قسم التحقيقات / لا ميديا -
تتوشح صنعاء باللون الأخضر وتعيش حالة ابتهاج استعداداً للاحتفاء بالمولد النبوي الشريف. هنا، لا تقتصر المناسبة على احتفال عابر، بل تتحول إلى مشهد عام تشارك المدينة كلها في صياغته؛ بدءاً من جدران الحارات وأروقة الأسواق، مروراً بالبيوت والمنابر التي تستلهم السيرة النبوية بعين الحاضر، وصولاً إلى ساحات التجهيز الكبرى. في هذا التقرير ترصد «لا» نبض الشارع، وتنقل انطباعات الداخل والخارج، وتقف على لغة الأرقام التي تبشر بحشود غير مسبوقة.

أثرٌ من الفرح
يصف الخطاط عباد صالح لـ»لا» مشاعره أثناء مشاركته في تزيين شوارع العاصمة، قائلاً: «عندما أمسك القلم وأقف أمام جدران صنعاء لأخط اسم النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا أكتب كلمات، إنما أترك أثراً من الفرح في المكان. يتغير الجدار العادي أمامي ليصبح مشهداً يليق بابتهاج صنعاء بالمولد. أحرص على جمال الخط ووضوحه ليصل إلى الجميع، وأكثر ما يسعدني هو توقف المارة للصلاة على النبي والابتسام، وتساؤلات الأطفال عن الحروف. أنا لا أزين جداراً فحسب، بل أشارك في إحياء هذه الذكرى في قلوب الناس، وسعيدٌ بأن قلمي يساهم في رسم هذا الفرح على جدران مدينةٍ تفرح».

يستعدون بالزينة
ومن زاوية ترصد نبض الأسواق وتأثير المناسبة على حركة البيع والشراء، التقطت «لا» مشاهدات عبدالله مجلي (صاحب مكتبة)، الذي عبر عن ذلك بالقول: «من أول ما بدأت الاستعدادات والناس تبحث عن أشياء محددة، وكل شخص يعبر عن فرحته بطريقته. اللافت أن المولد يغيّر حركة السوق، فأشياء كانت عادية طوال العام تصبح مطلوبة فجأة. أنا أبيع هذه المستلزمات، لكنني أرى خلف كل عملية شراء حكاية: شخص يجهز حارته، وآخر يشارك في الزينة، وثالث يبحث عن شيء يضعه أمام بيته. أكثر ما يفرحني رؤية الناس يدخلون المحل يتحدثون بحماس، وكأن المناسبة بدأت قبل موعدها. هذه هي العلامة الحقيقية؛ أن يتحول الاستعداد إلى حالة فرح يعيشها الناس».

موعد واحد
وبعيداً عن الساحات المركزية الكبرى، يبدأ النبض من الأزقة والشوارع الفرعية.. الشاب رؤوف عجلان التقط هذه الزاوية، ونقل لـ»لا» صورة حية عن التفاعل العفوي الذي يسبق المناسبة، قائلاً: «ما يعجبني في صنعاء هذه الأيام أن التغيير لا يبدأ من الساحة الكبيرة؛ بل يبدأ من الحارة. كل شارع له طريقته، وكل واحد يريد أن يترك بصمته في المكان. أحب أن أرى الجدار الذي أمرّ بجانبه كل يوم وقد أصبح يحمل كلمات عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأشعر أن الشارع نفسه صار يذكّرنا بالمناسبة كلما مررنا فيه. والأجمل بالنسبة لي أن الناس لا ينتظرون يوم الاحتفال حتى يفرحوا؛ فمن وقت مبكر يبدأ الحديث والتجهيز، ويصبح للمناسبة حضور في تفاصيل يومنا.. هذه الحالة هي أكثر شيء أحبه في المولد؛ أن تشعر أن المدينة كلها تعيش موعداً واحداً».

