اتفـاق السلام الإيرانـي الوشيك .. كيف تقلصت أهداف ترامب المتشددة؟!
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا
روبرت تيت - صحيفة «الغارديان» البريطانية
ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا -
يبدو أن الطريق الذي سلكه دونالد ترامب منذ أهم قرار في السياسة الخارجية خلال فترة رئاسته قد أوصله إلى وجهة مثيرة للقلق، وهي أن إيران كانت عدواً للعديد من الرؤساء الأمريكيين السابقين، لسبب وجيه، وأنها خصم لا ينبغي الاستهانة به.
من المبادئ التي كثيراً ما يتم إعلانها في الحرب أن الآمال والخطط المتفائلة التي يتم الترويج لها عند اندلاعها لا تصمد أمام أول مواجهة مع العدو. ومع ذلك، حتى وفقاً لهذا المعيار التحذيري، فإن أهداف ترامب ورواياته المتباينة بشكل كبير منذ بدء الحرب مع إيران في 28 شباط/ فبراير، تشكل رحلة محيرة تهدد في النهاية بإعادته إلى حيث بدأ.
بعد أسابيع من المفاوضات المتقطعة، تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة وإيران توشكان الآن على التوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال، وستكون النتيجة الملموسة والأكثر إلحاحاً لذلك هي إعادة فتح مضيق هرمز.
لقد كان لإغلاق إيران للممر الحيوي ذي الأهمية الاستراتيجية -الذي كان يمر عبره 20% من إمدادات النفط الخام في العالم قبل بدء الحرب- تأثير ضار على الولايات المتحدة والاقتصاد، ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين ونقص في الأسمدة يهدد الإمدادات الغذائية والأسعار.
إن الأولوية التي أولاها ترامب لإعادة فتح المضيق توضح بشكل جلي النفوذ الرادع الإضافي الذي اكتسبته طهران نتيجة للصراع؛ وهي نقطة أكدها بشكل أكبر قرار إدارة ترامب معالجة المشكلة من خلال المفاوضات بدلاً من القوة العسكرية. ولتوضيح الأمور، كانت السفن تمر عبر المضيق دون عوائق قبل بدء الحرب.
من شأن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بمساعدة وسطاء باكستانيين وقطريين أن تمدد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 60 يوماً، وخلالها ستجرى مفاوضات بشأن النزاع المستمر منذ عقدين من الزمن حول البرنامج النووي الإيراني.
إن شبح التسوية الفاشلة هو في حد ذاته دليل على كيف تقلصت أهداف ترامب المتطرفة، وكيف هُزمت في نظر بعض المعلقين.
في مقال نُشر مؤخراً في مجلة «أتلانتيك»، كتب روبرت كاجان، زميل السياسة الخارجية في «معهد بروكينجز»، أن «نهاية لعبة ترامب هي الاستسلام»، مضيفاً أن الرئيس «لا شك يأمل في أن يتمكن من الانسحاب دون أن يلاحظ الأمريكيون حجم هذه الهزيمة».
وأضاف كاغان: «قد تستقر الأسواق المالية إذا اتضح أن النفط سيبدأ بالتدفق مجدداً عبر المضيق بعد إعادة فتحه، حتى وإن كان ذلك في ظل النظام الجديد الذي تسيطر عليه إيران. ولا داعي لأن تؤثر انتكاسة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة على وول ستريت».
ومع ذلك، فقد أدرك العديد من مؤيدي ترامب الجمهوريين المتشددين حجم التراجع الناشئ عن الأهداف السابقة، وحذروا من مخاطر اتفاق بشأن قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، والذي قد ينتهي به الأمر إلى أن يشبه الاتفاق الذي وقعه باراك أوباما في العام 2015: خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) التي ألغاها ترامب لاحقاً خلال رئاسته الأولى. وفي الأسبوع الماضي، حذر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون المناهضون لإيران -مثل ليندسي جراهام وتيد كروز وروجر ويكر- رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى مايك بومبيو، مدير وكالة المخابرات المركزية ووزير الخارجية خلال إدارة ترامب الأولى، من اتفاق قال ترامب في نهاية الأسبوع الماضي إنه «تم التفاوض عليه بنسبة 95٪».
