الخامنئي .. مهماز الثّورة ومهندس زمن الانتصارات
- علي عطروس الأثنين , 2 مـارس , 2026 الساعة 2:03:34 AM
- 0 تعليقات

علي عطروس / لا ميديا -
الفاتحة..
حين يصعد الزهد إلى مقام الشهادة
في صَباحٍ خَنَقَ الأَنفاسَ وأَرَّقَ التَّاريخ، لم يرحل الثمانينيُّ الأشمُّ في خندقٍ سِرِّيٍ أو خلف جدران «المنطقة الخضراء» الهشّة، بل تَرَجَّلَ آية الله العظمى السيد علي الخامنئي من قلب طهران، ومن بين أحضان شعبه، ليختم بالغدر الترامبي مسيرةً بدأت من غُرفةٍ مِتريّةٍ بسيطة وانتهت عند سِدرة الخلود.
رحلَ الجبل الذي لم تُلنْ عِظامَهُ الرواجف، والمُرشد الذي لم يبع كرامة الأمة بتريليونات النفط المنهوب. لقد كان «المرارة» التي استعصت على حُلوق المستكبرين، والوحيد الذي لم يكتفِ بثرثرة «القمم»، بل مَدَّ أبطالنا في غزة بالمدد والسلاح يومَ أوصد «الأقربون» أبوابهم، وآثروا سلامهم على شرف الأمة.
ملحمة الصدر العاري: ثماني دول ضد «روح»
أيُّ بَلاغةٍ عسكريةٍ تلك التي جعلت شيخاً نَحيلَ البدنِ يَقِفُ بصدرٍ عارٍ أمام أضخمِ تحالفٍ بَربَريٍ عرفه التاريخ؟! واجه القوة الغاشمة المتمثلة في 8 دول، وقوتين نوويتين، و400 طائرة من أحدث الطائرات، و20 قاعدة عسكرية... واجهها بسِلاحِ الموقف: رفض الخضوع، رفض التطبيع، والإيمان بأنَّ «فلسطين قضية الأمة الأولى».
كان بإمكانه -بجَرَّةِ قلمٍ- أن يفتحَ لبلاده خزائنَ الأرض؛ لكنه اختار المصير الطَّيب؛ ماتَ مُقبلاً غير مُدبر، مُحاطاً بدعوات الملايين الذين أدركوا اليوم أنَّ سقفَ بيتهم قد سقط؛ لكنَّ أعمدتهُ نبتت في الأرض صواريخ وإرادات لا تكسرها الغارات.
بيد واحدة هندس زوال «إسرائيل»
لم تكن علاقة الإمام بالمقاومة سياسيةً عابرة، بل كانت علاقة الروح بالجسد. من «قزل قلعة» وسجون الشاه، إلى قيادة الأمة بيدٍ يسرى، بعد أن فقدَ يُمْناه في محاولة اغتيال آثمة عام 1981، صاغ الخامنئي خارطة التحرير:
هندسة الردع: حوَّل «تل أبيب» إلى مجرد هدفٍ في مرمى الغضب بمُسَيَّراتٍ صُنِعت تحت وطأة أقسى حصار.
جسرُ الإمداد: نقل تكنولوجيا الصواريخ إلى قطاع غزة المحاصر في زمن المساومات الرخيصة.
بوصلة القدس: أنفق من دماء قادته ومال شعبه ليبقى صوت الأذان عالياً في الأقصى رغم أنف المحتل.
نبوءة الدم: غداً سيساق الرعاع بالكرباج!
هنا نوجه الخطاب إلى رعاع المنطقة، الذين استمرؤوا الذل حتى صار جِلداً ثانياً: استعدوا لغدٍ لا رحمة فيه. غداً، حين يغيبُ هذا الجدار، الذي كان يصدُّ عنكم غوائل الزمان بصدره العاري، سيسوقكم العدو الصهيوني بكرباجه كقطعانٍ لا تملك من أمرها رشداً، تجرُّ أذيال الخزي في ساحات التطبيع.
