علي عطروس / لا ميديا -
أولاً: مسرحية «السيادة الفندقية» وبؤس التبني
تتجلى المفارقة الأكثر إثارة للسخرية والتهكم في تناول أحداث اليمن خلال الأيام الماضية في التناقض الصارخ بين رواية «الشرعجية الفندقية» وروايات مطابخ القرار الدولي حول من يملك زمام المبادرة فعلاً. فبينما كانت وكالة رويترز (Reuters) ترصد (تعسفياً) التفاصيل اللوجستية لتلك الأحداث ضمن تقرير لمراسليها في الشأن اليمني محمد الغباري وريام مخشف بعنوان «الحكومة اليمنية تغلق الأجواء بعد قصف مدرج مطار صنعاء» (Yemen,s government closes airspace after striking Sanaa airport runway)، مروجة لبيان وزارة دفاع حكومة الفنادق الذي تتبجح فيه بـ«سيادتها» المزعومة على المدرج المحطم؛ كانت مطابخ الصحافة الاستخباراتية والتحليلية الغربية تعري هذا البؤس بالكامل.
وفي فصول هذه الملهاة المضحكة، خرج وزير داخلية حكومة الفنادق، إبراهيم حيدان، عبر وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية، ليزعم منتشياً أن إفشال ما سماه «الجسر الجوي الإيراني» قد «أعاد الاعتبار لمعركة استعادة مؤسسات الدولة وتعزيز السيادة الوطنية»! وتبعه نائب وزير خارجيته، مصطفى النعمان، بالتباكي على رفض صنعاء رحلات عمّان المنتظمة... فعن أي سيادة يتحدث قاطنو الغرف المجانية وهم لا يملكون قرار إقلاع طائرة من عدن دون إذن ضابط الارتباط السعودي؟!
وفي مقابل هذه التبعية المخزية، وضعت صحيفة «تشاينا يوث ديلي» (China Youth Daily) الصينية، وبقلم كاتبها المتخصص كونغ ديجون، الإصبع على الجرح الاستراتيجي مباشرة في تحليلها المعنون ب»الحوثيون يهاجمون السعودية مجدداً، وهدوء اليمن لأربع سنوات يصل إلى مفترق طرق»؛ إذ أكدت أن المعركة تجاوزت قصة طائرة، لتصل إلى جوهر الصراع الحقيقي: من يملك الحق الأصيل في إدارة المجال الجوي اليمني كعنوان لسيادة الدولة؟ وهو إقرار صيني علني بأن «الهدوء المؤقت» لم يحل جوهر القضية، وأن صنعاء هي وحدها التي تصوغ معادلة الأجواء فوق ترابها الوطني.
هذا ما سارعت صحيفة «لوموند» (Le Monde) الفرنسية في قراءتها الساخنة المعنونة ب«في اليمن التوترات الإقليمية تعيد إحياء صراع كامن»، إلى نزع ورقة التوت عن أدوات الرياض؛ إذ نقلت عن الأستاذ في جامعة أوتاوا والباحث في مركز صنعاء توماس جونو (Thomas Juneau) تأكيده الحاسم بأن الحكومة الفندقية لا تمتلك أصلاً القدرات الجوية اللازمة لتنفيذ مثل هذا الهجوم، وأن السعودية تحاول واهمة إظهار أنها لم تعد منخرطة ميدانياً في المستنقع اليمني لتجميل صورتها، برغم أن الواقع العملي يفضح قبح الأصل وقباحة الصورة معاً.
وفي قراءة متقاطعة نشرتها شبكة «الجزيرة» الإنجليزية (Al Jazeera English) للإخواني أحمد الشلفي بعنوان «اليمن يقترب من مواجهة متجددة» (Yemen is edging closer to renewed confrontation)، يتجلى التهكم بوضوح؛ إذ يؤكد التحليل أن أزمة الطائرة واستهداف المدرج تجاوزت تماماً سخافات «الطيران المدني» وبيانات المرتزقة، لتكشف عن تحول أعمق يضع صنعاء في قلب المواجهة المباشرة مع واشنطن. فالإدارة الأمريكية -بحسب الكاتب- باتت تنظر إلى صنعاء كقوة إقليمية صلبة مرتبطة مباشرة بأمن البحر الرئيسي وحرية الملاحة الدولية، متجاوزة بالكامل وجود شلة الفنادق التي لم تعد سوى ظلال باهتة لا يراها أحد في واشنطن أو نيويورك.