يُعتَبر ترامب مسؤولاً عن معاناته إلى حدٍّ كبير، وذلك بفضل مجموعة الأهداف والادعاءات المبالغ فيها التي تم التعبير عنها في بداية الحرب، والتي لا يزال يكرر بعضها. «هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني». هكذا أعلن في بيانه الافتتاحي بعد أن أذن بشن أولى الضربات الأمريكية على أهداف إيرانية. وفي الخطاب نفسه، دعا أفراد الحرس الثوري الإسلامي والقوات المسلحة والشرطة في إيران إلى «إلقاء أسلحتهم»، وحدد تغيير النظام كهدف من خلال حث الشعب الإيراني على «الاستيلاء على حكومتكم؛ هذه هي لحظة العمل».
ثم أعلن أن «الاستسلام غير المشروط» هو الخيار الوحيد المقبول، بينما أعلن مرات عديدة أن الحرب قد تم حسمها فعلياً، ولا حصر لعدد المرات التي أصر فيها على أن القوات الجوية والبحرية الإيرانية وقدراتها العسكرية بشكل عام قد تم تدميرها بشكل فعال.
وكما قال سينا طوسي، المحلل في مركز السياسة الدولية: «شن ترامب هذه الحرب بهذه الأهداف القصوى، التي أعلنها علناً، وهي تغيير النظام، ورغبته في حدوث انتفاضة، وقوله إنه حقق تغيير النظام، وقوله إنه يريد تدمير برنامجهم النووي، وتدمير قدراتهم الصاروخية، وحلفائهم الإقليميين، أو من يسمون بالوكلاء... ثم نرى أنه وافق في النهاية على وقف إطلاق النار. ونعلم من جميع التقارير التي صدرت منذ ذلك الحين أن القدرات العسكرية الإيرانية لم تنخفض بالقدر الذي عرضه البيت الأبيض؛ ما يقارب 70% من صواريخها الباليستية، و(70 - 80٪) من طائراتها المُسيّرة لا تزال سليمة».
خلافاً لتوقعات ترامب الأولية -ورغم عمليات الاغتيال المستهدفة التي نفذتها الضربات «الإسرائيلية» ضد عدد كبير من قادتها، بمن فيهم المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي- فإن النظام الإسلامي لا يزال قائماً.
وبينما يُعلن الرئيس الأمريكي علناً أن قادة النظام الجدد «أكثر اعتدالاً» من ذي قبل، يبدو النظام أكثر تصلباً من أي وقت مضى. وقد نُقل عن مجتبى خامنئي، الذي خلف والده في منصب المرشد الأعلى ولكنه لم يظهر علناً بعد، قوله الأسبوع الماضي إنه يتوقع زوال «إسرائيل» بحلول العام 2040.
مع استبعاد تغيير النظام، الذي بدا باعتباره خيالاً غير قابل للتحقيق، حوّل ترامب هدفه الأساسي إلى منع إيران من الحصول على سلاح نووي.
ومع ذلك، فمن المفترض أن هذا الهدف قد تحقق بالفعل من خلال قصف ثلاث منشآت نووية في «فوردو» و»نَطَنْز» و»أصفهان» في حزيران/ يونيو 2025، والذي أصر ترامب حينها على أنه «دمر» مخزون إيران من اليورانيوم.
في الواقع، لا يزال يُعتقد أن إيران تمتلك حوالى 970 رطلاً من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يكفي لصنع 10 قنابل، والذي يقال إنه منتشر في عدد من المواقع تحت الأرض.
ومما لا يروق لترامب أن منتقديه يشيرون إلى أن إيران لم تتمكن من تجميع المخزون إلا نتيجة لتخليه، في العام 2018، عن الاتفاق النووي، الذي حدّت بنوده من أنشطتها في تخصيب اليورانيوم، والذي خلص المفتشون الدوليون إلى أن طهران كانت ملتزمة به.
إن النجاح العسكري المحدود لحربه التي اختارها قد يجبر ترامب الآن على معالجتها باللجوء إلى نوع التسوية العملي الذي انتقد هو وحلفاؤه اليمينيون أوباما بسببه في السابق.
