رئيس التحرير - صلاح الدكاك

سيد الثورة يتجاوز مفهوم المحور إلى «الواحدية الإسلامية والإنسانية»
حدود مسرح القصاص ورجاله

صلاح الدكاك / #لا_ميديا -
بمنأى عن مفهوم التمحور المرحلي بين مجموعة قوى أو دول سياسياً وعسكرياً، ضمن الأمة الإسلامية، يؤسس سيد الثورة السيد القائد عبدالملك الحوثي، لمفهوم واحدية المجابهة، فحيث إن الأخطار والتهديدات التي تتعرض لها الأمة مجتمعة هي أخطار وتهديدات واحدة، فإن مواجهتها والتصدي لها ينبغي أن تكون واحدة دون تجزئة مكنت قوى الاستكبار من الانفراد بكل قطر على حدة وتقويضه وسط فرجة بقية الأقطار المكونة ظاهرياً لمفهوم الأمة ذات القواسم المشتركة والمصيرية.
لا يتحدث سيد الثورة عن واقعة اغتيال الشهيدين سليماني والمهندس ورفاقهما بوصفها سياقاً مقطوع الصلة بالسياقات الأخرى للصراع الكلي مع قوى الاستكبار والإمبريالية الكونية حتى وإن بدا واقع التمزق العربي والإسلامي شاهداً على هذه القطيعة.. جوهر المعضلة في رؤية سيد الثورة هو في هذه المشهدية العربية والإسلامية المضعضعة والمؤلفة من جزر معزولة يتصيدها أعداء الأمة تباعاً وبيسر لا يكلفه الكثير، إلى حد باتت معه هذه المشهدية طبيعية بفعل شيوع حالة الوهن والخنوع واللامسؤولية وفقدان روح الإرادة التي تنتظم قيم الإسلام المحمدي وتنهض بها في واقع الأمة كمشروع مائز بملامح نقيضة للنشاز السائد على تعدد وجوهه وواحدية نهوضه بالمصالح غير المشروعة لمركز الاستكبار الكوني المتمثل في أمريكا.
يقول سيد الثورة: «يهجم أئمة الاستكبار كافة على أمتنا ويراد لها أن تواجههم بالتجزئة»، وهذا وضع «رفضناه بدءاً ونؤكد رفضه، داعين مجدداً إلى توحيد صفوف الأمة ومواقفها وجهودها في مواجهة هذه الهجمة من قبل قوى الاستكبار».
إزاء ذلك يقرر السيد عبدالملك أن الرد على جريمة اغتيال سليماني والمهندس ورفاقهما هو مسؤولية كل حر وشريف في هذه الأمة، وهو واجب ديني يمليه علينا جميعاً إسلامنا المحمدي الصحيح، فالمستهدفون في هذه الجريمة هم استهدفوا لنهوضهم بهمِّ الأمة وذود الأخطار التي تتهددها في ظل قعود غالبية الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، بل وانخراط هذه الغالبية بالقول وبالفعل في صفوف الأعداء عبر إفراغ الإسلام المحمدي من مضامينه القيمية الخلاقة لصالح ملئه بقيم العدو وتسخير طاقة الأمة في خدمته، كما تفعل العصابات الإجرامية من قبيل «داعش والقاعدة» إذ تقاتل في كل معركة أمريكية ضد الشعوب والبلدان المناهضة للهيمنة الأمريكية، وكما تفعل السعودية والإمارات والمتحالفون معهما من المحسوبين على العرب والمسلمين، إذ تشن عدوانها على شعبنا وبلدنا بالإنابة عن الأطماع الصهيونية والأمريكية.
«منذ البدء كان العدوان على شعبنا أمريكياً، وليست السعودية سوى أداة فيه ومنفذ وممول له»، يعيد سيد الثورة التأكيد في معرض تظهير حقيقة أن العدو المركزي للأمة هو أمريكا التي تجسد اليوم ما تحدث عنه القرآن الكريم، ووصفه بـ»أئمة الاستكبار».
وبناءً على جلاء هذه الحقيقة، فإن أبرز مصاديق الجهاد في الإسلام المحمدي «هو مواجهة الهجمة الأمريكية والصهيونية»، يقرر سيد الثورة صائباً، فكل جهاد خارج هذا الفهم الذي لا تنقصه البراهين والشواهد المادية، هو جهاد في صف أعداء الأمة، وهكذا كان حال تلك الجماعات المحسوبة على الإسلام مع ما تسميه «جهاداً» من أفغانستان إلى سوريا فالعراق فلبنان فاليمن، حيث قاتلت ولاتزال تقاتل تحت راية باطلة ولواء استكبار خدمة لأمريكا والصهاينة، وبالضد لمصالح شعوب وبلدان أمتها.
مفهوم التمحور الذي يتجاوزه سيد الثورة إلى مفهوم واحدية المجابهة المفروضة على الأمة إزاء الأخطار التي تتهددها بالجملة، انطلاقاً من قيم الإسلام المحمدي، يغدو ـ أي مفهوم التمحور ـ سطحياً إزاء هذا العمق في مقاربة جوهر الصراع في حالة ثباته منذ بدء الخليقة، وتحول أدواته وأشكاله ومسمياته، فبهذا العمق ينتفي اللبس المهيمن على تعريف الأمة لأعدائها وأصدقائها في عصرنا الراهن، ولا يعود للإسلام القشوري غير المحمدي موقع التلبيس على الفهوم وتجيير طاقات الشعوب والبلدان باسم الإسلام لصالح عدو الإسلام الأول، وهذا هو مصدر التهديد الذي استشعرته أمريكا مبكراً في منعطف الثورة الإسلامية في إيران، وفي منعطف ظهور المسيرة القرآنية في اليمن، وحركات المقاومة في كل من لبنان والعراق، وجندت ـ دون جدوى ـ كلَّ الطاقات المملوكة لشعوب المنطقة في الهجمة عليه واستئصاله استباقاً قبل أن يزيح بنورانيته ظلام الأباطيل والفهوم والقيم السائدة والمنسوبة تضليلاً إلى الإسلام المحمدي.
في هذا السياق جرت عملية اغتيال سليماني والمهندس ورفاقهما كقامات فارقة على طريق النهوض بموجبات الإسلام المحمدي قولاً وعملاً في واقع الأمة، وبمنأى عن المقاصل والمفارز الجغرافية والعرقية والطائفية الناشبة في لحم الخارطة بمخالب استعمارية تنتظمها القاعدة البريطانية القديمة الحديثة «فرِّق تسد».. بفعل هذا التوجه القرآني المحمدي بات لحركات المقاومة في فلسطين يدها العسكرية الطائلة التي تقارع أعظم قوة عسكرية في المنطقة متمثلة في الكيان الصهيوني، وبفعله أيضاً أمكن للمقاومة في لبنان دحر الاحتلال الإسرائيلي عن التراب وإخراجه مذموماً عام 2000، وكسر عنجهيته وعدوانه في تموز/ يوليو 2006، ودحر الاحتلال الأمريكي عن العراق في 2011, واستنقاذ الوجود العراقي بطيف مكوناته من أشداق سواطير عصاباته الإجرامية المسماة «داعش» في 2014، كما أمكن لشعب اليمن الشريف والحر الإطاحة بأدوات الوصاية العتيقة وتسطير بطولات فارقة على تحالف عدوان أمريكي مؤلف من 18 دولة مباشرة وبغطاء كوني سابغ من النفاق والتواطؤ والانحياز لصف القتلة بمختلف أشكاله السياسية والاقتصادية والعسكرية والحقوقية والإعلامية.
كل هذه الهجمة الأمريكية الصهيونية ما كان للشعوب الحرة أن تجابهها بالتجزئة لولا معين الفهم القرآني الذي استرخص رجاله أرواحهم ونذروا له الجهد والوقت ودفعوا أثماناً باهظة على مذبح ترجمته بامتداد خارطة الأمة العربية والإسلامية وفي واقع صراعها مع أئمة استكبار هذا العصر: الأمريكان والصهاينة، واليوم فإنه لا غرابة أن يكون القصاص لدم سليماني والمهندس ورفاقهما عهداً عالقاً على كل ذمة حرة وشريفة، وأن يكون سقف هذا القصاص هو إنهاء الوجود الأمريكي العسكري في المنطقة سيراً على ذات الطريق الذي اختطه الشهداء وهدفت الولايات المتحدة الأمريكية عبثاً لوضع نهاية له بعمليتها البلطجية بحق أشرف الرجال من حملة لواء الإسلام المحمدي.
يقول سيد الثورة في هذا السياق من تظهير حقيقة الصراع وتجلية أطرافه لعيان الأمة: «ستواجه السعودية والإمارات تبعات سلبية باهظة ـ في ضوء المتغيرات الراهنة ـ إذا ما استمرتا في عدوانهما على شعبنا وبلدنا».
وبذلك فإنه يقرر تخوم مسرح القصاص العادل لدماء شهداء المقاومة، الذي هو هو ذاته مسرح القصاص لدم شهداء شعبنا المسفوك بالغارة الأولى للعدوان، مروراً بدم الرئيس الشهيد صالح الصماد، وليس انتهاءً بدماء مستضعفي تهامة ورازح ومنبه وشدا وغيرها من مناطق لاتزال طائرات العدوان ونيران مرتزقته تتخطف أرواح الأهالي فيها ظلماً وعدواناً.. وهو هو ذاته مسرح القصاص لكل ضحايا التجويع والتفقير والحصار والأوبئة والعملة المزورة التي تؤلف حزمة أسلحة ناعمة لايزال العدوان يقتل بها شعبنا على مرأى من العالم المنافق، في تمادٍ لن يستمر طويلاً دون كابح من الأيدي الطائلة لرجال الرجال في جيشنا ولجاننا وجوصاروخيتنا.
على دول العدوان المصنفة عربية وإسلامية ـ إذن ـ أن تضع نهاية لحالة التماهي في المشروع الصهيوأمريكي، وتستدير عائدة إلى خضم مصالح أمتها سريعاً، وإلا فإن العاقبة الحتمية ستكون زوالها بزوال أئمة الاستكبار الصهيوأمريكية وسرطاناتها الناشبة في لحم الخارطة العربية والإسلامية، فالقصاص مستمر قبل استشهاد سليماني والمهندس ورفاقهما، لكنه بات قصاصاً بالجملة ولن يعود كما كان بالتجزئة، وأصابع رجال الله لم تبرح على مكابس «بعيدات المدى» التي خبرت الإمبريالية مذاقها المر وفعلها الكارثي بممالك البترودولار الزجاجية.
إنه توجيه الله العلي القدير لا توجيهات إيران.. إذ يقول: «ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا».
وعملاً بالمبدأ المحمدي العلوي: «الناس صنفان: أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام.

أترك تعليقاً

التعليقات