المدرب الإيطالي ستيفانو كوزين لـ«لا الرياضي» :فلسطين بيتي الثانـي وتلقيـت عرضاً لتدريب منتخب اليمن
- تم النشر بواسطة طارق الأسلمي / لا ميديا
حوار وترجمة:طارق الأسلمي / لا ميديا -
وُلد المدرب الإيطالي ستيفانو كوزين في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1968 بمدينة مونتريال الكندية، ونشأ في فرنسا، قبل أن تقوده رحلته في كرة القدم إلى إيطاليا، حيث بدأ لاعباً في خط الوسط، وتنقل بين الملاعب الفرنسية والسويسرية وغيرها، قبل أن يتجه إلى عالم التدريب في سن مبكرة.
بدأ كوزين مسيرته التدريبية من الفئات العمرية في إيطاليا، ثم اتسعت آفاق تجربته مع انتقاله إلى أفريقيا، لتبدأ رحلة مهنية استثنائية عبر قارات وثقافات كروية مختلفة. وبين العمل مدرباً ومساعداً ومديراً فنياً، خاض تجارب متنوعة في أوروبا والعالم العربي وأفريقيا وآسيا، وتولى مسؤوليات في الأندية والاتحادات والمنتخبات الوطنية، مكتسباً خبرة في التعامل مع مدارس كروية متعددة وظروف تنافسية متفاوتة.
ومن التتويج بلقب الدوري الليبي، مروراً بتجارب خليجية وفلسطينية وإيرانية وإنجليزية، وصولاً إلى قيادة منتخبي جنوب السودان وجزر القمر، رسم كوزين مساراً تدريبياً لا تحدّه الجغرافيا ولا تحصره تجربة واحدة. وكانت محطته مع منتخب جزر القمر من أبرز فصول رحلته، بعدما قاده إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2025، ليؤكد حضوره مدرباً قادراً على خوض التحديات وبناء الفرق في بيئات مختلفة.
في هذا الحوار الذي أجره معه "لا الرياضي"، يتحدث كوزين عن أسرار العمل عبر ثقافات مختلفة وأبرز محطات مسيرته، وعن واقع كرة القدم العربية والعوامل التي تحول دون استثمار مواهبها بالشكل الأمثل. كما نتوقف عند الكرة اليمنية التي سبق أن واجه منتخبها. ويقدم ستيفانو قراءة لأزمة كرة القدم الإيطالية...
كابتن ستيفانو، أنت أحد المدربين الذين خاضوا تجارب متنوعة عبر قارات وثقافات كروية مختلفة. كيف تلخص هذه المسيرة؟
- كانت بدايتي التدريبية في إيطاليا، حيث عملت مع أريتسو ومونتيفاركي. كما خضت تجربة في مجال اكتشاف المواهب مع فيورنتينا. في العام 2003، انتقلتُ إلى الكاميرون، حيث عملت مع منتخب الشباب تحت 20 عاماً، ثم مع أكادا سبورتس، قبل أن أتولى منصب المدير الفني للاتحاد الكونغولي لكرة القدم عام 2007، وأشرفت على العمل الفني للمنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها العمرية. بعد ذلك، تنقلت بين تجارب تدريبية متنوعة، بدأت مع بوتيف بلوفديف البلغاري، ثم الاتحاد الليبي، قبل أن أعمل مساعداً للمدرب والتر زينغا في النصر السعودي والنصر والجزيرة الإماراتيين. كما توليت مسؤولية تدريب الفجيرة الإماراتي. وفي فلسطين، خضت تجربة مميزة مع أهلي الخليل، ثم عدت إلى النادي في تجربة أخرى. وعملت لاحقاً مع الشعب الإماراتي، وانضممت إلى الجهاز الفني لنادي وولفرهامبتون الإنجليزي. كما خضت تجارب أخرى في جنوب أفريقيا وقبرص وإيران، سواء في التدريب المباشر أو العمل ضمن الأجهزة الفنية. أما على مستوى المنتخبات الوطنية، فقد توليت تدريب منتخب جنوب السودان عام 2021، قبل أن أتولى قيادة منتخب جزر القمر.
كيف استطعت العمل في هذا العدد الكبير من البلدان؟
- الفضول والقدرة على التكيف، والاستعداد لمغادرة منطقة الراحة الخاصة بي. لقد عملت في 14 دولة عبر أربع قارات، ولم أصل إلى أي بلد وأنا أعتقد أن ثقافتي تتفوق على ثقافة الآخرين. في البداية، أحرص على الاستماع وفهم الناس والبيئة المحيطة، ثم أطرح أفكاري بوضوح وقناعة. كما أن التحدث بلغات مختلفة يساعد كثيراً؛ فالتواصل هو أساس العمل التدريبي.