قال روبرت ليتواك، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، إن ترامب مجبر على مواجهة «التوتر المستمر» في سياسة الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب الباردة بين الأساليب «التحويلية» التي تهدف إلى الإطاحة بما يسمى «الدول المارقة»، أو اتفاقيات «المعاملات» التي تهدف إلى تغيير سلوكها. وقال إنه «محاصر، لأن تحقيق نتيجة تحويلية أمر غير ممكن».
«يُجبر ترامب -بحكم الظروف- على الشروع في أو تنفيذ صفقة تجارية ستكون في جوهرها نسخة معدلة من الاتفاق النووي الإيراني (مع أوباما)، بل وقد لا يحصل حتى على شروط مماثلة للاتفاق النووي الإيراني؛ لأن الإيرانيين كانوا بارعين في لعب أوراقهم».
وأضاف: «أعتقد أن المهم بالنسبة لترامب هو كيف سيحصل على الدعم الشعبي، أو أي دعم ضروري، من أجل صفقة تبادلية أساسها شكل من أشكال الاتفاق النووي الشامل المشترك، وقد لا تكون بالقدر نفسه من الصرامة».
لعل ترامب، في محاولة لإخفاء عمق مأزقه، لجأ مؤخراً إلى وضع بعض الشروط غير المحتملة، بما في ذلك مطالبة إيران وحلفاء الولايات المتحدة مثل السعودية ومصر والأردن وتركيا بالتوقيع على «اتفاقيات ابراهام»، وهي اتفاقية تم التفاوض عليها خلال فترة رئاسته الأولى، والتي بموجبها اعترفت عدة دول عربية رسمياً بـ»إسرائيل».
بالنسبة للنظام الإيراني، المعادي للصهيونية بشدة، فإن الفكرة مرفوضة تماماً، بينما ربط قادة السعودية أي اعتراف بـ»إسرائيل» باتفاق سلام بين «إسرائيل» والفلسطينيين، وهو احتمال بعيد المنال حالياً. أما بالنسبة لمصر، التي اعترفت بـ»إسرائيل» في اتفاقية «كامب ديفيد» التاريخية للسلام عام 1979، فإن الفكرة تبدو غير ذات جدوى.
كما هدد ترامب، الأسبوع الماضي، بتفجير عُمان، حليفة الولايات المتحدة، إذا توصلت إلى أي اتفاق مع إيران يفرض رسوماً على المرور عبر مضيق هرمز. واتهم إيران بمحاولة «إطالة أمد المفاوضات» حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
في الواقع، كما جادل ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، فإن التردد الإيراني ينبع من الشك في أن ترامب قد ينوي استخدام أي اتفاق سلام كتحضير لأعمال عدائية مستقبلية.
قال نصر: «يحاول إيجاد أسباب لعدم توقيع الإيرانيين؛ لكن السبب الحقيقي هو عدم ثقتهم به. لا علاقة للأمر بالأيديولوجيا أو الانقسام القيادي أو انتخابات التجديد النصفي، بل بسجله. يتفق مع الباكستانيين على أمر، ثم يتراجع عنه في منصة تروث سوشيال».
«يقولون ذلك علناً في إيران؛ أن كل ما يريده هو أن تهدأ إيران وأن تخرج القيادة من تحت الأرض ليتم اغتيالها مرة أخرى».
«إذن، استراتيجيتهم تقوم على الثقة والتحقق. نعم، نحن على استعداد لتوقيع هذا الاتفاق، شريطة أن تثبتوا قدرتكم على تحقيق وقف إطلاق النار في لبنان والإفراج عن أصولنا. وبعد ذلك، سنراقبكم وأنتم تسحبون قواتكم من ساحة المعركة، وسنراقبكم وأنتم ترفعون الحصار تدريجياً، وبالتزامن مع ذلك، سنفتح المضيق، ثم خطوة بخطوة، إذا نجح هذا، فسنجلس ونتفاوض بشأن القضية النووية».
«لكن مشكلة ترامب تكمن في أنه يطرح هذه الأمور البراقة، مثل اتفاقيات ابراهام، لتشتيت الانتباه باستمرار. لكن الحقيقة هي، بصفته الرجل المعروف بفن التفاوض، هل يستطيع إتمام الصفقة؟».










المصدر ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا