مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
حين كان الحزن يوحّدنا..
في لحظة الموت، كان الغياب يساوي بين الناس كما لا تساويهم الدنيا.
كانت الطوائف تخلع أسماءها عند باب الفقد، والمذاهب تنسى حِدَّتها أمام نعشٍ يذكّرهم بأن النهاية واحدة.
المسلم والمسيحي كانا يمشيان كتفًا إلى كتف، يرفعان الجسد المسجّى، وكأنهما يرفعان إنسانية مشتركة لا تعرف التصنيف.
وكان الصمت يقود خطواتهم كتراتيل من عمق الأرض.

الدفن.. طقس تتقاسمه القلوب
حين تُقرع الأجراس حزنًا، كان الحي بأكمله يخرج. تُغلق الأبواب، تتوقف الضحكات، وتؤجَّل الأفراح.
في تلك اللحظة، لا فرق بين فقيد وفقيد: الجميع ابن الحي.
وكانت الصلوات تتجاور لا تتنازع؛ آيات قرآنية تتعانق مع "أبانا الذي في السماوات"، لتنسج من الحزن وحدةً أشجى من كل وصايا.

العزاء.. فنجان قهوة ويد على الكتف
في بيت العزاء، لم يكن أحد يُسأل: "ما دينك؟".
فالعين المبللة بالدموع لها لغة أصدق من كل الأفكار.
فنجان قهوة مُرّة، وكف تُربّت على الكتف، وكلمة "الله يصبّركم" كانت كافية لتذيب كل المسافات.
وكان الصمت في تلك المجالس أكثر بلاغة من الكلام، لأنه كان ممتلئًا بالوفاء.

عندما كانت الطائفة 
تعني الجار لا المذهب
لم يكن أحد يُحصي عدد المسلمين الذين ودّعوا مسيحيًا، ولا عدد المسيحيين الذين شيّعوا جارًا مسلمًا.
فالجيرة كانت دينًا يوميًا، والخبز المشترك عقيدةً أعمق من التعصب، والموت كان "مناسبة عائلية" للحي كله.
كان الحزن يذيب الجدران، ويحوّل الأزقة إلى عائلة واحدة.

النساء.. قامات من الحنان
كنّ أول الحاضرين، وأولى الباكيات، وأول من يُعدون الطعام لأهل المتوفى.
كثيرات لم يعرفن الفقيد وجهًا لوجه، لكنهن يعرفن مرارة الغياب.
كانت النساء يتحدثن في العزاء بلهجة واحدة: لهجة الأمومة التي لا تُترجم، والحداد الذي لا يتجزأ.
وفي دموعهن، كان الحزن يتحول إلى طقسٍ من التضامن النبيل.

الأطفال.. شهود على إنسانية لا تُنسى
كانوا يراقبون الجنائز بعيون تتسع على معنى أكبر من أعمارهم.
لم يقل لهم أحد: "هذا ليس من ديننا"، بل ساروا خلف النعش بدافعٍ من حكاية الحزن، ومن ذكاء الطفولة التي تفهم بالفطرة أن الموت لا مذهب له، وأن الرحيل لغة مشتركة.
كانوا شهودًا صغارًا على إنسانية كبيرة.

خاتمة
في الزمن الجميل، كان الموت يجمع حيث فرّقت الحياة.
كانت الجنازة جسرًا من حزن نبيل بين الناس، لا جدارًا من الطوائف.
وكان الوداع الأخير لحظة صدق نادرة، تقول بالصمت ما لا يقوله الكلام: أننا جميعًا بشر، جميعًا راحلون، وأن اليد التي تمسك بالنعش اليوم.. قد تنتظر غدا من يمسك بها.

أترك تعليقاً

التعليقات