دمشق - خاص / لا ميديا -
زيارة مفاجئة، واهتمام غير عادي، وتفاصيل مهمة، كانت أبرز سمات زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لدمشق.
فالتباعد بين دمشق وبغداد كان السمة الأساسية لعلاقاتهما، منذ استقلال سورية عن فرنسا، والعراق عن بريطانيا، والتقارب اليوم يتم لحاجة مشتركة، وبرغبة وضوء أخضر أمريكيين، رغم أن البلدين كانا تاريخياً من ضمن المنظومة المعادية للسياسات الأمريكية، وأصبحا اليوم تحت الجناح الأمريكي، رغم ما تثيره هذه العلاقة من حساسيات لدول وقوى عديدة.
كان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد جمع الطرفين في نيويورك مع زعماء دول الخليج، على هامش فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتم الاتفاق هناك على إعادة تشغيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط العراقي، لتأتي هذه الزيارة فتستكمل بحث الموضوع والانتقال به إلى حيز التنفيذ، للوصول إلى تصدير مليوني برميل نفط يومياً عبر هذا الخط، في التفاف على أزمة مضيق هرمز.
كما تضمنت محادثات الزيارة تطوير التجارة والنقل والزراعة والاستثمار، والتحضير لمؤتمر اقتصادي عراقي - سوري مشترك، وتطوير الممرات التجارية التي تربط العراق بسورية وتركيا والسعودية وميناء الفاو الكبير.
وفي الملف الأمني، كان التركيز على ضبط الحدود المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.
البارز في الزيارة، أنها جاءت وسط حرائق متأججة في المنطقة، من العدوان الأمريكي - «الإسرائيلي» على إيران، إلى العدوان السعودي علي اليمن، مروراً بفلسطين المحتلة، لبنان، الأردن، وحتى في الجوار الجغرافي للمنطقة، في أذربيجان وباكستان والخلاف التركي اليوناني، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية.
كما جاءت الزيارة مترافقة مع التوتر السوري - الأردني على خلفية حادثة الهجوم على الكنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، والتي اتهم بها متطرفون متواجدون في سورية، وقصف الطائرات الأردنية مواقع في جنوب سورية، بداعي ضرب عناصر مرتبطة بالحادثة، والتناقض في الأقوال، الذي رافق ذلك، بين عمان التي قالت إنها نفذت العملية بالتنسيق مع السلطات في دمشق، ونفي السلطة السورية ذلك. 
الأجواء التي سبقت الزيارة، وأعدت لها وتفاصيلها، لم تكن أقل أهمية من الزيارة نفسها، إذ تم الإعداد وتهيئة الأجواء، بلقاء أجرته قناة «دجلة» العراقية مع رئيس السلطة السورية «أحمد الشرع» (أبو محمد الجولاني) خُصص جانب كبير منه للفترة التي قضاها في العراق كـ»مجاهد» مع بداية الاحتلال الأمريكي، عندما كان في تنظيم «القاعدة»، قبل انفصاله عنه وتأسيسه «جبهة النصرة»، ثم «هيئة تحرير الشام»، التي قادت التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق بقرار إقليمي ودولي.
حاول الجولاني تأكيد أنه خلال فترة تواجده في العراق لم يستهدف أي عراقي، وإنما استهدف فقط الاحتلال الأمريكي.
كما أثيرت نقطة هامة، وهي زيارة العراقيين لمقام السيدة زينب في دمشق، والتي توقفت مع وصول الجولاني وحركته إلى السلطة، وتأكيده أن الباب مفتوح لاستئناف زيارة المقام، وأن التحفظ كان على الطقوس التي يؤديها الشيعة خلال الزيارات وفي المناسبات الدينية.
وفي لفتة خاصة من الجولاني، خرق البروتوكول الرسمي، بذهابه بنفسه إلى المطار لاستقبال الزيدي، وصعوده إلى منتصف سلم الطائرة لمصافحته.
