ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1922)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
الإمبريماتورا.. تحدث الآن
علي عطروس
لم يعد 217 رقماً في تقويم الصحافة. إنه رقمٌ في حسابات السقوط: سقوط البترودولار، الذي حوّل «نجد» إلى رهينة شماغ تكساس، وسقوط «الناتـــــو» الذي يهدّد طهران ويختبـــئ من نتنياهو، وسقــــــوط «الدبلوماسيـــة» الأمريكيــة التــي تتوسّل إلى الجيش الإيرانــــي: «بليـــز، انقلبوا عليهـــــم نيابـــــــةً عنا».
فـي هـــذا العــدد نُعيـــــــد اكتشاف اليمن قبل 500 عام، وهو يفرض رسوم باب المندب في العهد الرسولي - الطاهري، لنقول للعالم: المضيق كان يمنياً قبل أن يكون «دولياً»، وسيبقى يمنياً بعد أن ينتهوا من ترامب، وسنكتشف كيف أن أنابيب «غولدمان ساكس» البديلة عن هرمز لا تنتهي إلا في «حيفا»، فتتكشف خارطة الهزيمة: من مضيقٍ عربيٍّ إلى ميناءٍ محتلٍّ.
هنا نقرأ كيف صنع ترامب القنبلة النووية الإيرانية بعقوباته، وكيــــف أذل «سانشيز» عجل إبستين الأصفر.. وفي «كشك» العدو نقرأ بأقلامهم: أنصار الله ليسوا «وكلاء» بل قوةٌ تُسقط الـ«ريبر» وتغلق باب المندب بقرارٍ يمنيٍّ خالص. ونقرأ كاغان المحافــــــظ الجديد يبكي: «إيران بلا قيود» ستكون «القوة المهيمنة».
أمــا سوريا فنرى فيها «رهانــــــــات بشار» تتحقق: «النصرة» صــــــــــــــــارت حكومـــة، والمحيسنـــــــــي بـــــريء، والجولاني يُقدّم فروض الطاعة للموساد على بعد 14 كيلومتراً من دمشق. فتتبيّن الحقيقة: «الإرهاب» كان اسم المقاومة، و«السلام» اسم الاستسلام.
217 ليس عدداً. هو «الإمبريماتورا» - الطبقة الأولى التي يرسمها المقاومون بالدم على أرضية العالم، بينما يرسمها المحللون الأمريكيون بالحبر الباكي. والفرق أن طبقتنا ستبقى، وحبرهم سيجف.
اليمن فرض رسوماً جمركية للمرور من باب المندب قبل 500 سنة
قبل أن يكون باب المندب «ممراً دولياً» يُهدّد به ترامب ويُحاصر به اليمن، كان في العهد الرسولي والطاهري مجرىً يمنياً خالصاً تفرض فيه الدولة رسومها على كل سفينة تتنفس هواء البحر الأحمر. المؤرخ الروسي بيوتروفيسكي يُسجّل في كتابه «اليمن قبل الإسلام والقرون الأولى للهجرة - من القرن الرابع حتى العاشر الميلادي» أن السفن القادمة من الهند والصين كانت تدفع «العشور» و»المكوس» في موانئ عدن، لا لأنها ترسو فحسب، بل لأنها تمرّ في مياه يمنية تُحمى من القراصنة بأسطول الدولة؛ فاليمن لم يكن مجرد «محطة ترانزيت» كما يُريد الغرب تصويره، بل كان سيداً على ممره، يفرض ضرائبه ويحمي تجارته ويُسيّر سفنه بأمره.
لكن هل كان اليمن «يحتكر» الملاحة؟ لا، بل كان يُنظّمها. ففي وثائق «نور المعارف» —التي دوّنت إدارة الميناء في عهد الملك المظفر— يُفرض على السفن القادمة من المحيط الهندي إفراغ بضائعها في عدن، وإعادة شحنها على سفن أصغر إلى البحر الأحمر، وكانت الدولة تستوفي رسوم الحماية أو «الشواني» لقاء تأمين الطرق من غارات القراصنة. هذا ليس احتكاراً، بل سيادة: من يملك الممر يملك القرار، ومن يحمِ التجارة يستحق الأجر.
واليوم، حين يُحاصر اليمن ويُمنع من استيراد الدواء والغذاء، ويُهدّد بعقوبات لأنه يُدافع عن باب المندب، يتذكّر المرء أن «الرسوم الجمركية» التي فرضها أجدادنا قبل خمسة قرون كانت أكثر عدالةً من «العقوبات الأمريكية» التي تفرضها واشنطن اليوم؛ فالأولى كانت مقابل حماية وخدمة، والثانية مقابل خنق وإذلال.
إن باب المندب لم يكن يوماً «ممراً حراً» كما يزعم الغرب، بل كان -وسيبقى- شرياناً يمنياً، فرضت فيه الدولة رسومها قبل 500 سنة، وستفرض فيه كرامتها اليوم وإلى ما بعد 5000 سنة.
ما بعد هرمز وباب المندب.. البحث عن خارطة أخرى
ظنوا أن المشكلة هي هرمز، فبنوا أنابيب الشرق-الغرب إلى ينبُع، وخطوط أدنوك إلى الفجيرة، و»سوميد» المصري إلى سيدي كرير، ويحلم العراق ببصرة- حديثة- بانياس، ويُقدّر «غولدمان ساكس» أنهم سيتجاوزون هرمز بـ14 مليون برميل يومياً بحلول 2028؛ لكنهم نسوا وتناسوا أن النفط الذي يفلت من هرمز يدخل باب المندب؛ ليس بديلاً بل جبهة أخرى. والمفارقة الأعمق أن المجرم «نتنياهو»، في مقابلته مع (ABC News)، يعترف بأن الحل ليس في الأنابيب العربية، بل في «نقل خطوط الطاقة إلى البحر الأحمر ومنها إلى إسرائيل وميناء حيفا»؛ فتتكشف اللعبة: لم يكن الهدف يوماً تحرير النفط من الاختناق، بل تسليمه إلى الاختناق «الإسرائيلي»، فالخليجيون يدفعون ملياراتٍ لبناء بديلٍ عن هرمز ليُصدّروا عبره نفطهم إلى حيفا، كأن «الاستقلال» عن المضيق الإيراني يعني الارتهان للميناء الصهيوني. إذن، البديل الوحيد الذي يساومهم به سيدهم هو أن يُركّبوا أنابيبهم في خدمة «إسرائيل الكبرى»؛ فأي خارطةٍ هذه التي يبحثون عنها؟! إنها خارطة الهزيمة: من مضيقٍ إسلامي- عربيٍّ إلى ميناءٍ محتلٍّ، ومن سيادةٍ وهميةٍ إلى ذلٍّ حقيقيٍّ يُسمّونه «أمن الطاقة».
خلي بالك من «إيرو» !
خلي بالك من «إيرو» (Irro) -عبدالرحمن محمد عبدالله، فهذا الرئيس الذي لا دولة له إلا في خياله وفي سجلات نتنياهو، عانى 35 عاماً من التسوّل للعالم حتى وجد من يراه: «إسرائيل»، «الدولة» الوحيدة التي «رغبت في رؤيته» كما اعترف بفخرٍ وهو يفتتح سفارته في القدس المحتلة؛ فمن لا يملك كرامةً يبيع أرضه لمن يُقدّم له اعترافاً مصفّحاً بالخزي. وهكذا عرض «إيرو» -بعد أقل من عام على «روح إبراهيم» النتنياهوية- قواعده في بربرة على أمريكا و«إسرائيل»، لا ليكون «شريكاً مسؤولاً في الأمن» كما يزعم، بل ليكون جندياً مجانياً في حرب الآخرين. مطار بربرة يتوسّع -كما كشفت صور الأقمار الصناعية- استعداداً لاستقبال الطائرات «الإسرائيلية» والأمريكية، والميناء الذي بنته «موانئ دبي» بـ442 مليون دولار يتحوّل إلى ثكنة عسكرية تُطلّ على اليمن من مسافة 160 كيلومتراً، ليراقب «الحوثيين»-كما يقول محللٌ بريطاني- ويُعطّلهم؛ فهل يظن هذا «إيرو» أن بيع سواحله للمحتل سيمنحه «الشرعية»؟!
إنه يمنح المنطقة حرباً جديدة؛ يريد أن يكون جيبوتي الثانية، ليجني 125 مليون دولار من رسوم القواعد؛ لكنه سيكون -في الحقيقة- هدفاً أولَ؛ فمن يُقحم بلاده في معادلة البحر الأحمر الملتهب، ويُحوّل بربرة إلى عينٍ «إسرائيلية» على مضيق باب المندب، لا ينتظر اعترافاً، بل صواريخ تُذكّره بأن الأرض التي تُباع للمحتل لا تُثمر اللوز والجوز... خلي بالك من إيرو، فهو ليس رئيساً، بل بائعٌ متجولٌ يعرض أرض الصومال في سوق النخاسة الصهيونية، ويعتقد أن شماغ «إبراهيم» الذي يُغطّي وجهه سيحميه من غضب اليمنيين والتاريخ.