هذه التبعية المطلقة أكدها أيضاً موقع «أكسيوس» (Axios) الأمريكي وموقع (Liveuamap) في تقرير حمل عنوان «ترامب يمنح ولي العهد السعودي دعمه لشنّ ضربات محفوفة بالمخاطر على الحوثيين» (Trump gives Saudi crown prince green light for risky strikes on Houthis)، الذي كشف بالمعلومات الاستخباراتية كيف أدار محمد بن سلمان خطاً ساخناً مع واشنطن -بدءاً من لقاء السفيرة السعودية بالخارجية الأمريكية وصولاً للاتصال الهاتفي المباشر مع ترامب- لنيل دعمه الكامل قبل أن تشن السعودية ضرباتها الأخيرة... لتتضح الحقيقة العارية مدعومة بتقرير شبكة «سي إن إن» (CNN) المتسائل عن أبعاد التصعيد بأننا أمام «شرعجية» بليدة تظن أن السيادة مجرد ديباجة لبيان يعلّق على قنابل أسقطتها طائرات سعودية بإذن أمريكي. إن السيادة لديهم هي أن تصفق لمن يدمر مدرج بلدك بذريعة منع هبوط طائرة إيرانية مدنية نقلت وفداً سيادياً لتقديم واجب العزاء بوفاة المرشد الأعلى الإيراني، ثم تدعي الريادة والبطولة من غرفتك المجانية بفندق «نجمة وسيف» في الرياض متغافلاً بوقاحة صمتك المطبق تجاه الغارات الأمريكية والبريطانية والصهيونية التي استباحت دماء اليمنيين ومقدراتهم طوال الأشهر الماضية.
ثانياً: «الضوء الأخضر» الأمريكي والهشاشة السعودية
من جهة أخرى، يكشف الاضطرار السعودي لطلب حماية استباقية من واشنطن قبل الإقدام على قصف المطار عن حقيقة جوهرية، هي التلاشي الكامل لهيبة الردع السعودي أمام صمود صنعاء. وهذا تحديداً ما ذهبت إليه صحيفة «نيويورك تايمز» (The New York Times) في تحليلها المنشور تحت عنوان «صراع الأجواء اليمنية يمهد لمرحلة جديدة من حرب الوكالة الإقليمية» (Yemen's Airspace Clash Signals a New Phase in Regional Proxy War) بقلم كاتبَيها فيفيان نيريم (Vivian Nereim) وديكلان وولش (Declan Walsh)؛ إعذ أشارا بوضوح إلى أن الضربات الأمريكية والبريطانية طوال عامين لم تنجح في تحجيم قدرات «أنصار الله»، بل منحتهم شرعية شعبية كقوة وحيدة تواجه الغرب مباشرة.
وفي السياق، حذّر مدير مكتب صحيفة «واشنطن بوست» (The Washington Post) في «الشرق الأوسط» كريم فهيم (Kareem Fahim)، في تقرير بعنوان «التصعيد في صنعاء يهدد الهدنة اليمنية الهشة وسط إغلاق الأجواء» (Escalation in Sanaa Threatens Fragile Yemen Truce Amid Airspace Shutdown)، من أن هذا السلوك المتهور سينهي تفاهمات السنوات الأربع بالكامل ويهدد الهدنة الهشة وسط إغلاق الأجواء.
وهو ما تلاقى مع تحذيرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) عبر الزميلة البارزة والمستشارة السابقة للمبعوث الأممي، أبريل لونغلي آلي، في تحليلها المستجد (Yemen's Truce at Risk)؛ إذ أكدت أن مراسم جنازة المرشد الأعلى في إيران وفرت لصنعاء فرصة للضغط الخشن على السعودية، مشيرةً إلى أن طهران تواصل استخدام هذه الورقة الاستراتيجية، ومحذرة من أن إغلاق أو تهديد ممرين بحريين رئيسيين (هرمز وباب المندب) في آن واحد يمثل خطراً كلياً لا يستطيع الاقتصاد العالمي المترنح تحمله.