بعد هذه الرحلة الطويلة التي امتدت عبر أوروبا والعالم العربي وأفريقيا، كيف تقيّم مسيرتك حتى الآن؟ وما التجربة التي تعتبرها الأكثر نجاحاً؟
- كانت رحلة استثنائية على الصعيدين المهني والشخصي. واتخذ النجاح أشكالاً مختلفة، سواء من خلال الفوز ببطولة مع الاتحاد الليبي، أو حصد أربعة ألقاب مع أهلي الخليل، أو المساهمة في تطوير المنتخبات الوطنية. وتبرز تجربة جزر القمر بالنظر إلى حجم التطور الذي تحقق خلالها. لقد بنينا منتخباً قادراً على الفوز أمام منافسين مثل غانا وتونس، ومنافستهم دون الشعور بعقدة النقص. بالنسبة لي، النجاح يعني أن تترك وراءك شيئاً أقوى مما كان عليه عندما توليت المسؤولية.
ما المحطة التي لم تنجح فيها كما أردت؟
- ليست كل تجربة تحقق النتائج التي نتوقعها. ففي بعض الأحيان، لا تتطور الظروف أو المشروع الرياضي كما كان مخططاً له. ومع ذلك، لا أؤمن بإلقاء اللوم على الآخرين أو التحدث بطريقة غير لائقة عن الجهات التي عملت معها سابقاً. مسؤوليتي هي مراجعة قراراتي وفهم ما كان بإمكاني القيام به بصورة أفضل.
ما البلد الذي فاجأك كروياً؟
- أظهرت لي جزر القمر حجم الإمكانات التي يمكن أن تتوافر بعيداً عن مساحة الدولة أو سمعتها على المستوى الدولي. كانت الموهبة موجودة، وكذلك الاعتزاز بالانتماء والطموح والشعور القوي بالهوية الوطنية. وقد عززت هذه التجربة قناعتي بأن المدرب يجب أن ينظر إلى ما هو أبعد من التصنيفات الدولية والميزانيات، حتى يتمكن من فهم ما يمكن أن يصل إليه المنتخب.
في بداية مسيرتك التدريبية، أمضيت سنوات مساعداً للمدرب والتر زينغا. كيف تصف طبيعة علاقتك به؟
- كان والتر شخصية مهمة في مسيرتي المهنية. عملنا معاً نحو ست سنوات في بلدان مختلفة، وعشنا ظروفاً صعبة وتقاسمنا المسؤوليات اليومية. قامت علاقتنا على الثقة والنقاش الصريح وتكامل الأدوار. وكان العمل إلى جانب مدرب يمتلك خبرته أمراً قيّماً بالنسبة لي... لكنه ساعدني أيضاً على بناء هويتي التدريبية الخاصة. فالمساعد يجب أن يقدم الأفكار والحلول، لا أن يوافق على كل شيء دون نقاش.
عملت في عدة بلدان عربية... أين وجدت البيئة الأكثر ملاءمة للعمل الفني؟
- قدمت لي البيئات المختلفة مزايا متعددة. ففي منطقة الخليج، وجدت بنية تحتية احترافية وإمكانات تنظيمية قوية. أما ليبيا فقد منحتني فرصة المنافسة على لقب الدوري والفوز به مع الاتحاد، بينما أضافت تجربتي في فلسطين بُعداً إنسانياً مؤثراً بصورة خاصة إلى عملي. بالنسبة لي، ليست البيئة الأفضل بالضرورة هي الأكثر ثراءً، بل تلك التي تتشارك فيها الإدارة والمدرب رؤية واضحة، ويحترم فيها كل طرف مسؤولياته.
حققت نجاحاً مع أهلي الخليل خلال فترة قصيرة نسبياً. ما سر ذلك؟ وما أصعب التحديات التي واجهتك في فلسطين؟
- لم تكن هناك وصفة سحرية. لقد عملنا على بناء هوية واضحة للفريق، ووضع معايير يومية صارمة، ومساعدة اللاعبين على الإيمان بإمكانية الفوز بالألقاب. وفي العام 2015، حققنا أربعة ألقاب خلال فترة قصيرة نسبياً. أما التحدي الأكبر، فكان الحفاظ على الاستمرارية والتركيز في ظل الظروف العامة الصعبة؛ إذ تحتاج إلى التنظيم؛ ولكنك تحتاج أيضاً إلى المرونة والتفهم. يجب أن يشعر اللاعبون بأنك تدرك واقعهم، مع استمرار مطالبتهم بتقديم أفضل ما لديهم.
