين رد عليه في «الأخبار» بأن هذه الأفكار «سبق أن أوردها باحثون كبار في معهد الأمن القومي للعدو» قبل أن يفشلوا جميعاً.
ثم يأتي البروفيسور إيال زيسر من جامعة «تل أبيب» ليكتب في «إسرائيل هيوم» أن القوات في مأزق «لا تستطيع من خلاله التقدم أو الانسحاب». ويعترف بأن حزب الله حصل على ثلاثة إنجازات: تكريس دور إيران كصاحبة الكلمة الفصل، تقييد حرية الحركة العسكرية «الإسرائيلية»، وقبول «حرب استنزاف» تخدم الحزب أكثر مما تضره. وحل زيسر! «ضربة قاصمة» للبنية التحتية اللبنانية. العقل «الإسرائيلي» حين يعجز، لا يجد إلا التدمير.
في الداخل «الإسرائيلي»، تحول السجال حول مسؤولية الإخفاق إلى حرب تصريحات. نتنياهو يعلن أنه وجّه القوات «للرد بقوة» على حزب الله، فيرد كبار الضباط بأن التصريح «ذر للرماد في العيون» ولا يوجد «أي تغيير في تعليمات العمل». وزير الدفاع يسرائيل كاتس «مشغول بتأجيج الصراعات بشكل استعراضي مع المؤسسة الموكل بها». ورئيس الأركان السابق هرتسي هليفي يتكرر مشهده مع رئيس الأركان الحالي إيال زامير. وفيما يتهم نتنياهو القوات بالعجز عن معالجة تهديد المحلّقات، يرد العسكريون بأنهم «يعملون بالضبط وفقاً لتعليمات المستوى السياسي». وأحد المراسلين العسكريين يلخص: «إسرائيل التي ظنّت أنها أوقعت حزب الله في فخ استراتيجي، هي نفسها من وقع في كمين استراتيجي نصبه حزب الله لها».
وفيما يغرق «الجيش الإسرائيلي» في وحل الجنوب، يحاول ترامب صناعة «إنجاز دبلوماسي» عبر جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بنتنياهو في واشنطن. كسانيا سفتلوفا كتبت في «هآرتس» أن «صورة النصر التي يسعى ترامب لتحقيقها قد تكون قاتلة» للرئيس اللبناني. إبراهيم الأمين أضاف أن عون «لم يلغِ فكرة اللقاء، بل اكتفى بالقول إن الوقت غير مناسب، ما يوحي بأن السلام مع إسرائيل لا يزال حاضراً في حساباته السياسية».
أما كوبي مروم في (N12) فكتب أن ترامب «أدخل إسرائيل في مأزق استراتيجي في لبنان»، وأن وقف إطلاق النار جاء «قبل أن يوجه الجيش الإسرائيلي ضربة قوية لحزب الله». والأخطر في تحليله: «هل تستطيع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني تفكيك حزب الله اليوم؟ في رأيي، قطعاً لا». حتى العدو لم يعد يصدق أوهامه.
في مواجهة كل هذا، يقف خطاب المقاومة شامخاً. سيف دعنا كتب في «الأخبار» نصاً استثنائياً عن «أنطولوجيا العشق» التي أسسها الإمام علي في ليلة المبيت، واستعادها الحسين في كربلاء، وجسّدها السيد نصر الله في عصرنا. وعن الشيخ نعيم قاسم الذي جاء «ليمسك برسن الوحش الهائج ويعيده إلى الحظيرة». يستلهم الكاتب فلسفة الإمام علي في الترويض، وينقل الاستعارة من جهاد النفس إلى جهاد العدو. رسالة العشق هذه هي التي تفسر لماذا لا تخسر أمّة المقاومة، ولماذا يتحول كل اغتيال إلى وقود للسردية المضادة.
اغتيال قائد قوة الرضوان في الضاحية الجنوبية، كما كتب موقع «الخنادق»، لن يكون له «أي تداعيات سلبية على المسار العسكري للمقاومة»؛ فالمقاومة «تعمل وفق هيكلية مؤسسية صلبة»، و«لكل قائد بدلاء قياديون» يتسلمون المهام فوراً. وهذا ما أثبتته الميدان: بعد عام على رحيل السيد، وبعد كل الاغتيالات، تواصل المقاومة إنهاك الاحتلال من البياضة إلى دير سريان إلى القنطرة.
وفيما تراهن سلطة بعبدا على مفاوضات لا تحمي أحداً، يكتب إبراهيم الأمين أن «أي مفاوضات جدّية تستهدف الوصول إلى اتفاق لفضّ المعركة القائمة، تحتاج إلى بحث مباشر مع المقاومة، وتحتاج إلى توقيعها وضمانتها أيضاً». من يريد حماية لبنان، فليدرك أن «الاتفاقات الورقية التي تُنتهك في وضح النهار» لا تصنع سيادة. وحدها المقاومة، بسواعد رجالها وصواريخها ومسيّراتها، من يردع العدوان.
حفنة من المجاهدين بمسيّرات من الألياف الضوئية، وشباك صيد في مواجهة طائرات الشبح. قوات تشتري شباك مرمى كرة القدم لحماية دباباتها من طائرات «علي إكسبرس». وعقل عسكري لا يجد مخرجاً من المأزق إلا بالمزيد من التدمير. فيما الشيخ العاشق يمسك بالرسن، ويقرأ الإمام علي في «نهج البلاغة»، ويعد الأمّة أن الوحش الهائج سيعود إلى الحظيرة.