وجاء التوثيق الصادم لهذا الفشل العسكري المشترك في افتتاحية صحيفة «ذا ناشيونال» (The National) تحت عنوان «تجاهل اليمن يؤجل الأزمة المقبلة فقط» (Ignoring Yemen only delays the next crisis)؛ إذ اعترفت هيئة تحرير الصحيفة بمرارة وعجز قائلة إن «الضربات العسكرية وحدها أثبتت عقمها وعدم قدرتها على احتواء الأزمة»، وأن سنوات الحرب الطويلة لم يسفر عنها إلا تعميق صمود صنعاء وترسيخ نفوذها كأحد أكثر الفاعلين قدرة على تهديد المنظومة البحرية الغربية.
هذا الاعتراف التأسيسي بالعجز الغربي تكامل مع الدراسة الصادرة عن معهد (ISPI) الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، للباحثة إليونورا أرديماني (Eleonora Ardemagni)، المعنونة بـ»السلام السعودي في اليمن على شفا الهاوية: الحوثيون ينتقلون من الحذر إلى التحدي». أكدت الدراسة بوضوح أن استهداف مطار أبها -كأول هجوم من نوعه منذ أربع سنوات- أعلن رسمياً موت أوهام «السلام الإملائي السعودي» (Saudi Pax)؛ إذ أدركت صنعاء مبكراً وبوعي سيادي صلب عدم جدوى المراهنة على وعود الرياض اللفظية، فانتقلت بجرأة استراتيجية من ضفة الحذر والانتظار إلى ضفة التحدي وفرض المعادلات الفوقية.
ولم يكن الهلع ببعيد عن عمق الكيان الصهيوني نفسه، إذ سارعت الصحافة الصهيونية عبر موقعي (Walla) و(ynet) الإخباريين إلى الإقرار بالحقيقة ذاتها تحت عنوان لافت: «المعادلة اليمنية: الهجوم على السعودية يدل على تآكل الردع لدى دول الخليج»؛ إذ اعترفت الدوائر الأمنية الصهيونية ببروز ما سمته «المعادلة اليمنية» كواقع قاهر كسر كلياً جدار الردع الخليجي، كاشفة برعب أن صنعاء باتت تضع الرياض في خانة استراتيجية كمستهدف رئيسي لا يقل وزناً ولا قيمة عن استهداف «تل أبيب».
لقد حاول الرئيس الأمريكي الأحمق دونالد ترامب، بالتنسيق مع المجرم بنيامين نتنياهو، دفع الرياض إلى واجهة الصدام مجدداً، عبر توريطها في قصف مطار صنعاء، لتخفيف الضغط البحري عن كيان العدو والقطع الأمريكية، مستغلاً مخاوف الرياض من كسر الحصار المفروض على سماء صنعاء منذ العام 2016 بعد هبوط الطائرات الإيرانية، وهو الرعب الذي وثقته صحيفة «فايننشال تايمز» (Financial Times) في تحليلها الاستراتيجي بقلم أندرو إنغلاند (Andrew England) تحت عنوان «حوثيو اليمن يطلقون صواريخ على السعودية» (Yemen's Houthis fire missiles at Saudi Arabia)، كاشفة حجم الهلع الجيوسياسي القابع في قلب القيادة السعودية من فتح «جسر جوي مباشر» يكسر الحصار كلياً، ومؤكدة أن فرص استئناف الحرب المباشرة باتت في أعلى مستوياتها منذ توقيع التهدئة.
غير أن الرد اليمني لم يتأخر، ليرسم بالباليستي والمسيّرات قواعد الاشتباك الجديدة فوق مطار أبها الإقليمي وقاعدة الملك خالد الجوية، لتثبت صنعاء عملياً أن زمن الاستفراد باليمن قد ولى، وأن الأجواء بالأجواء والمطار بالمطار. هذا الرد المحمي بحاضنة شعبية جارفة هو ما وثقته وكالة الأنباء الإيطالية (RAI News) عبر تغطيتها لملايين الغضب اليماني المحتشدة في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء، مؤكدة أن المظاهرات المسلحة الحاشدة وهتافاتها المتحدية للغطرسة السعودية تمنح القيادة تفويضاً مطلقاً لفرض الشروط السيادية وكسر الحصار بالقوة العسكرية.
ثالثاً: مصيدة الشواطئ المتقابلة
يقارب المحللون الدوليون أبعاد المعادلة من زاوية الاقتصاد السياسي الذي تخشاه الرياض والغرب. فالهروب الجغرافي من بؤر التوتر الإقليمية تحول إلى مصيدة محكمة.