هل هناك لحظة معينة من تجربتك في فلسطين داخل الملعب أو خارجه، لن تنساها أبداً؟
- كانت تجربة رائعة، لأننا فزنا بأربعة ألقاب وبنينا فريقاً منتصراً. فلسطين هي بيتي الثاني، وأنا أحب أهلها، فهم أناس رائعون. ما بقي في ذاكرتي هو أن كرة القدم هناك كانت تعني أكثر بكثير من مجرد نتيجة مباراة. فقد كانت قادرة على صناعة الفخر والأمل ومنح الناس لحظة مشتركة من السعادة. وهذا يمنح عمل المدرب عمقاً ومسؤولية مختلفين.
مع جزر القمر، كيف نجحت في بناء منتخب قادر على منافسة منتخبات تتفوق عليه في الإمكانات والخبرة؟
- بدأنا بتحديد نقاط القوة لدى اللاعبين، بدلاً من فرض أسلوب لعب لا يتناسب مع قدراتهم. وعملنا على بناء التنظيم التكتيكي، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وتعزيز الثقة. والأهم من ذلك، أننا رفضنا خوض المباريات بعقلية المنتخب الصغير الذي ينتظر الخسارة. فاحترام المنافس الأقوى لا يعني الخوف منه. كان اللاعبون بحاجة إلى خطة واقعية ومقنعة، وإلى الإيمان بأنهم قادرون على المنافسة عندما يعملون معاً.
بعد نهاية تجربتك مع منتخب جزر القمر، ما طبيعة المشروع الذي تبحث عنه في المرحلة المقبلة من مسيرتك؟
- أبحث عن مشروع طموح بأهداف واضحة، ومع أشخاص مستعدين للعمل بجدية، سواء كان ذلك مع نادٍ أو منتخب وطني. أستمتع ببناء هوية لعب واضحة، وتطوير اللاعبين، وترسيخ العقلية التنافسية. كما أنني مستعد لتحمل المسؤولية خلال موسم صعب. لا أحتاج إلى ظروف مثالية، لكنني أحتاج إلى الوضوح والثقة والالتزام الحقيقي بالمشروع.
دما الذي يجعل بعض المنتخبات الصغيرة تتفوق على منتخبات أكبر منها إمكانات؟
- الإمكانات وحدها لا تصنع فريقاً. فالتنظيم، والاختيار الذكي للاعبين، والاستمرارية، والالتزام الجماعي، كلها عوامل يمكن أن تقلص الفوارق الكبيرة. في كرة القدم الدولية، يكون وقت التحضير محدوداً، ولذلك يجب أن تكون أفكارك واضحة وسهلة الفهم والتطبيق. فالمنتخب المتماسك الذي يعرف لاعبوه ما المطلوب منهم بدقة، يستطيع التفوق على مجموعة أكثر موهبة لكنها تفتقر إلى التوجيه الواضح.
كيف تقيّم المستوى العام لكرة القدم في العالم العربي؟
- هناك قدر كبير من المواهب والشغف والطموح؛ لكن العالم العربي ليس بيئة كروية واحدة متشابهة؛ فالدول تختلف في إمكاناتها وهياكلها التنظيمية وتقاليدها الكروية. ويتمثل التحدي في تحويل الاستثمارات إلى تطور كروي مستدام. فالملاعب والمنشآت والصفقات الكبيرة مفيدة، لكن جودة تدريب الفئات السنية، وقوة المنافسات المحلية، والمسار الذي ينقل اللاعبين إلى كرة القدم الاحترافية على مستوى الفريق الأول، لا تقل أهمية عنها.
ما الحقيقة التي لا تحب الاتحادات أو المدربون سماعها بشأن تطوير كرة القدم العربية؟
- لا يمكنك المطالبة بتطوير طويل الأمد، بينما تتخذ جميع القرارات بناءً على نتيجة المباراة الأخيرة. قد يكون تغيير المدرب ضرورياً في بعض الأحيان؛ لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً لسياسة رياضية متماسكة وواضحة. في المقابل، يجب على المدربين قبول المساءلة؛ فالمشروع الرياضي ليس عذراً للتهرب من تحقيق تقدم يمكن قياسه. التطوير يحتاج إلى الاستمرارية والكفاءة والشجاعة في تقييم المنظومة كاملة.
ما مدى معرفتك بالكرة اليمنية؟ وهل سبق أن تابعت مباريات للمنتخب اليمني؟
- أعرف المنتخب اليمني؛ لأننا واجهناه في كأس العرب وتمكنا من الفوز عليه. وقد درست المنتخب بعناية قبل المباراة. إنه منتخب جيد يمتلك لاعبين موهوبين وروحاً قوية. لكنني أميّز بين المعرفة العامة وبين الفهم التفصيلي الذي يتطلبه تدريب منتخب وطني. فقبل إجراء تقييم فني جاد، سأحتاج إلى دراسة المباريات الكاملة الأخيرة، ومسابقة الدوري المحلي، ومجموعة اللاعبين المتاحين للاختيار. إن احترام أي بلد يبدأ بالقيام بهذا العمل على النحو الصحيح.
هل سبق أن تلقيت اتصالاً أو عرضاً من الاتحاد اليمني لكرة القدم لتدريب المنتخب الوطني؟
- قبل عدة سنوات، تواصل معي أحد الوكلاء وعرض عليّ تدريب منتخب اليمن؛ لكنني كنت مرتبطاً بعقد في ذلك الوقت، ولذلك لم نلتقِ.
إذا تلقيت عرضاً رسمياً لتدريب المنتخب اليمني، فهل ستكون منفتحاً على خوض هذه التجربة؟
- أولاً، أنا أعرف المدرب الحالي شخصياً، وقد التقيته في فلسطين، ولذلك لا أرغب في أن أتصرف بطريقة تنطوي على عدم احترام له. سأكون منفتحاً على مناقشة مشروع جاد. لقد عملت في بيئات مختلفة، بعضها كان صعباً، ولذلك لا أحكم على الفرصة من خلال تصنيف البلد أو سمعته فقط. سأحتاج إلى فهم الأهداف الرياضية، وظروف العمل، والترتيبات الأمنية، وقدرة الاتحاد على دعم البرنامج التدريبي. فالطموح يجب أن يقترن بخطة واقعية.
كيف تفسر غياب الكرة الإيطالية عن كأس العالم ثلاث نسخ متتالية رغم تاريخها المتوج بأربعة ألقاب؟ وأين يكمن الخلل الحقيقي؟
- لا يمكن لتاريخنا أن يحمينا من نقاط ضعفنا الحالية. فالغياب عن ثلاث نسخ متتالية من كأس العالم يستوجب مراجعة المنظومة، وليس مجرد البحث عن شخص واحد لإلقاء اللوم عليه. من وجهة نظري، يتمثل السؤال الأساسي في كيفية تطوير اللاعبين ومساعدتهم على الوصول إلى مستوى يؤهلهم للمنافسة مع المنتخب الأول. نحن بحاجة إلى منح اللاعبين الشباب مسؤوليات حقيقية، وتحسين الربط بين تطوير المواهب وكرة القدم على مستوى الفريق الأول، وتشجيع المبادرة، إلى جانب الانضباط التكتيكي. لا يمكننا أن نعيش على إنجازات الأجيال السابقة.
هل يعود تراجع كرة القدم الإيطالية على مستوى الأندية إلى نقص المواهب، أم إلى إخفاقات إدارية حالت دون مواكبة الدوري الإنجليزي والإسباني؟
- لا أظن من الصحيح اختزال المسألة في أحد هذين الخيارين. فما زالت إيطاليا تمتلك المواهب والخبرات التدريبية؛ لكن هذه المواهب تحتاج إلى هياكل فعالة تدعمها وتساعدها على التطور. إن إدارة الأندية، والبنية التحتية، والتطوير التجاري، والتخطيط الرياضي، جميعها تؤثر في القدرة على المنافسة. كما أن الفوارق المالية مهمة؛ لكنها تجعل اتخاذ القرارات الذكية أكثر أهمية. لا ينبغي لنا أن نحاول تقليد دوري آخر بصورة عمياء، بل علينا تحديث منظومتنا، مع الحفاظ على نقاط القوة التي تتميز بها كرة القدم الإيطالية.
ما البلد الذي تتمنى العودة إليه لخوض تجربة تدريبية جديدة؟
- تحظى إيطاليا بمكانة شخصية خاصة بالنسبة لي، وسأرحب بفرصة نقل خبرتي الدولية إلى مشروع جاد مع أحد أنديتها. كما تثير فرنسا اهتمامي بدرجة كبيرة، نظراً إلى معرفتي باللغة والثقافة، فضلاً عن جودة كرة القدم فيها. لكنني لن أحصر خياراتي في منطقة جغرافية معينة. العامل الحاسم هو العثور على نادٍ أو اتحاد تتوافق طموحاته مع طموحاتي، وأستطيع من خلاله إحداث فرق حقيقي.










المصدر طارق الأسلمي / لا ميديا