رئيس التحرير - صلاح الدكاك

أقمار التجسس الاصطناعية الأمريكية والأوروبية المصوَّبة على اليمن من الوفرة بحيث تعفي صُنَّاع القرار الغربي من مكابدة عناء التخمينات عن بعد؛ كما وعناء السفر لنقل صورة ميدانية مباشرة عن تفاصيل ما يدور في اليمن من أحداث..
عضو مجلس العموم البريطاني عن حزب المحافظين الحاكم (أندرو ميتشيل) يزور اليمن لبضعة أيام.. لماذا وبماذا وما دوافعه وما الحصيلة التي حملها في حقيبته لدى مغادرته اليمن؟!
لا معطيات ذات قيمة تخدم السؤال الآنف، بين كل التقارير والأخبار التي غطت مجريات لقائه المعلن مع رئيس المجلس السياسي الأعلى (صالح الصماد) أو لقائه في الكواليس مع رئيس المؤتمر الشعبي (علي عبدالله صالح)، علاوة على زيارته إلى محافظة (صعدة)، وربما لقائه المحتمل ـ وغير المؤكد ـ مع قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي!
فرضية أن صورة الأحداث ليست واضحة لدى صانع القرار الغربي ـ البريطاني تحديداً ـ والتي يفسر بها بعض المراقبين دوافع زيارة (أندرو ميتشيل) إلى اليمن، لا تنم عن خفة في التناول فحسب، بل توقع صك براءة مجانياً للنظام البريطاني عن تبعات ضلوعه في العدوان على اليمن..
إنه لمن الطريف الاعتقاد بأن (ميتشيل) قدِم ليتحقق من وشم ختوم صناعات بلده الحربية الناتئ على عنقوديات الإبادة الجماعية التي تمطر صعدة ومحافظات الجمهورية بلا انقطاع منذ عامين.
إن حالة الجزر الأمريكية في الشرق الأوسط على مستوى أكثر من ملف، زائداً المقاربة (الترامبية) ذات النظرة المنكفئة على الشأن الأمريكي الداخلي والمحيط الإقليمي القريب للولايات المتحدة، تمثل مناخاً مؤاتياً لمعاودة وبالأصح استعادة حالة المد البريطاني في المنطقة، في اعتقاد ساسة بريطانيا، وفي هذا السياق سجَّلت رئيسة الوزراء البريطاني تيريزا ماي، أول حالة تجديف علني في مياه الخليج بحضورها قمة مجلس التعاون الأخيرة كضيف فوق العادة..
وإذا كان (لأمريكا ترامب) ما يسوِّغ لها العودة إلى تخوم الدولة العظمى لتلافي تبعات مقامراتها الإمبراطورية على نواة وجودها، ودرء الخسائر المتراكمة الناجمة عن تلك المقامرات عبر كبح حالة التدهور عند مصالح الحد الأدنى، فإن بريطانيا لا تملك ما تخسره من محاولة التجديف الإمبراطوري الحالم هرباً من حقيقة المراوحة والضمور التي تعيشها كدولة عظمى، غير أن هذا التجديف لا يعني أنها تسعى حقيقة لأن تصبح إمبراطورية، قدر ما تطمح لمناكبة نفوذ تكتل (بريكس) الصيني الروسي الزاحف، على مستوى أكبر كم من ملفات الصراع وفي النطاق الجغرافي الحيوي للمنطقة..
منذ العام 1991م شرعت بريطانيا في التركيز بجدية على جنوب اليمن، ودشنت نشاطاً دبلوماسياً نسائمياً غير مثير للجلبة، هدفت من خلاله لكشط الهوية التحررية للجنوب تحت مسمى الاستثمار وعبر القروض والمنح، وهكذا عاودت الأسماء الاستعمارية العتيقة لبعض المرافق الخدمية والصحية الظهور من جديد على أنقاض أسماء رموز التحرير والاستقلال، فبات أكبر المشافي في عدن يسمى (مستشفى الملكة)، وانتصب تمثال (إليزابيث) في حديقة التواهي بعد إزاحة تمثال (لينين)، وعادت أبرز الصحف الموالية للاستعمار البريطاني (الأيام) إلى الواجهة بدعم شبه علني من سفارة وقنصلية (لندن)، وعقب حرب 1994، باتت اليمن مشرعة لسلاطين المنافي وتنامى نفوذهم العقاري والتجاري والسياسي على غرار (الفضلي) الذي آلت إليه مجدداً ملكية معظم مزارع أبين، وعلى رأسها مزرعتا (العلم ولينين) الشهيرتان، عدا نفوذه العقاري في عدن وحصة دسمة من التعيينات والدرجات الوظيفية الحكومية الموقوفة عليه حصراً يهبها من يشاء من مقربين أو يطرحها للبيع في المزاد..
أما بالنسبة لشمال اليمن، فقد اتسمت علاقة بريطانيا معه بالعداء منذ نشوء الدولة اليمنية الوطنية الحديثة التي انتزع الإمام يحيى حميد الدين استقلالها من ربقة الاحتلال العثماني بالكفاح المسلح بمنأى عن (ثورة لورانس العرب الكبرى) ذات التخطيط والرعاية البريطانيين، وضاعف عداء (لندن) لـ(صنعاء المتوكلية) انتهاج الإمام يحيى سياسة التشبث بوحدة جغرافيا اليمن الطبيعية شمالاً وجنوباً، وعدم مد اليد لتمكينها من النفوذ تحت أي مسمى علمي أو إنساني.