هذا المأزق حلله بدقة الكاتبان بينوا فوكون (Benoit Faucon) وجاريد مالسين (Jared Malsin) في صحيفة «وول ستريت جورنال» (The Wall Street Journal)؛ ضمن تقريرهما «إغلاق الأجواء في اليمن يثير المخاوف من رد فعل عنيف على الشحن في البحر الأحمر» (Airspace Shutdown in Yemen Sparks Fears of Red Sea Shipping Backlash)، إذ أوضحا أن مساعي الرياض لتصدير نفطها عبر موانئ البحر الأحمر هرباً من مضيق هرمز المغلق باتت مهددة بالكامل، لأن صواريخ صنعاء قادرة على شل حركة هذا الشريان البديل في أي لحظة.
وفي السياق ذاته الذي يثبت زيف البدائل، وضعت صحيفة «ذا ناشيونال» (The National) النقطة على الحرف الاستراتيجي باعترافها بأن مضيق باب المندب قد فرض نفسه كمعادل جيوسياسي لا يقل أهمية للاقتصاد العالمي عن مضيق هرمز، وأن أي محاولة لتجاوزه أو القفز فوق شروطه السيادية ستجعل الانفجار القادم أكثر تكلفة وتعقيداً على المنظومة الدولية بأسرها.
لكن البعد العملياتي الأكثر خطورة وإثارة لذعر الغرب هو ما أكدته وكالة أنباء العمال الإيرانية (ILNA) نقلاً عن تقارير «رويترز» الاستخباراتية الدولية؛ تفيد بأن طهران طلبت من حركة أنصار الله الاستعداد الجاد والكامل لخنق مضيق باب المندب كلياً بمسيّرات وصواريخ تم نشرها وتموضعها بالفعل في مواقعها المتقدمة قرب المضيق، وذلك في حال أقدمت واشنطن على حماقة ضرب البنية التحتية للطاقة الإيرانية.
هذا التنسيق العملياتي المحكم فككه أيضاً الكاتب أسد ميرزا في صحيفة «ديلي إكسلسيور» (Daily Excelsior) الهندية تحت عنوان استراتيجي: «استراتيجية إيران للمضيقين تعيد تعريف التجارة العالمية والاستجابة البحرية»؛ إذ اعترف التحليل ببروز «هندسة خانق مزدوج» (Dual-Strait Architecture) يربط بذكاء عابر للقارة بين ضفتي البحر الأحمر للسيطرة المطلقة على باب المندب. وأكد الكاتب بالأرقام أن حركة العبور في البحر الأحمر انهارت بنسبة %70 منذ أواخر 2023، ما حوّل خطوط الملاحة الدولية إلى نظام دائم من «الرهائن الاقتصادية». ولعل الحادثة البحرية الأخيرة التي سجلتها السلطات البريطانية جنوب المكلا عبر موقع (Liveuamap) ليست سوى ترجمة ميدانية لهذا الطوق اليمني المحكم.
وهنا تتبدى السخرية المرة مجدداً. فبينما كانت الرياض -حسب تقرير «رويترز» المنشور عبر معهد الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)- تظن واهمة أنها قامت بـ«ذكاء التوائي» عبر تحويل مسار صادراتها النفطية برّاً عبر خط أنابيبها الممتد إلى البحر الأحمر تحسباً لإغلاق هرمز. وقعت بغبائها في قلب المصيدة، لتجد أن خط أنابيبها البديل يصب مباشرة في المرمى المشتعل لصواريخ صنعاء الرابضة قبالة باب المندب!
