روبرت رايش - صحيفة «ذا جارديان» البريطانية
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
من غير المرجح أن تستسلم إيران، فهي قادرة على تحمل الضغط الاقتصادي للحصار بشكل أفضل مما يستطيع دونالد ترامب تحمل الضغط السياسي المصاحب لارتفاع أسعار البنزين (التي تبلغ الآن حوالى 4.50 دولاراً للجالون في المتوسط)، والذي يتبعه قريباً ارتفاع أسعار المواد الغذائية.إن فشله الوشيك في إيران ليس مجرد هزيمة جيوسياسية خطيرة للولايات المتحدة؛ بل وهو أزمة شخصية لترامب.
إن ارتفاع الأسعار، إلى جانب الحرب التي تتراجع شعبيتها باستمرار، أدى إلى زيادة احتمالية استعادة الديمقراطيين السيطرة على البرلمان، وربما حتى مجلس الشيوخ، في انتخابات التجديد النصفي القادمة.
وهنا أيضاً، لا يقتصر الأمر على كونه هزيمة سياسية للحزب الجمهوري، بل هو أيضاً أزمة شخصية لترامب.
غرور ترامب لا يستطيع تقبّل هزيمة مُذلّة، كما رأينا بعد انتخابات العام 2020. إنّ حاجته إلى الترهيب والهيمنة وإخضاع الآخرين متأصلةٌ في عقله غير الآمن لدرجة أنّ الهزائم التي يواجهها الآن -أمام إيران وأمام الديمقراطيين- تُنذر بانفجاراتٍ وشيكة.
إنه ينشر بشكل أكثر جنوناً من أي وقت مضى، يهاجم، يهين، يسخر، يهدد.
يوم الأحد، نشر ترامب تغريدةً قال فيها إن الديمقراطيين «زوّروا الانتخابات الرئاسية عام 2020. على الجمهوريين أن يتخذوا موقفاً حازماً. إنهم قادمون، وبسرعة! إنهم لا يُفيدون بلدنا، لقد كادوا يُدمرونه، ولا نريد أن يتكرر ذلك!». وطالب الجمهوريين «بالموافقة على جميع الضمانات اللازمة للانتخابات لحماية الشعب الأمريكي خلال انتخابات التجديد النصفي القادمة».
معظم منشوراته عبارة عن قصائد غريبة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي تُشيد به، وبقدراته الخارقة، وجسده المثالي، وصورته الذاتية عن القدرة المطلقة. ليلة الجمعة، نشر صورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، له، وجي دي فانس، وماركو روبيو، ودوغ بورغوم، جميعهم عراة الصدور وبأجسام شابة، يقفون في بركة المياه العاكسة أمام نصب لنكولن التذكاري، برفقة امرأة مجهولة الهوية ترتدي البيكيني.
بعد دقائق، نشر صورةً لزعيم الأقلية في البرلمان، حكيم جيفريز، وهو يحمل مضرب بيسبول، مع تعليقٍ وصفه فيه بأنه «محدود الذكاء» و»بلطجي» و»خطر على بلادنا». وفي يوم الثلاثاء، نشر صوراً مُولّدة بالذكاء الاصطناعي لجو بايدن وهو راكع على ركبة واحدة مع تعليق: «الجبناء يركعون»، وباراك أوباما مع تعليق: «الخونة ينحنون»، وصورته هو رافعاً قبضته مع تعليق: «القادة يقودون».
في مواجهة فشلين ذريعين، يسعى ترامب بجنون إلى إيجاد طرق أخرى لفرض هيمنته.
لسانه -الذي لا يعرف ضبط النفس- أصبح الآن في حالة ثرثرة لا تنتهي، حتى أنه عاد لمهاجمة البابا، متهماً إياه بـ»تعريض الكثير من الكاثوليك والكثير من الناس للخطر»، مضيفاً: «لكنني أعتقد أنه إذا كان الأمر متروكاً للبابا، فهو يرى أن من المقبول تماماً أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً».
إن نزعته الانتقامية المفرطة تتجاوز كل ما رأيناه من قبل، وهذا بحد ذاته دليل على مدى حساسيته. ففي الأسبوع الماضي، وبعد أن صرّح المستشار الألماني، فريدريش ميرز، بأن الولايات المتحدة «تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية»، شنّ ترامب هجوماً متكرراً وسخر من ميرز. ثم أعلنت وزارة الدفاع سحب 5000 جندي من ألمانيا، وأعلن ترامب رفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات الأوروبية إلى 25٪ (بدلاً من 15٪).
يزداد هوسه بنصب تذكارية لنفسه؛ قاعة رقصه، قوسه، ما يُسمى «حديقة الأبطال»، جوازات سفره التي تحمل اسمه، صورته على العملات التذكارية الذهبية عيار 24 قيراطاً، واسمه المنقوش في كل مكان في واشنطن. تتوسع خططه لإقامة هذه النصب يوماً بعد يوم، وتزداد بشاعة وفخامة وتكلفة. وقد اقترح أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون مؤخراً مليار دولار إضافية لقاعة رقص ترامب، والتي كان من المفترض، كما نتذكر، ألا تُكلف دافعي الضرائب شيئاً.
بل إنه وجّه وزارة الخزانة لإعلان استبدال توقيع أمين الخزانة بتوقيعه -نعم، التوقيع نفسه الذي يظهر في كتاب تهاني عيد ميلاد جيفري إبستين- على جميع العملات الورقية الأمريكية الجديدة. ستكون هذه المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يظهر فيها اسم رئيس في منصبه على العملة النقدية المتداولة.
ويتزايد لديه العطش للانتقام. ففي الأسبوع الماضي، رفعت وزارة العدل دعوى جنائية جديدة ضد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، جيمس كومي (الذي أسقطت المحاكم لائحة الاتهام السابقة الموجهة إليه)، لنشره صورة لأصداف بحرية تشكل الرقم (86 47)، على «إنستغرام» قبل عام. كما يصر ترامب على أن تعيد وزارة العدل فتح تحقيقها الجنائي مع جيروم باول، وأن تُضاعف جهودها ضد رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق مارك ميلي، وغيره ممن يعتبرهم «أعداءً».
في مواجهة الفشلين الذريعين المتمثلين في إيران والسيطرة على الكونجرس، يسعى ترامب بشغف إلى إيجاد سبل أخرى لفرض هيمنته. يوم الثلاثاء، أعلنت وزارة التعليم التابعة له عن تحقيق في انتهاكات الحقوق المدنية في كلية سميث بشأن قبولها طلاباً متحولين جنسياً.
يوم الخميس، طالب ترامب بتوجيه تهمة «التحريض على العنف» إلى حكيم جيفريز، رابطاً محاولة إطلاق النار في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بدعوة جيفريز إلى حملة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية «بأقصى درجات القوة» رداً على جهود الجمهوريين للتلاعب بالدوائر الانتخابية في ولاياتهم.
بغض النظر عما سيحدث في إيران، سيُعلن النصر. سيكون من الصعب إثبات ذلك بشكل مقنع في ظل استمرار أسعار البنزين فوق 4 دولارات للغالون؛ لكنه سيحاول بلا شك.
ماذا لو فاز الديمقراطيون بالسيطرة على أحد مجلسي الكونجرس (البرلمان ومجلس الشيوخ) أو كليهما في انتخابات التجديد النصفي، وادعى ترامب أنهم خسروا أو غشوا؟! لقد نجت البلاد بأعجوبة في المرة الأخيرة التي واجه فيها غرور ترامب الهش خسارة كبيرة.
سنضطر أيضاً للتعامل مع ترامب كرئيسٍ في نهاية ولايته، عاجزاً عن الهيمنة وفرض الخضوع كما كان يفعل سابقاً. فهل سيحاول البقاء رئيساً بعد ولايته الثانية لتجنب هذا المصير؟!
الرجل ليس على ما يرام. إنه مريض للغاية. الرؤساء الذين تنتهي ولايتهم يرحلون؛ لكن الدكتاتوريين المصابين قد يكونون خطرين.