إعجاب سعودي
ولم يقتصر صدى هذه الاحتفالات على الداخل اليمني، بل امتد ليلفت أنظار المتابعين من خارج الحدود. يبدي المعارض السعودي صالح حمامة لـ»لا» دهشته من المشهد الصنعاني، مشيراً إلى أنه كسعودي يعرف جيداً دلالات اللون الأخضر، غير أن رؤيته لهذا اللون في صنعاء جعلته يدرك أن القضية تكمن في المعنى الذي يُحمل عليه.
ويوضح حمامة أن الأخضر في العاصمة يملأ الشوارع احتفاءً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترافقه الأناشيد وحضور السيرة النبوية، مما يُشعر المتابع بمدى تمسك الناس بنبيهم واعتبارهم المناسبة جزءاً أصيلاً من هويتهم. وفي المقابل، يلفت إلى أن مجتمعه في السعودية يُدفع نحو مشروع كامل من الانفتاح الذي جعل الترفيه عنواناً بارزاً للمشهد الجديد.
وحول هذه التحولات، يقول حمامة: «وهنا تكون المفارقة مؤلمة: البلد الذي كنا نظنه أكثر التصاقًا بالمظاهر الدينية صار يصدّر مشاهد الترفيه، بينما ترى في صنعاء مدينةً كاملة تستنفر لإحياء ذكرى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أنا لا أتكلم عن يوم أو حفلة؛ أتكلم عن اتجاهين. اتجاه يقول للناس: تعالوا نقترب من السيرة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واتجاه آخر يقول: تعالوا نستهلك الترفيه وننس شيئًا فشيئًا ما كان حاضرًا في هوية المجتمع».
ويختتم حديثه مبدياً إعجابه العميق برسالة صنعاء من خلال هذه الاستعدادات: «ولهذا أعجبتني صنعاء في هذا المشهد تحديدًا؛ لأنها تقول إن التقدم لا يعني بالضرورة أن تتخلى عن دينك، وإن الفرح يمكن أن يكون له معنى، وإن محبة النبي الكريم يمكن أن تكون شيئًا تراه في الشارع، لا مجرد كلام تسمعه في مناسبة».

تساؤلات أطفالي
بعيداً عن صخب الشوارع والأسواق، يتخذ الاحتفاء طابعاً أعمق داخل البيوت. تضع التربوية عفاف المقطري، زاويتها الخاصة على طاولة «لا»، حيث الجوهر يسبق المظهر، والغاية أن يعرف أبناؤها صاحب هذه الذكرى لا أن تقتصر معرفتهم على بهجة الزينة وحسب.
تستثمر عفاف شغف أطفالها وتساؤلاتهم حول المشاهد الملونة في الخارج، لتربطها بمواقف حية من سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مستحضرة ذلك المشهد الذي لا يفارقها حين جذبه رجل من ردائه بقسوة يطالبه بالعطاء، فما كان منه إلا أن قابله بالإحسان، لتعقب متأملة: «كلما تذكرت الموقف أتوقف عند معنى الحِلم وسعة الصدر».
هذا الاستحضار التربوي لا يقف عند حدود السرد العاطفي، بل تترجمه إلى قاعدة يومية تزرعها في وعي صغارها: «أقول لأولادي دائمًا: إذا أحببنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يكفي أن نتحدث عنه؛ بل يجب أن يظهر ذلك في طريقة تعاملنا مع الناس».

بعين الحاضر
من المنابر التي تصدح بالسيرة العطرة، يبرز وعي مختلف يتجاوز القوالب التقليدية للاحتفاء. يضع خطيب المسجد عبده عريج، أمام «لا» مقاربة تغوص في الجوهر، مبدياً تحفظه على اختزال المولد في سؤال: كيف نحتفل؟، ليقفز مباشرة إلى المربع الأهم: «ماذا نفعل بهذه السيرة بعد أن نسمعها؟».
حضور النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفقاً لهذه الرؤية، لم يكن محصوراً داخل جدران المساجد أو مجالس التعليم، بل امتد ليكون حاضراً في السوق، والبيت، وعند الخصومة، ومع الضعيف والمخالف، ومن هنا تأتي دعوته لقراءة السيرة بحثاً عن التفاصيل التي تشبه حياتنا اليوم.
يستحضر عريج موقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد، كنموذج لمعالجة الخطأ بطريقة تحفظ الكرامة وتعلّم الآخرين دون اللجوء للانفعال، معقباً: «هذه التفاصيل الصغيرة في السيرة هي التي أريد أن نعيد اكتشافها؛ لأنها تختبرنا نحن، لا معلوماتنا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم».
بهذا الفهم، تتشكل المناسبة كنافذة عملية وتأمل عميق، يلخصه في دعوة تلامس الواقع، حيث «المولد فرصة لأن نقرأ السيرة بعين الحاضر: ليس فقط ماذا حدث للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما ماذا كان سيفعل لو كان هذا الموقف أمامنا اليوم؟».