هذا المأزق النفطي والجيوسياسي المحكم هو ما عاد ليفككه ويعترف به بوضوح مرعب كبير محللي الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس» (Haaretz) الصهيونية، تسفي برئيل (Zvi Bar'el)، في مقال له بعنوان تهكمي صارخ: «محاصراً بين هرمز وباب المندب.. ترامب: أين الوسيط الجديد؟» إذ فضح برئيل بالأرقام زيف خطط الرياض الالتفافية للهروب من كماشة هرمز عبر خط أنابيب النفط البديل الممتد من شرق بقيق إلى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، موضحاً أن هذا الخط برغم قدرته النظرية على نقل 7 ملايين برميل يومياً، إلا أن محطات التحميل في ينبع لا تستوعب سوى 4 إلى 4.5 مليون برميل يومياً فقط. وأضاف أن القيود الملاحية لقناة السويس تمنع مرور ناقلات النفط العملاقة، ما يعني أنه في حال إغلاق باب المندب فلن يتبقى أمام السعودية أي طريق تصدير آمنة لنفطها، ليتحول أنبوب (بقيق - ينبع) الاستراتيجي إلى مجرد «ماسورة ميتة» في جوف الصحراء. والأخطر عسكرياً في تحليل برئيل هو إقراره بأن اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع مع السعودية عام 2022 (الهدنة) قد انتُهك وتلاشى بشكل واضح للمرة الأولى الأسبوع الماضي، إثر غباء الرياض بقصف مطار صنعاء، والرد اليمني الصاروخي المباشر الذي أعقبه. وتتضاعف هذه المخاوف مع ما نشرته صحيفة «التلغراف» (The Telegraph) البريطانية عن مصادر استخباراتية تكشف عن وجود تنسيق عملياتي متقدم يهدف لبسط السيطرة السيادية الكاملة على ضفتي باب المندب بالتعاون مع قوى القرن الأفريقي، ما يعني عملياً أن اليمن قد امتلك «السلاح النووي الجيوسياسي» القادر على خنق ليس فقط موانئ بني سعود واقتصادهم بالكامل، بل وخنق أسياد بني سعود أنفسهم.
وفي هذا السياق الجغرافي الساخن للقرن الأفريقي، جاء التقرير الاستقصائي الصادم والموثق الذي نشرته منصة (Arabi21) استناداً لصور الأقمار الاصطناعية وتحليل مشترك لشبكة (BBC) يحمل عنوان: «صور أقمار اصطناعية تكشف توسعات في مطار بأرض الصومال.. هل تمهد لوجود عسكري إسرائيلي؟» (Satellite images reveal expansions at Somaliland airport... Do they pave the way for an Israeli military presence?)؛ إذ كشف خبير الأقمار الاصطناعية والمصادر المفتوحة ويم زويجينبيرغ (Wim Zwijnenberg) أن مطار بربرة جرى تزويده بحظيرة طائرات مسيّرة شُيدت حديثاً، فضلاً عن 18 حفرة هندسية عميقة قرب المدرج يُرجح استخدامها كمخازن للذخيرة أو الوقود لشن عمليات هجومية ضد اليمن. والمثير للتهكم الساخر أن الجهة التي تولت أعمال التطوير هذه منذ العام 2018 ليست «تل أبيب»، بل شركة «ترمينال هولدينغز» (Terminal Holdings) الإماراتية، لتثبت أبوظبي مجدداً أنها مجرد مقاول لوجستي وظيفي هجين يحفر الخنادق ويمهد الغرف للوجود الصهيوني!
وتكتمل فصول الملهاة مع اعتراف الباحثة في «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» (INSS) أورنا مزراحي (Orna Mizrahi) في التقرير ذاته بأن أهمية أرض الصومال تضاعفت بالنسبة لـ»تل أبيب» مع تصاعد هجمات اليمنيين على الكيان؛ وأن التواجد هناك يمنح الكيان الصهيوني المذعور موقعاً متقدماً لمراقبة تحركات صنعاء على بُعد 550 كم، وهو إقرار علني صريح بسقوط معادلة الردع البحرية الغربية ولجوء العدو لنظارات استخباراتية بديلة هرباً من بأس الصواريخ والمسيّرات اليمنية.
رابعاً: الرعب الوجودي الصهيوني من «الجبهة الجنوبية»
لم تكن الدوائر الصهيونية بعيدة عن حالة الهلع، بل إن عودة جبهة اليمن إلى صدارة الفعل الإقليمي تثير رعباً وجودياً عميقاً في «تل أبيب». وفي تأكيد صارخ لحالة الرعب التي تبتلع المنظومة الصهيونية يبرز التقرير المذعور الذي نشره المحلل العسكري لصحيفة «معاريف» (Maariv) الصهيونية، آفي أشكنازي (Avi Ashkenazi) تحت عنوان: «تقرير يحذّر من جبهة تستعد إيران لفتحها ضد إسرائيل.. ما هي؟» (Warning Report: The New Front Iran is Preparing Against Israel)، ليضيف هذا التقرير نكهة السخرية القصوى على المشهد؛ فالكيان الذي يقف على أصابع قدميه في «مرحلة انتظار» قاتلة يترقب جبهات غزة ولبنان يكتشف فجأة أن الكابوس الاستراتيجي الأكبر يأتيه من الجبهة اليمنية.
ويعترف أشكنازي بمرارة بأن الساحة التي تستحوذ اليوم على الاهتمام الأكبر وقلق المنظومة الأمنية هي اليمن، مُقراً بأن إغلاق مضيق باب المندب سيمثل الضربة القاضية التي ستشل جزءاً كبيراً من الاقتصاد العالمي وحركة الملاحة، وهو ما يفوق في تأثيره الكارثي على الغرب والكيان مجرد إطلاق رشقات صاروخية أو طائرات مسيّرة. والمثير للتهكم والسخرية في هذه السردية الصهيونية أنها لا تزال تحاول واهمةً تغليف هذا الرعب بأسطوانة «الضوء الأخضر الإيراني» و«حزام التهديدات»، متغافلةً بغباء استخباراتي مزمن عن حقيقة أن قرار التحكم بالمضيق هو استحقاق وقرار سيادي يمني خالص، وأن صنعاء لا تنتظر إشارات من أحد لشد حبل المشنقة حول عنق الاقتصاد الصهيوني وممولي الإبادة؛ لتثبت الأيام أن «مرحلة الانتظار» الصهيونية ليست سوى وقوف ذليل في طابور الإعدام البطيء الذي تتحكم صنعاء بتوقيت تشغيل مقصلته.
هذا الرعب ذاته وثقته «القناة 12» الصهيونية؛ إذ حذّرت خبيرة الشؤون اليمنية والباحثة بمركز ديان بجامعة «تل أبيب» عنبال نسيم لوفيتون (Inbal Nissim Louvton) من أن استعادة صنعاء لزمام المبادرة السيادية قد تعني امتداد الحصار البحري اليمني لخنق الملاحة «الإسرائيلية» بالكامل وتجدد الضربات نحو «إيلات» و«تل أبيب».
وهو ما وافقها فيه محلل الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس» (Haaretz) تسفي برئيل (Zvi Bar'el) في مقاله «مع اشتداد الاشتباكات في اليمن، إسرائيل تراقب البحر الأحمر والجسر الجوي الإيراني» (As Yemen Clashes Heat Up, Israel Eyes the Red Sea and Iranian Air Bridge)، والذي يشير إلى خيبة أمل «المنظومة الأمنية الإسرائيلية» بعد أن ثبت أن استهداف الحديدة سابقاً لم يحقق أي ردع، بل دفع «البحرية الإسرائيلية» للهروب إلى الأمام ومحاولة تعزيز قدراتها بشراء خمس سفن إنزال جديدة من طراز «ترايتونز» بذريعة الاستعداد للجبهة التركية، بينما الحقيقة هي عجزها المطلق عن حماية سفنها في البحر الأحمر أمام بأس اليمنيين، كما ورد في تقرير لصحيفة «إسرائيل اليوم».
وفي السياق ذاته، أصدر «معهد الأمن القومي الإسرائيلي» (INSS) ورقة تقدير موقف للباحث البارز يوئيل غوزانسكي (Yoel Guzansky) تحت عنوان تحذيري: «هل سيعود اليمن ليصبح كابوس السعودية مجدداً؟». ويرى غوزانسكي أن هذا التصعيد قد نسف كلياً أوهام الرياض حول الحصانة الدبلوماسية التي اعتقدت واهمة أنها حصلت عليها بعد اتفاق التطبيع مع إيران برعاية صينية، مثلما سحق سراب مشاريع «رؤية 2030» التي أصبحت تحت رحمة الصواريخ اليمنية.
بينما أشار محلل الشؤون العربية في «جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، سيث فرانتسمان (Seth J. Frantzman)، في تقرير بعنوان «ضربة مدرج صنعاء: كيف يهدد الجسر الجوي الإيراني إلى اليمن إسرائيل؟» (Sanaa Runway Strike: How Iran,s Air Bridge to Yemen Threatens Israel)، إلى أن قصف مطار صنعاء كشف عن رعب (صهيوني-أمريكي) من الجسر الجوي المباشر بين طهران وصنعاء، مؤكداً أن صنعاء تحولت إلى قلعة استراتيجية متقدمة تمتلك من الجرأة والثقة بالذات ما يجعلها قادرة على مواجهة الكيان وحلفائه الغربيين ببراعة استثنائية، مستندة إلى حالة تعبئة قبلية وشعبية شاملة تحت لافتة نصرة غزة وفلسطين ومحمية بنظام قيادي صلب يعتمد على «قادة الظل» المؤهلين لإحباط أي محاولات اغتيال غربية أو صهيونية.
خامساً: الإفلاس التاريخي.. من هو صديق السعودية في اليمن؟
إن الإفلاس الأخلاقي والسياسي لمعسكر التبعية يتبدى بوضوح عندما يتضح أن المعتدي لا يملك موطئ قدم حقيقياً في الوجدان اليمني، وهو ما وضعت حوله شبكة «أوريكس أوبزرفر» (Oryx Observer) علامة استفهام عريضة في مقالها التحليلي الساخر: «من صديق السعودية في اليمن؟» (Saudi Arabia's Friend in Yemen؟)، كاشفةً بالحقائق الدامغة إفلاس الرياض التي باتت تتهم الجنوبيين بالعمالة لأبوظبي وتصدر البيانات ضدهم وتتهم الشماليين بالتبعية لإيران، لتثبت لمواليها أنها بلا صديق حقيقي واحد على الأرض اليمنية، وأن من تسميها «شرعية» مجرد شلة معزولة تقطن الفنادق ولا يربطها بالوطن سوى «كشوفات الإعاشة».
هذا السقوط السياسي المريع يوازيه وعاء هندسي من الإفلاس الاقتصادي البنيوي؛ إذ كشفت رئيسة فريق خبراء صندوق النقد الدولي (IMF) إستر بيريز-رويز، توقيع اتفاق ذليل لبرنامج إصلاحي اقتصادي مدته 18 شهراً مع حكومة الفنادق، بعد أن توقع الصندوق رسمياً انكماش اقتصادهم بنسبة 1.5% عام 2026 وللعام الخامس على التوالي، مؤكداً ارتهان تلك السلطة بالكامل للدعم المالي الخارجي لتسيير لقمة عيشها.
وفي المقلب الآخر الصامد يخرج تقرير الحالة السكانية لعام 2026 ليوثق حيوية ديموغرافية جبارة؛ إذ يبلغ عدد سكان اليمن 35.3 مليون نسمة بمعدل نمو سنوي يبلغ 2.8٪، ورغم وجود 6 ملايين نازح داخلي جراء سنوات الحصار والعدوان إلا أن هذه الكتلة البشرية الضخمة التي يمثل الشباب الفئة العاملة الأكبر فيها (57٪) تلتف بوعي كحاضنة شعبية مسلحة عارمة تمنح صنعاء تفويضها المطلق لفرض السيادة بدلاً من الاستجداء على أعتاب الصناديق الدولية.
هذا الإفلاس الكلي للمرتزقة عززه الباحث في مركز «تشاتام هاوس» البريطاني فارع المسلمي في حديثه لصحيفة «لوموند» الفرنسية موضحاً أن الاتفاقات الضمنية بعدم التصعيد قد انهارت بالكامل عندما حاولت الرياض فرض شروطها وتفتيش الطائرات المدنية معتقدة أن بإمكانها إبقاء اليمن تحت الوصاية، فأتاها الرد صاعقاً ومباشراً ليكسر الحصار الجوي ويهبط بالطائرة في الحديدة رداً على الغباء والجبن السعودي الذي يضرب مطار صنعاء بطائراته ثم يرتعد خوفاً من إعلان المسؤولية فينسب العملية لجيش العميل رشاد العليمي الذي لا يملك حتى طائرة ورقية في ترسانته!
لقد وجهت الرياض بتوجيه أمريكي متهور رسالة مفادها أنها ليست محايدة في اليمن - وهي التي سعت طوال سنوات لتقديم نفسها كوسيط بين اليمنيين، فجاءها الجواب اليمني بأن دماء اليمنيين وحريتهم وسيادتهم ليست مادة للمساومة الإقليمية، وأن حماية الاقتصاد والمنشآت الحيوية لبني سعود لن تكون إلا بإنهاء العدوان الشامل والانسحاب الكامل، وإلا فإن طوق النار سيلتف حول رقاب آبار النفط والغاز في المنطقة بأسرها.










المصدر علي عطروس / لا ميديا