انهزموا أيها «الفُرس المعاتيه».. «بليـــــز»!
سكوت بيسنت، وزير خزانة ترامب، يخرج علينا بطلبٍ «عسكري» عميق: ألقوا أسلحتكم أيها الجنود الإيرانيون، وانقلبوا على نظامكم؛ فكيف لجنودٍ بلا سلاح أن يُطيحوا بنظامٍ مسلح؟! سؤالٌ بريءٌ يُطرح على أحمقٍ لا يدرك أنه يعترف -دون استحياء- بأن أمريكا انتقلت من «الاستسلام غير المشروط» إلى «محو الحضارة الإيرانية» إلى «هرمز أرض أمريكية»، وها هي اليوم تتوسّل إلى الجيش الإيراني: بليز، اقمعوا نظامكم نيابةً عنا! هذه هي الهزيمة يا ترامب، وهذا التوسل يُثبت أن خياراتكم نفدت أمام ذكاء ظهران الاستراتيجي. ستة أشهر من القصف والاغتيالات والحصار، ولم يسقط النظام، ولم يُفتح هرمز على شروطكم، فماذا فعلتم؟! أعلنتم «أقسى عقوبات في التاريخ»، كأن من يفوز بالحرب يحتاج -بعد انتهائها- إلى خنق خصمه اقتصادياً ليأخذ ما رفض منحه تحت النار. العقوبات ليست انتصاراً، بل إقرارٌ بالعجز، وامتدادٌ للحرب بوسيلةٍ أخرى، واستكمالٌ لما عجزت القوة العسكرية عن تحقيقه. فبيسنت يعترف صراحةً بأن الهدف هو «إسقاط النظام»، أي أن العقوبات ليست تدبيراً قانونياً، بل إكراهٌ اقتصاديٌّ يطاول مجتمعاً بأكمله. فأين القانون الدولي؟! لا يوجد، فالأمر التنفيذي الأمريكي (13224) ليس قراراً لمجلس الأمن، بل قانونٌ داخليٌّ تفرضونه على العالم كله، وتُهدّدون فيه كل مصرفٍ ومطارٍ ودولةٍ تقدّم «شريان حياة» لإيران.
أنتم لا تملكون الانتصار، بل تملكون القدرة على العقاب: تقتلون قائداً، تدمّرون منزلاً، تُفقّرون عائلة، تجمّدون حساباً... لكنكم -رغم كل هذا- عاجزون عن فرض إرادتكم السياسية. هذه ليست سياسة قوةٍ واثقة، بل سياسة عصابات يملكون وسائل هائلة للتدمير ولا يملكون طريقاً للنصر، فيتوسّلون -بليز- إلى جنودٍ يُريدونهم بلا سلاح ليفعلوا ما عجزوا عنه هم بكل سلاحهم.
من سيدفـــــع ثمــــن «الإمبريماتـــــــورا»؟!
مما قرأت لك في هذا الأسبوع:
«بيل جيتس»، مؤسس مايكروسوفت، يُجري حواراً مع «نيويورك تايمز» (26 آب/ أغسطس 2026) يعترف فيه بأن الذكاء الاصطناعي «مختلف تماماً» عن كل ثورة صناعية سابقة، وأن البطالة الواسعة ستصبح «حتمية» إذا لم تتدخل الحكومات. ويقترح «ضريبة الرموز» (ضريبة على الوحدات الحوسبية التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي لجعل استبدال العامل بالآلة أكثر كلفة) و«وظائف محجوزة للبشر» (مهن تحظر قانونياً على الآلات كأعمال الرعاية التي تعتمد على التواصل والثقة). ويصف شركات التكنولوجيا بأنها تمضي «بأقصى سرعة» نحو «التريليون المقبل» بينما يكتم قادتها مخاوفهم خشية الإضرار بالأسهم. ويسخر من «التنظيم الذاتي» بقوله: «تنظيم ذاتي لأخطر أداة اخترعت؟! لا، شكراً».
يعترف بأنه «رسول معيب» (مايكروسوفت الاحتكارية وإبستين والطلاق)؛ لكنه يراهن على تحذيره «بكل ما يعرفه»، كأن الرأسمالية ستتوقف لأن صاحبها كتب مقالاً من ستة آلاف كلمة.