لقد ظنَّ القتلة في واشنطن و«تل أبيب» أنَّ تصفية الجسد هي نهاية الطريق، وما علموا أنهم حَرَّروا النهج من قيود الجغرافيا والزمن. فالدول التي تُعمَّد بدم قادتها لا تُهزم، بل تعيد صياغة خرائطها بمدادٍ من الدم العقائدي الذي لا يَبلى.
ما لم يقتله الرصاص
سقطَ الجسدُ الثمانيني؛ لكنَّ الروح التي بَثَّها في عروق المقاومة لا تموت. رحل الصنديد وترك لخصومه العار ليتدثروا به في ليل خذلانهم الطويل. نَمْ قرير العينِ يا «أبا العز»؛ فقد تركتَ خلفك أمةً تعرفُ أنَّ ثمن الكرامة دم، وأنَّ الفردوس لا يُفتحُ إلا لمَن مَاتَ قابضاً على جمرِ اليقين.
جبل في طهران.. وبركان في صنعاء
من صنعاءَ، التي لا تساوم، ومن يمنِ «الإيمان والحكمة»، نكتبُ اليوم بالبارودِ قبل الحِبْر. لقد ظنّ أحمقُ البيتِ الأبيض وغلمانه في «تل أبيب» أنهم باغتيالِ الإمامِ الخامنئي قد كسروا سقفَ العالمِ، وما علموا أنهم فجروا مخازنَ الأرواح التي لا تنفد.
إنّ رحيلَ هذا القائدِ الزاهد، الذي عاشَ في غرفةٍ متواضعة وهزَّ عروشَ القوى الكبرى، هو إعلانُ حربٍ شاملة. لقد كان السندَ الذي لم يخذلنا حين تآمر رعاعُ العرب، واليدَ البيضاء التي مَدّت صواريخنا باليقين. واليوم، انتهى زمنُ الاحتواء، وبدأ زمنُ الاجتثاث. وستعلمون -يا حُثالة التاريخ- أيَّ بابٍ من الجحيمِ قد فتحتُم على أنفسكم.
الخامنئي.. مهماز الثورة ومهندس زمن الانتصارات
النَّشْأَةُ في غُرْفَةِ اليَقِين: لم يأتِ من قصور النخبة المترفة، بل من بيتٍ صغير تعلّم فيه أنَّ العالم لا يحترم الضعفاء، وأنَّ السجادة التي يُصلي عليها هي ذاتها التي تُحاك فوقها خطط التحرير.
الضَّرِيبَةُ: يَدٌ شَاهِدَةٌ على الذَّبِيحَة؛ إذ فقد استخدام يده اليمنى في محاولة اغتيال عام 1981، فأصبحت يده المشلولة أيقونة؛ فبينما كان الحكام يوقعون اتفاقيات الخنوع، كان هو يوقع بيده اليسرى على صفقات السلاح للمقاومة.
عبقريَّةُ الخَلَف: راهن الغرب على تآكل الثورة، فباغتهم بالصبر الاستراتيجي، وحوّل المقاومة إلى نهج عابر للجغرافيا، مؤمناً بأنَّ حجارة غزة ستصبح يوماً صواريخ تكسر غطرسة الكيان.
اليمن في قلب الخامنئي: لم يكن حليفاً، بل شريك مصير. جهر بمظلومية شعبنا ووصف صمودنا بالمعجزة. كان يرى في أنصار الله الامتداد الطبيعي لروح الحسين، وكان السند المعنوي الذي كسر العزلة الدولية عن صنعاء.
الزُّهْدُ الَّذِي أَرْعَبَ «القَيَاصِرَة»: عباءته القديمة وغرفته البسيطة كانت السلاح الأخلاقي الذي هزم إمبراطوريات الإعلام. أثبت أنَّ القوة ليست في الأبراج، بل في الإرادة التي لا تُشترى بالمال.
رحل الخامنئي وقد زرع المنطقة بالمقاومين، ترك وراءه جيوشاً لا تعرف الهزيمة، وخرائط دمٍ واضحة المعالم تدل التائهين إلى طريق القدس.










المصدر علي عطروس
زيارة جميع مقالات: علي عطروس