مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الحدّاد.. حين كانت النار تشتعل بالحياة
في الزمن الجميل، كان الحدّاد هو الراعي الخفيّ لقوّة الناس.
ذاك الرجل الأسمر، الذي تلمع عضلاته في وهج الجمر، وتغمره غلالة من عرقٍ مختلط برائحة الحديد المحمّى.
كان لصوته حين يطرق السندان نغمة رجولية تعرفها الأحياء من بعيد، كأنها نبض الحياة ذاتها.
في كل طرقٍ منه وميضُ بطولةٍ قديمةٍ، واعترافٌ بأن الحديد لا يلين إلا لمن أحبّه وصبر عليه.

دكان الحدّاد..
مسرح النار والعزيمة
لم يكن دكانه مكاناً عادياً، بل ساحة للبطولة اليومية.
جدرانه سوداء من الدخان. سقفه يقطر شرراً. وأرضه تلمع كمرآةٍ داكنةٍ تعكس ألوان اللهب.
هناك يقف الحدّاد كقائد معركة. يرفع مطرقته في مواجهة المعدن الجامد، ويأمر النار أن تخضع له.
في كل شرارةٍ تتطاير، كان ثمة شيء من الكبرياء، وشيء من الفن.

المطرقة.. والشعر الحديدي
ما أكثر الشعراء الذين كتبوا بالحبر؛ لكن الحدّاد كتب قصيدته بالنار!
كل طرقةٍ كانت بيتاً من الشعر الصلب. وكل انحناءةٍ نحو السندان كانت سجدة شكرٍ لنعمة القوة.
كان صوته حين يغني -ليطرد التعب- فيملأ الحيّ ببهجة غريبة: صوت رجولةٍ لا تعرف التبرّم، تنساب من قلبٍ تعلم أن الجمال قد يولد من القسوة.

بين الفولاذ والقلب
كان الحدّاد يعرف أن الحديد يشبه البشر؛ قاسٍ في ظاهره، لكنه يلين بالحرارة.
ولذا كان يرفق بالمعدن كمن يحنو على طفلٍ جامح.
يضربه، نعم؛ لكنه لا يجرحه. يطرقه بشدّة؛ لكن بعينٍ يقظةٍ تعرف متى يتوقّف، كأن بينهما عهداً قديماً لا يُنقض.

حارس الأسرار
في الزمن الجميل، كان الحدّاد يعرف الجميع.
يصلح باب الجار، ويصنع بوابة المدرسة، ويحدّد منجل الفلّاح.
يدخل الناس دكانه بالثقة نفسها التي يدخلون بها بيتهم، فكل قطعةٍ ينجزها تحمل طابع أمانته.
ما أكثر ما كان يطرق الحديد، وفي ذهنه وجوه الناس الذين يخدمهم، وكأن كل ضربةٍ دعاء.

ضجيج بلا شرر
أمّا اليوم، فالنار تراجعت خلف الآلات.
لم يعد هناك لهبٌ يرقص في العيون، بل شرارة كهرباءٍ باهتة.
الحديد يُقطّع بالماكينات، لا بالمطارق. والعرق غاب تحت ضجيج المصانع.
تغيّر وجه المهنة كما تغيّر وجه المدينة، وصار الحدّاد عاملاً بلا ملامح، بعد أن كان بطلاً صغيراً في ذاكرة الناس.

رمزية النار.. ومعنى الإنسان
كانت النار عند الحدّاد رمزاً للتحوّل؛ تحرق لتصنع، وتؤلم لتجمّل.
وهكذا كانت حياة الناس من حوله: يكتوون بالصعاب ليصيروا أصلب.
ولعلّ سرّ الحدّاد أنه لم يكن يهاب النار، بل أحبّها لأنها تُعيد التوازن بين القسوة واللين، وبين الإنسان والمعدن.


فيض الجمر الأخير
كم من طفلٍ في الحيّ وقف مأخوذاً أمام دكان الحدّاد، يرقب الشرر كأنّه نجومٌ تسقط إلى الأرض.
ولعلّ هؤلاء الأطفال، حين كبروا، أدركوا أن ما رأوه لم يكن لهباً فحسب، بل دروساً في الشغف والإصرار.
فالنار لا تُطفئ الأحلام، بل تضيئها لمن يعرف كيف يتعامل معها.

خاتمة:
هكذا كان الحدّاد في الزمن الجميل: صديق الحديد، وأخاً للنار، ومعلّماً للصبر.
كان يعرف أن القوّة ليست في المطرقة، بل في اليد التي تمسكها بإيمانٍ وصدق.
وحين نسمع اليوم صوت آلةٍ تقطع الحديد، نتذكّر ذاك الإيقاع القديم الذي كان يطرق في القلوب قبل أن يطرق في السندان.
إيقاع الحياة نفسها، يوم كانت النار تُنير، لا تُحرق.
الحكاية القديمة التي تصنعها اليد لا القالب.
هنا نطلّ على زمانٍ كان فيه الطين يتنفّس، والماء يُغنّي بين أصابع الحرفيّ، والجرّة ليست وعاءً، بل كائناً من حنين.

أترك تعليقاً

التعليقات