وثمة العديد من القرائن التي تؤكد ضلوع مخابرات الاحتلال البريطاني ـ في جنوب اليمن ـ في الانقلاب الإخواني الذي أفضى لاغتيال الإمام يحيى وسيطرة التنظيم الدولي للإخوان على مقاليد الحكم لمدة وجيزة تحت يافطة (ثورة دستورية) عام 1948م، وهو أمر عاقبت من خلاله بريطانيا نظام الإمامة الرافض للاعتراف باتفاقية التقسيم الموقعة بين الاحتلالين العثماني والبريطاني عام 1915، وهدفت لإيجاد نظام بديل يقر بها، كما يذهب المؤرخ والناقد محمد ناجي أحمد.
إلى ذلك، فإن اليد الطولى وراء سلخ (نجران، وجيزان) وقبلها (عسير) عن الخارطة الطبيعية لليمن، كانت يد بريطانيا ذاتها ولذات الأسباب..
دعونا من أحداث نصف القرن الفائت، وانظروا إلى العلاقة الحميمة التي تربط (لندن) بالحزب الاشتراكي اليوم، في حين يفترض أنه الامتداد الأكثر راديكالية للجبهة القومية المناهضة للإمبريالية والعدو اللدود لبريطانيا الذي أنهى احتلالها لجنوب اليمن بقوة السلاح والعمل الفدائي.
لقد تمكنت بريطانيا ـ بطبيعة الحال ـ من تجيير دفة هذا الحزب كلياً لصالح ربائبها من عملاء انغماسيين آلت إليهم الأمانة العامة، فأفرغوه من كل أدبياته التحررية ليملأوه بمفاهيم استعمارية مغلفة ببريق حداثي زائف، وانتهى الحال بأمينه العام سفيراً للاحتلال في عاصمة الاحتلال (لندن)، وعميلاً عالي الهمة في صفوف تحالف العدوان السعودي الأمريكي على اليمن.
في ضوء كل ذلك، يمكن الجزم بأن جنوب اليمن هو محور زيارة (أندرو ميتشيل) لليمن..
تعتقد بريطانيا أن موازين القوى القائمة حالياً على الأرض في اليمن غير مؤاتية أمام التحالف للحسم العسكري مع ثبوت كفاءة القيادة الثورية في إدارة المعركة، وعياً وأدوات وأفقاً استراتيجياً، وترى عوضاً عن ذلك أنها ـ أي موازين القوى ـ مؤاتية نسبياً للمقايضة فيما إذا استثمرت (لندن) الألم السعودي على الحد الجنوبي للمملكة كورقة تضمن بها نفوذها على جنوب اليمن عبر مقايضة يلزمها مصادقة القوى الوطنية الفاعلة في الشمال، لا سيما (أنصار الله والمؤتمر وحلفاءهما).
إن انسحاب الآلة العسكرية لتحالف العدوان من مسرح الصراع خلال تسوية قادمة، أياً كانت تنازلات القوى الوطنية فيها كبيرة وجائرة، سيفضي حتماً لغلبة هذه القوى على الأرض مقابل ضمور قوى العمالة للتحالف، وهذا يحتم ـ في نظر لندن ـ السعي لضمان خارطة توازنات مستقبلية تراعي مصالحها في الجنوب تحديداً، واليمن عموماً، ولا مناص أمامها من تودد القوى الفاعلة الوطنية في سبيل الحصول على موافقة مبدئية على مسودة ترسيم تماسات النفوذ المستقبلي.
الأرجح أن ثمة دوراً (عُمانياً) مؤازراً لبريطانيا في هذا التوجه من زاوية مخاوفه إزاء وضع جنوب اليمن مستقبلاً، وخشيته من (دعشنتها) وفق السيناريو الأمريكي في سوريا، وربما ـ أيضاً ـ دور إيراني لأسباب لسنا بصددها الآن.
إن رؤية (ترامب) القائمة على تقاسم الأعباء الدولية بدلاً عن نظرية الأمن القومي الأمريكي العالمي التي تضع أمريكا في الريادة من حيث الأعباء والمخاطر، تتيح لبريطانيا فسحة إنتاج مقاربة للمشهد اليمني تعفي الإدارة الأمريكية الجديدة من مغبة اقتفاء خطى سابقتها في الرهان على (داعش) ونظرية (الفوضى الخلاقة) ومفاهيم (الربيع العربي)، كما أنها تبقي على مصالحها في نطاق النفوذ (الأنجلوسكسوني)، بدلاً عن وقوع مسرح المصالح الأمريكية تحت طائلة (تكتل بريكس + إيران)..
ختاماً، لا ضير في أن تنفتح القوى الوطنية على مختلف العطاءات شرقاً وغرباً، أياً كانت، بما يتيح لها تمرير مقاربتها اليمنية الخالصة في نهاية المطاف، دون أن تقع في شرك التبعية لأي منها حصراً، بل استثمار تبايناتها لصالح الواقع الموضوعي والطموح اليمني في الاستقلال القائم على الانفتاح بمعيار ندية تبادل المصالح المشروعة.

أترك تعليقاً

التعليقات

عبد الغني محمود
  • الأثنين , 16 يـنـاير , 2017 الساعة 9:02:10 AM

قلم جميل كصاحبه

علي الكبسي
  • الأحد , 15 يـنـاير , 2017 الساعة 5:24:25 AM

سلام الله عليك تحار العقول في ابداعاتك

عبد الواحد علي
  • السبت , 14 يـنـاير , 2017 الساعة 9:43:57 AM

لله درك يا أستاذ صلاح

سليم المحيا
  • السبت , 14 يـنـاير , 2017 الساعة 8:39:02 AM

احسنت في تحليلك واسهبت في وصفك ولك من كل المحبة والاحترام يا استاذ صلاح

ابو احمد
  • السبت , 14 يـنـاير , 2017 الساعة 8:36:38 AM

مقال في قمة الروعة يا استاذ صلاح وتحليل رائع