تقارير تكشف آثار الحصار اليمني على الكيان«السفن لا تأتي».. كيف تحول ميناء «إيلات» من ركيزة استراتيجية للاحتلال إلى شاهد على انتصار صنعاء
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
كشفت تقارير عبرية حديثة عن واحدة من أخطر الضربات الاستراتيجية التي تلقاها كيان الاحتلال خلال السنوات الأخيرة، والمتمثلة في الشلل الكامل لميناء أم الرشراش «إيلات»، البوابة البحرية الجنوبية للاحتلال على البحر الأحمر، نتيجة الحصار البحري الذي فرضته صنعاء على الملاحة «الإسرائيلية» خلال معركة إسناد غزة.
التقارير التي أوردتها صحف وقنوات صهيونية بارزة، أمس، أكدت أن ميناء أم الرشراش يعيش اليوم أسوأ أزمة في تاريخه منذ تأسيسه، وسط اعترافات غير مسبوقة من مسؤولين «إسرائيليين» بأن الميناء «هُجر فعلياً»، وأن السفن «لا تأتي»، في مشهد اعتبرته تلك التقارير، «يجسد فشلاً أمنياً واقتصادياً عميقاً لتل أبيب، وانتصارا كبيراً لصنعاء».
ميناء بلا سفن وإيرادات صفرية
صحيفة «يديعوت أحرونوت» وصفت المشهد داخل الميناء بأنه أقرب إلى «وثائقي عن الخراب»، حيث تصل فرق العمل صباح كل يوم إلى أرصفة فارغة، في انتظار سفن لا تصل أبداً.
وعنونت الصحيفة تقريرها بـ(أرصفة الميناء خالية والسفن لا تصل: الوضع المزري لميناء إيلات)، مشيرة إلى أن «الميناء يعاني من أسوأ أزمة، بعد أكثر من عامين من هجمات الحوثيين البحرية التي أدت إلى إغلاقه التام».
ووفق الصحيفة، تراجعت إيرادات الميناء من نحو 240 مليون شيكل سنوياً قبل الحرب، إلى ما يقارب الصفر، مؤكدة بأن حركة الملاحة في الميناء توقفت بالكامل منذ 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، بعد أن احتجزت صنعاء سفينة «جلاكسي» التابعة لرجل أعمال صهيوني، والمتجهة إلى ميناء أم الرشراش، وأعلنت حصاراً بحرياً على «إسرائيل»، في رسالة وُصفت داخل فلسطين المحتلة بأنها نقطة التحول الحاسمة التي دفعت شركات الشحن الكبرى، وعلى رأسها ZIM وNYK، إلى التوقف عن إرسال السفن إلى الميناء.
انتصر الحوثيون
وفي تطور لافت، حمل تقرير لقناة i24NEWS عنواناً غير مسبوق في دلالاته: «السفن لا تأتي -لقد انتصر الحوثيون: الوضع الصعب في ميناء إيلات».
ونقلت القناة «الإسرائيلية» عن مسؤولين في الميناء اعترافهم الصريح بأن الحصار البحري الذي فرضته صنعاء نجح في شل أحد أهم الأصول الاستراتيجية للاحتلال. وقال راز زمير، أحد كبار مسؤولي الميناء: «الميناء مهجور، لا عمل، لا سفن، لا سيارات، لقد هزمنا الحوثيون». وأضاف: «في الماضي، كنا نعمل بجد، وكان من المستحيل الانتقال إلى هنا».
ويرى مراقبون بأن هذا الاعتراف يكتسب أهمية مضاعفة، كونه يأتي بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ورغم التزام صنعاء بإيقاف عملياتها المساندة لغزة فور توقف العدوان، وفق ما أعلنته مراراً. ومع ذلك، لم تدخل سفينة واحدة إلى الميناء حتى اللحظة، ما يعكس أن أثر المعركة تجاوز الجانب العسكري إلى تغيير عميق في سلوك شركات الشحن العالمية.
خطط الطوارئ انقلبت إلى عبء
تكشف التقارير العبرية أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الكيان الصهيوني كان، قبيل اندلاع الحرب، يراهن على ميناء أم الرشراش «إيلات» كـ»صمام أمان استراتيجي»، في حال تعرضت موانئ حيفا وأشدود لـ»تهديدات أمنية من الشمال».