وخلال الزيارة، زار الزبيدي مقام السيدة زينب، والجامع الأموي، وصلى في المكانين، وتبرع بمبلغ عشرة ملايين دولار للمكانين مناصفة، مع الإشارة إلى أن الجامع الأموي له اعتبار خاص عند أتباع الشيعة، فهو المكان الذي وضع فيه رأس الحسين عليه السلام عندما جاؤوا به إلى دمشق، ومكان وقوف السبايا، ومشهد الإمام زين العابدين (السجاد)، وهو الموضع الذي سُجنت ووقفت فيه نساء وأطفال أهل البيت (سبايا كربلاء) أمام يزيد بن معاوية، واشتهر فيه خطبة الإمام علي بن الحسين، التي كشفت مظلوميتهم.
كما يحتوي الجامع تاريخياً على مشاهد (مواضع) مخصصة لرموز إسلامية، من بينها مشهد منسوب للإمام الحسين عليه السلام...
هذه التفاصيل، تعكس رغبة دمشق وبغداد في التعامل مع الواقع الجديد في البلدين، بدلاً من بقاء علاقاتهما أسيرة خلافات المرحلة السابقة.
وإضافة إلى ذلك، كانت الزيارة مناسبة لتوجيه العديد من الرسائل والرموز إلى الداخل والخارج، خاصة من دمشق، أهمها محاولة نفي صفة التشدد الديني التي التصقت بالسلطة السورية، والتأكيد أنها منفتحة على الجميع رغم وجود معارضين لهذا الانفتاح في البلدين.
كما كانت فرصة لبغداد، أن تؤكد أنها مستعدة لفتح صفحة جديدة مع دمشق، تقوم على المصالح المتبادلة، وأمن الحدود، واحترام السيادة، وعدم السماح بتحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد للعراق. 
الزيارة لا يمكن فصلها عن الضوء الأخضر الأمريكي؛ فإدارة ترامب بأمسّ الحاجة لإيجاد بدائل لتصدير النفط خارج مضيق هرمز، والبديل الأفضل لهذه الخطوة هو تصدير النفط العراقي، ولاحقاً النفط والغاز الخليجيين، عبر الأراضي السورية، وصولاً إلى موانئها على الساحل، خاصة وأن الأنابيب موجودة منذ ستينيات القرن الماضي، وتحتاج فقط إلى أعمال صيانة، لتصبح جاهزة لتصدير مليوني برميل نفط يومياً، وهي حاجة وخطوة مهمة لكل الأطراف السورية والعراقية والأمريكية. 
كما تتمكن الولايات المتحدة، من خلال فرض نفوذها على البلدين، من قطع المشروع الصيني (الحزم والطريق) الذي ينتهي على الموانئ السورية، وتمرير خط الهند - الخليج - حيفا في فلسطين المحتلة، وهو ما يجعل البلدين يحتلان الأولوية للمشروع الأمريكي في المنطقة، لتتفوق بذلك على منطقة الخليج، وهو ما يجعل واشنطن تعتبرهما منطقة نفوذ حيوية لها، وتستبعد بذلك «إسرائيل» وتركيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا غيرها.
هذه التطورات والتفاصيل، والرعاية الأمريكية، تؤكد أن سورية والعراق دخلا في قلب مشروع ترامب والولايات المتحدة، وهناك قرار بالتهدئة والتنمية فيهما، بعد سنوات طويلة من الصراع والخلافات، والتي نتج عنها ملايين الضحايا، ووقف عمليات التهريب، وإغلاق طرقات وأماكن تواجد داعش في صحراء البلدين، حيث تمر أنابيب النفط والغاز الحالية، والمتوقع إنشاؤها، وهذا ليس حباً بشعبي البلدين، وإنما لأنه أصبح حاجة ملحة لواشنطن، ودول الغرب عموماً.
زيارة الزيدي لدمشق تؤكد أن صفحة جديدة فُتحت في العلاقة بين البلدين، لكن التساؤل: هل يستطيع البلدان تجاوز كل تراكمات الماضي، والتحديات التي تواجه هذه العلاقة؟
والجواب على هذا التساؤل، سيتضح في الفترة المقبلة.