سياق واحد
النشيد هنا ليس ترنيمة مجرّدة، بل موقف وذاكرة. هكذا يرى المنشد عبدالعظيم عزالدين حضور الصوت في المولد، مؤكداً لـ»لا» أن الاحتفاء بالسيرة لم يعد منفصلاً عن الواقع، بل يُقرأ اليوم بوعي يتصل بما يجري في فلسطين، ويستلهم المسؤولية تجاه شعب يُقتل ويقاوم.
هذا الوعي يدفعه للمزاوجة بين أعمال المولد وتلك المرتبطة بالشهداء والمواجهة، مبيناً أن الوجدان اليمني بات يربط المناسبات ببعضها لتتداخل قضايا الأمة، «تسمع نشيدًا في المولد، ثم تسمع الكلمات نفسها عن فلسطين والصمود؛ لأن الوجدان صار يرى هذه القضايا في سياق واحد».
وعن رسالته الفنية، لا يلتفت عزالدين للإعجاب العابر، بل يبحث عن الأثر المستدام، يقول: «أنا لا أبحث عن نشيد يصفق له الناس دقيقة وينسونه، أبحث عن جملة تبقى معهم، أو لحن يرددونه عندما يحتاجون إلى الشجاعة أو الصبر.. هذه هي مسؤولية المنشد».

من بيروت إلى صنعاء
ومن زاوية عربية ترقب الحدث، تتجاوز الدهشة حدود الجغرافيا. تضع اللبنانية غادة حداد (من بيروت) انطباعها على صفحات «لا»، مشيرة إلى أنها تدرك سعة إحياء المولد في بلدان عدة، لكن صنعاء قدمت لها نموذجاً استثنائياً يتجاوز المألوف.
المفاجأة بالنسبة لغادة لم تكن في مجرد إقامة الاحتفال، بل في تلك الروح الجماعية التي تسري في الأرجاء، وتعبر عن ذلك بانبهار: «تشعر أن المدينة كلها تعرف أن هناك موعدًا كبيرًا قادمًا. الشوارع، الكتابات، الأضواء، الأصوات، وحتى طريقة الناس في الحديث عن المناسبة؛ كل شيء يبدو وكأنه يتحرك باتجاه يوم واحد».
وفي مقارنة سريعة مع ما ألفته في لبنان، حيث يقتصر حضور المناسبة غالباً على المساجد والبيوت والاحتفالات الخاصة، تتوقف غادة أمام فرادة التجربة اليمنية واستنفار مدينة بهذا الحجم، لتلخص دهشتها في مقاربة مكثفة: «أكثر ما شدني أن المولد هنا ليس فقرة في برنامج؛ بل هو مشهد عام تشارك المدينة في صنعه».

حشود أكبر
تأخذ الاستعدادات طابعاً استثنائياً في ميدان السبعين، حيث تتجه الأنظار كخلية نحل لا تهدأ.. يضع مسؤول تجهيز الساحة المركزية علي السقاف، أبعاد هذا الجهد الميداني أمام «لا»، مبيناً أن العمل بدأ مبكراً استعداداً لحشود يتوقع أن تتجاوز طاقة الأعوام الماضية.
خارطة التجهيزات، وفقاً للسقاف، لم تتوقف عند حدود الميدان، بل امتدت من شارع البشيري وصولاً إلى جسر المالية، وشملت رفع المخلفات وتهيئة المداخل ومواقف السيارات. ويختزل هذا الجهد المتواصل بالقول: «نحن نعمل ليلًا ونهارًا، لأن ما نعدّه هذا العام ليس احتفالًا عاديًا؛ نريد أن تكون ساحة السبعين قادرة على استيعاب أكبر حشد شهدته احتفالات المولد في اليمن، وبما يليق بضيوف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم».
وفي خضم هذه الاستعدادات الميدانية يبرق السقاف رسالة شكر لـ»لا» على إسنادها الإعلامي للفعالية، باعثاً بتحياته الخاصة لفريق العمل ولرئيس التحرير الأستاذ صلاح الدكاك.

تضاعف متوقع
ووفقاً لإحصائيات العام المنصرم، فقد توزعت الحشود على 49 ساحة وميداناً في الأمانة والمحافظات، منها 35 ساحة للفعاليات النسائية أدارتها نحو 500 لجنة. وفي ميدان السبعين، عمل 50 ألفاً من أفراد اللجان (التنظيمية، الفنية، الصحية، الأمنية، والإعلامية) على إدارة الحشود، فيما احتضنت الكلية الحربية الفعالية النسائية المركزية للأمانة، مسنودة بثلاث ساحات كبرى في محافظة صنعاء.
واليوم ومع تواصل أعمال تهيئة المداخل والخدمات اللوجستية، تؤكد وتيرة التجهيزات المبكرة لفعالية (1448هـ) الاستعداد لاستقبال أعداد أكبر واستيعاب ضعف تلك الإحصائيات، بانتظار الإعلان الرسمي النهائي لعدد الساحات واللجان في عموم اليمن لهذا العام.
هكذا تبدو صنعاء وهي ترسم لوحتها الخضراء المحمدية؛ مدينةٌ لا تكتفي بالاحتفاء العابر، إنها تجعل من سيرة نبيها بوصلة للحاضر، وموعداً يندمج فيه الفرح بالصمود والمسؤولية.