يعيد «ميشال نوفل» في «180» (24/08/2026) «ماكيندر» و«سبايكمان» من القبر ليُوضح أن إيران -في «الريملاند» (حزام الحافة الساحلي وشبه الساحلي المحيط بقلب أوراسيا، مفهوم طوره الجيوبوليتيكي نيكولاس سبايكمان) لا «الهارتلاند» (القلب القاري المحمي نسبياً من القوة البحرية داخل أوراسيا، مفهوم هالفورد ماكيندر)- تملك مفاتيح الممرات بالصواريخ والألغام والمسيّرات ضمن استراتيجية «منع الوصول/حرمان المنطقة» (قدرات عسكرية تهدف إلى منع الخصم من دخول مسرح عمليات معين أو تقييد حركته فيه)، بينما أمريكا تخترق عمقها بالأقمار والذكاء الاصطناعي؛ فالجغرافيا لم تمت، بل تغيّرت أدواتها من السكك الحديدية إلى الكابلات البحرية، ومن الجيوش إلى البيانات، وإيران تتحول من «دولة محاصرة» إلى «عقدة وصل» بين الصين وروسيا والعمق الأوراسي.
يستعير «عبد الحليم حمود» في «180» أيضاً (26/08/2026) من الرسم مصطلح «الإمبريماتورا» (الطبقة اللونية الأولى الرقيقة التي يضعها الرسام على أرضية اللوحة قبل الرسم، لتمنح السطح نبرته الأساسية)، ليقول إن الحرب الحالية ليست معركةً بل «مادة تأسيسية» لـ«الشرق الأوسط الجديد»، وأن الزمن هنا «جزء من الفعل التأسيسي» لا من الانتظار، وأن التسوية المقبلة لن تكون نهايةً، بل «تتويجاً لنسب القوة» التي صنعتها الحرب؛ فالسؤال ليس: من انتصر؟ بل: «أي أرضية ستتركها الحرب للجميع؟».
جيتس يخاف من الآلة التي باعها للعالم. ونوفل يُعيد اكتشاف جغرافيا نسيتها. وحمود يرى أن الحرب ترسم الطبقة الأولى قبل أن تُرسم التفاصيل. والثلاثة -رغم اختلافهم- يتفقون على شيءٍ واحد: العالم القديم ينهار، والجديد يُبنى على أنقاضه؛ لكن لا أحد يعرف -بعد- من سيدفع ثمن «الإمبريماتورا».
جورنال اليوم
في «كشك» الأسبوع: العدوّ يُقرّ بما أنكره عقوداً،ويُسجّل بأقلام محلليه هزيمته قبل أن تُعلنها حكوماته.
* (The Economist) «لندن»
في تقرير بعنوان (How the Houthis became Iran»s most dangerous allies) «كيف أصبح الحوثيون أخطر حلفاء إيران؟»، تُقرّ المجلة البريطانية -رغماً عنها- بأن أنصار الله لم يعودوا «متمردين» في جبال صعدة، بل قوةٌ بحريةٌ تُغلق باب المندب بقرارٍ يمنيٍّ خالص، وتُسقط طائرات «ريبر» الأمريكية، وتبني ترسانتها من مكوناتٍ محليةٍ تهرّبها شبكاتها عبر القرن الأفريقي. تُسمّيهم «أخطر حلفاء إيران»؛ لكنها تُقرّ بأنهم «جريئون» إلى درجة أنهم «أسقطوا سبع طائرات أمريكية». وتخلص إلى أن «اليمن مقبرة الغزاة». فشكراً للاعتراف، والمقبرة جاهزة لمن يأتي بالبندقية.
* (The New York Times)
في مقال لباحث «راند» «ألكسندر ستارك» بعنوان (The Houthis are allies of Iran, not its proxies) «الحوثيون حلفاء لإيران وليسوا تابعين لها»، يخرج المحلل الأمريكي -بعد عشر سنوات من «وكالة إيران»-ليقول إن أنصار الله «ليسوا مجرد وكلاء»، بل طرفٌ «براغماتي وخطير» يتخذ قراراته بناءً على «مصالحه الخاصة». يحذر من أن إغلاق هرمز مع باب المندب سيخلق «أزمة أكبر»، وأن أي اتفاق مع إيران «لن يُلزم الحوثيين». يعني: أمريكا تُفاوض طهران وتُدرك أن صنعاء ليست تابعة لها، فمن يُفاوض صنعاء؟
* (Foreign Affairs)
في مقال لـ«مارك لينش» بعنوان (America»s Suez Moment) «لحظة السويس الأمريكية»، يعترف أستاذ جورج واشنطن بأن الحرب على إيران «وجهت ضربة قاصمة» للنظام الإقليمي الأمريكي، وأن حلفاء واشنطن «فقدوا ثقتهم» وسيسعون لتعميق العلاقات مع الصين وروسيا وإيران. يُشبّه اللحظة بـ1956 حين تلاشت الإمبراطوريتان الأوروبيتان بريطانيا وفرنسا. جميل؛ المحلل الأمريكي يُعيد صياغة سقوط نفوذه باسم «لحظة تاريخية»، كأن الهزيمة تُحتفل بها إذا وُسمت بالتاريخ!