وذكرت صحيفة «معاريف»، أن الميناء استثمر ملايين الشواكل في تجهيز مساحات تخزين إضافية، تحسباً لتحويل البضائع إليه، خصوصاً السيارات القادمة من الشرق، والتي كانت تشكل أكثر من 50٪ من واردات السيارات إلى الأراضي المحتلة، بما يقارب 150 ألف مركبة سنوياً.
إلا أن «التدخل الحوثي غير المتوقع»، كما وصفته «معاريف»، قلب هذه الخطط رأساً على عقب، وشلّ الميناء عملياً وحوله من ورقة استراتيجية إلى عبء اقتصادي وسياسي.
أزمة داخلية وآثار تتجاوز الميناء
الأزمة، وفقاً للتقارير العبرية، لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين إدارة الميناء وحكومة الاحتلال. فقد أعلنت وزارتا المالية والنقل نيتهما عدم تمديد امتياز تشغيل الميناء، بحجة عدم استيفائه الشروط، وهو ما ردت عليه إدارة الميناء بإعلان التوجه إلى معركة قانونية، واتهام حكومة نتنياهو بـ«الإهمال والتقاعس».
وقال آفي هورمارو، رئيس مجلس إدارة الميناء إن «تل أبيب هي المسؤولة عن ضمان بقاء البحر الأحمر مفتوحاً، لكنها فشلت».
وتشير التقارير العبرية إلى أن تداعيات إغلاق ميناء «إيلات» لا تقتصر على المدينة أو موظفي الميناء البالغ عددهم نحو 180 عاملاً، بل تمتد إلى عموم الاقتصاد الصهيوني. فقد أدى تحويل واردات السيارات والبضائع إلى موانئ حيفا وأشدود إلى ازدحام شديد، وتأخيرات، وارتفاع في تكاليف النقل والتخزين، وهي أعباء يتحملها المستوطنون.
وأوضحت أن اضطرار السفن إلى الإبحار حول أفريقيا بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر، أدى إلى إطالة زمن الشحن بنحو أسبوعين ورفع كلفة النقل البحري بشكل ملحوظ، في وقت تعاني فيه «إسرائيل» أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وعزز الإعلام العبري تلك التقارير بصور ميدانية أظهرت بوضوح خلو الميناء من أي سفينة أو نشاط تجاري.
وقال مراسل صحيفة معاريف: «في هذه الأثناء، أرصفة ميناء إيلات خالية، والرافعات معطلة، وقاطرة السحب خارج الخدمة، وشعرتُ أثناء تجوالي في المكان بشعورٍ بالهجر. المباني وصالة الركاب مهجورة، واللافتات التي ترحّب بالزوار إلى إسرائيل والمناظر الخلابة للشعاب المرجانية والأسماك أعادت إلى ذاكرتي حنينًا إلى أيام كانت فيها المدينة نابضة بالحياة».
صورة نصر مفقودة
الخلاصة التي تجمع عليها معظم التقارير العبرية هي أن «لا صورة نصر بدون فتح ميناء إيلات». هذا التعبير، الذي ورد حرفياً على لسان رئيس مجلس إدارة الميناء، يعكس، وفقاً لمراقبين، إدراكاً متزايداً داخل الاحتلال، بأن ما جرى في البحر الأحمر لم يكن حدثاً عادياً أو عابراً، بل تحولاً استراتيجياً فرضته صنعاء، وترك أثراً عميقاً على أمن الكيان الصهيوني واقتصاده.
وبين أرصفة خالية، ورافعات متوقفة، ومبانٍ مهجورة تتجول فيها القطط بدل العمال، يقف ميناء أم الرشراش، اليوم، شاهداً صامتاً على معركة بحرية أعادت رسم موازين القوة، ودفعت الإعلام العبري نفسه إلى الاعتراف بأن ما كان يُعد قبل عامين أمراً غير قابل للتصديق، بات اليوم حقيقة واضحة للعيان، «الميناء مشلول.. وصنعاء انتصرت».










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا