تقرير / لا ميديا -
تؤكد الوقائع الميدانية، يوماً بعد يوم، أن العدو الصهيوني لم يخرج لحظة واحدة من منطق الحرب الشاملة ضد الشعب الفلسطيني، رغم ادعاءات «وقف إطلاق النار». فما يجري في غزة والضفة الغربية المحتلة ليس خروقات عابرة، بل سياسة ممنهجة لإدامة القتل، وتعميق الحصار، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة.
وزارة الصحة في قطاع غزة أعلنت، أمس، وصول شهيدين جديدين، أحدهما انتُشل من تحت الأنقاض، إضافة إلى 10 إصابات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. والأخطر أن عدداً غير معلوم من الضحايا لا يزال تحت الركام وفي الطرقات، في مشهد يختصر جوهر الجريمة: قصف ثم منع إنقاذ، ثم ترك الناس للموت البطيء.
ومنذ إعلان بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بلغ عدد الشهداء 424 شهيداً، والإصابات 1,199، إضافة إلى 685 جثماناً انتُشلت من تحت الأنقاض. أما الحصيلة التراكمية منذ بداية عدوان الإبادة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فقد ارتفعت إلى 71,391 شهيداً و171,279 إصابة. هذه الأرقام ليست «أضراراً جانبية»، بل دليل إدانة دامغ على إبادة مفتوحة.
وفي جريمة متكررة، وثّقت مشاهد مصورة قيام جرافات الاحتلال بهدم ما تبقى من منازل في مخيم جباليا شمال القطاع، في عملية محو ممنهجة للأحياء السكنية، فيما أطلقت زوارق الاحتلال نيرانها تجاه شاطئ خان يونس جنوباً، في استهداف للمدنيين ومصادر رزقهم. الرسالة «الإسرائيلية» واضحة: لا بيت، لا بحر، لا أمان.
وفي موازاة القصف والتدمير، يمارس العدو الصهيوني جريمة الحصار كسلاح جماعي. مكتب الإعلام الحكومي في غزة أكد أن الاحتلال لديه نية مبيتة بعدم فتح معبر رفح، ويتذرع بجثة آخر «إسرائيلي» لمواصلة الحصار وتأزيم الواقع الإنساني. أكثر من 22 ألف مريض وجريح يحتاجون إلى السفر للعلاج خارج القطاع، لكن العدو الصهيوني يقرر من يعيش ومن يُترك للنزيف. هذا ليس «إجراءً أمنياً»، بل جريمة إنسانية موصوفة.
ويشدد المسؤولون في غزة على أن فتح معبر رفح يجب أن يكون في اتجاهين، لا بوابة للتهجير القسري. إلا أن الاحتلال يواصل خرق البروتوكول الإنساني وبنود الاتفاق، رغم مرور 86 يوماً على دخوله حيز التنفيذ. مرة أخرى، «إسرائيل» كالعادة توقّع وتكذب، وتتعهد وتخون.

41 مصاباً بهجوم لقوات الاحتلال على جامعة بيرزيت
العدوان لا يتوقف عند حدود غزة. في الضفة الغربية المحتلة، اقتحمت قوات الاحتلال جامعة بيرزيت شمال رام الله، وأطلقت الرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز داخل الحرم الجامعي، أثناء فعالية تضامنية مع الأسرى. النتيجة: 41 إصابة، بينهم 9 بالرصاص الحي وشظاياه.
قوات العدو الصهيوني حاولت تبرير الجريمة بادعاءات «تجمع داعم للإرهاب»؛ لكنها في الواقع اقتحمت الجامعة قبيل عرض فيلم يوثق مأساة الطفلة هند رجب، في محاولة فجة لإسكات الرواية الفلسطينية. هذا ليس عملاً أمنياً، بل جرم صهيوني مباشر، وكسر لإرادة الشباب، ورسالة تهديد لكل من يرفع صوته.
شهادات الطلبة ترسم صورة أكثر قتامة: هلع، ركض، بكاء، دماء على الأرض، منع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المصابين، ومصادرة معدات النشاط الطلابي. طالبة من بيرزيت وصفت المشهد بأنه «مخيف جداً»، إذ أطلق الجنود النار حتى على من كانوا داخل المباني قرب النوافذ، في اجتياح عسكري بربري داخل مؤسسة تعليمية.
جامعة بيرزيت بدورها وصفت الاقتحام بـ»الهمجي»، وأكدت أن ممارسات الاحتلال تتنافى مع القانون الدولي الإنساني وتعرض حياة الطلبة والعاملين للخطر. وطالبت المجتمع الدولي بوضع حد لهذه الانتهاكات. لكن التجربة تقول إن النداءات غالباً ما تُقابل بالصمت، بينما تستمر «إسرائيل» في التصعيد ولا يخيفها إلا المقاومة المسلحة.
ومنذ بدء الإبادة في غزة، شهدت الضفة الغربية والقدس المحتلتان تصعيداً خطيراً من قوات الاحتلال والغاصبين، أسفر عنه استشهاد ما لا يقل عن 1105 فلسطينيين، وإصابة قرابة 11 ألفاً، واعتقال أكثر من 21 ألفاً. هذا يعني أن العدوان شامل جغرافياً ومتكامل أدواتياً: قتل في غزة، اقتحامات في الضفة، حصار في الجنوب، وقمع في الجامعات.
الخلاصة واضحة ولا تحتاج إلى مواربة: ما يجري ليس صراعاً، بل نظام عنف استعماري منظم، يستخدم القصف، الحصار، الهدم، والاقتحام، لإخضاع شعب كامل. «إسرائيل» لا تحارب «تنظيماً»، بل تحارب المجتمع الفلسطيني نفسه: بيته، مدرسته، جامعته، مريضه، عماله، صياديه...