* (The Atlantic)
في مقال لـ«روبرت كاغان»(زوج فيكتوريا نولاند، المحافظ الجديد المُحترق) بعنوان (Iran Unbound) «إيران بلا قيود»، يأتي الاعتراف الأكثر مرارة: «إيران ستكون القوة المهيمنة في المنطقة مستقبلاً»، وأن الحرب «منحت إيران هذا النوع من القوة»، وأن سيطرة طهران على هرمز «أكثر فائدة من السلاح النووي». يُقرّ كاغان بأن ترامب «تراجع» بعد تهديداته، وأن المخزون الأمريكي من الذخائر «انخفض إلى مستويات خطرة»، وأن حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا «يتساءلون» عن قدرة واشنطن على الصمود.
* الصحافة الأمريكية والبريطانية هذا الأسبوع تتسابق على تشخيص «الموت البطيء» للهيمنة؛ لكنها -رغم ذكائها- ما زالت تُصرّ على لغة «الحلفاء» و«الوكلاء» و«القوة المهيمنة»، كأن المنطقة بحاجة إلى من يُهيمن عليها. الحقيقة التي تتجنبها (website) هي أبسط: المقاومة -في صنعاء وطهران وبيروت- لم تصنع «قوة» جديدة فحسب، بل كشفت أن القوة الأمريكية كانت أوهن من بيت العنكبوت.
رهانات بشار.. هل تنجح أكثر؟!
بعد سبعة وأربعين عاماً على إدراجها في قائمة «الدول الراعية للإرهاب» -ليس لأنها قتلت مدنيين، بل لأنها دعمت المقاومة الفلسطينية ورفضت التطبيع مع العدو— شطبت أمريكا سورية من القائمة؛ لكنها لم تشطبها لأنها أصبحت «حضارة»، بل لأنها أصبحت «مطيعة»: سلّمت بقايا جنود «إسرائيليين» لـ«الموساد»، وفكّكت مكاتب حماس والجهاد، وسلّمت السلاح الكيميائي والبراميل النووية، وفتحت قبور اليهود للترميم، وسمحت لوزير حرب العدو بأن يتجوّل في ثلاث محافظات سورية دون «تأشيرة» -امنعوا الضحك رجاءً- ويصل إلى أقل من 14 كيلومتراً من القصر الجمهوري في دمشق، بينما 25 قاعدة عسكرية «إسرائيلية» تنتشر على أرضها من درعا إلى القنيطرة... وفي اليوم نفسه —مصادفةً طبعاً- شطبت الخزانة الأمريكية «جبهة النصرة» (هيئة تحرير الشام) من قوائم «الإرهاب»، فصار الإرهابيون «مناضلين» بين عشية وضحاها.
وهنا يتذكر المرء «بشار الجعفري» في مجلس الأمن: في 28 أيار/ مايو 2015 راهن على أن العالم سيرفع «النصرة» من قوائم الإرهاب ويسميها «إرهاباً معتدلاً يمكن تبييضه»، وفي 5 كانون الأول/ ديسمبر 2016 راهن على أنهم سيرشحون «جون البريطاني» و»عبد الله المحيسني السعودي» و»أبو جعفر الحلبي» لجائزة نوبل للسلام. واليوم -بعد عشر سنوات- تبدو رهانات الجعفري أدقّ من تنبؤات كل «العمياء اليوغسلافية»؛ فـ»النصرة» صارت «حكومة انتقالية»، والمحيسني صار مفتياً للموت بالمشنقة بعد أن كان مفتياً للقتل بالسيف، وسورية صارت «دولة غير راعية للإرهاب» رغم أنها تحتضن قواعد العدو الصهيوني. أما وزارة الخارجية السورية الجديدة فقد «فوجئت» بتجول وزير الحرب «الإسرائيلي» في أرضها، وأعلنت أنها «تدين بشدة» —بعلامات التعجب العشر؛ كأن التعجب يُغني عن الصواريخ!
إذن، هل نجحت رهانات بشار؟ نعم، نجحت أكثر مما توقع؛ لكن الثمن دُفع من دم الشهداء وكرامة الجولان. فالإرهاب لم يُشطب من سورية، بل نُقل إلى دمشق بزي عسكري «إسرائيلي». والنظام العالمي لم يتغيّر، بل تبيّن فقط أن «الإرهاب» كان دائماً اسماً للمقاومة، و«السلام» اسماً للاستسلام.










المصدر «لا» 21 السياسي