«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 124
- مروان ناصح الأربعاء , 20 مـايـو , 2026 الساعة 12:29:21 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الحمصاني.. بائع الفول والحمص وناقل طقوس الحارات الشعبية
في زقاق ضيق، تحرسه شرفات متقشّفة تفيض بالحياة، يقف الحمصاني خلف طاولته الخشبية التي أكلت السنون أطرافها، لكنها ما تزال تشبه منصة صغيرة للبهجة اليومية.
هناك، حيث يمتزج بخار الفول مع رائحة الخبز الطازج والسمّاق، يتهادى المارّة نحو مطعمه البسيط.
لا لترفٍ ولا لمظاهر، بل لأن الرجل يحمل في قدوره ذاكرة حيّ كامل، ويقدّم أطباقه فيعيد للناس لحظات مكسوّة بالطمأنينة والنكهة الأصيلة.
بداية اليوم: ولادة القدور على مهل
قبل أن تفتح الشمس عينها، يكون الرجل قد أوقد ناره القديمة، ونقع الفول والحمص في ماءٍ بارد كصبره الطويل.
يمرر نظره على الحبوب كما يمرّ الفلّاح على بذرته الأولى؛ يعرف أن المذاق الحقيقي لا يأتي من التوابل وحدها، بل من الوقت الذي يمنحه لكل حبة لتلين، وتستعد لرحلتها إلى موائد الحارات.
الروائح التي تقود الخطى
مع أول ضوء، يبدأ بخار القدور في الارتفاع، كأن الحي يتنفس من جديد.
تنساب رائحة الفول المطهو ببطء، والحمص المسلوق بعناية فوق حجارة الزقاق، فتتحول إلى دعوة صامتة.
لا أحد يقاوم هذه الرائحة؛ الأطفال والنساء والعمّال.. جميعهم يصلون يحملون أوعيتهم المعدنية، يثقون أن كل إناء يخرج من يده يحمل جزءًا من روح المكان.
الطقوس اليومية: مقادير لا تخون
يرفع المغرفة الثقيلة، يسكب الزيت أو السمنة، يرش السماق أو الكمون، وكأنه يعقد هدنةً بين النكهات.
لا يستعجل.. ولا يترك خطوة للصدفة.
حركته المنتظمة تقول شيئًا واحدًا: هنا تُطبخ الذكريات قبل الطعام، وتُقدّم الطمأنينة قبل المذاق.
الزبائن وأحاديث الحارات
الذين يأكلون في مطعمه يجلسون على مقاعد خشبية واطئة، كأنهم يعودون إلى مقاعد طفولتهم.
الحديث يدور عن آخر خبر في الحارة، عن الغائب الذي عاد، وعن الصبي الذي نجح، وعن الجارة التي خبزت صينية كبة لوجه الله.
مطعمه ليس مطعمًا فقط.. إنه ديوان صغير تُصفّى فيه هموم اليوم على مهل، بينما تغوص الملعقة في طبق فول محمّل بالذكريات.
فلاش باك الذكريات: إرث الأب
وأثناء عمله، تتسرّب إلى ذاكرته صور قديمة: يد والده تمسك بالمغرفة نفسها، تعلمه كيف يختبر نضج الحمص، وكيف يوازن الملح، وكيف تضاف السمنة على الفتة في اللحظة المناسبة.
كان الطهي بالنسبة لوالده أخلاقًا قبل أن يكون صنعة، وصبرًا قبل أن يكون وصفة.. وها هو اليوم يعيد الدرس نفسه، كل صباح.
المواسم والاحتفالات: حين يصبح الطبق طقسًا
في رمضان، يكتظ الزقاق بالمارة، والأصوات تتعالى كالتراتيل.
الحمصاني يملأ الأوعية بسرعة، لكن دون أن يفرّط بلمسته الأخيرة: السماق الذي يشبه غبار الفرح، والزيت الذي يلمع مثل خيط ضوء على سطح الطبق.
الناس يبتسمون.. والروائح تعيد الحارة إلى زمن كانت فيه الموائد تجمع الجيران، قبل أن تجمع الطعام.
نهاية اليوم: إغلاق يشبه إطفاء مسرح صغير
مع المغيب، يطفئ النار، ويغسل قدوره كمن يغسل اليوم كله عن كتفيه.
يرتب الطاولة، يضع المغرفة في مكانها، ويتأكد أن كل شيء سيبدأ غدًا من جديد، بالروح ذاتها.
فالحيّ ينتظر، والوجوه تعرفه، والذاكرة تحتاج إلى من يوقظها كل صباح بقدور تغلي ومذاق لا يتغير.
الخاتمة.. صانع الطمأنينة في الحارات القديمة
الحمصاني ليس مجرد بائع طعام شعبي، بل هو حارس الطقوس الصغيرة في حياة الناس.
في كل طبق يقدمه، يعيش الزبائن جزءًا من تاريخهم، ويشمّون رائحة زمن لم يبتعد عنهم إلا قليلًا.
وهكذا يبقى هو، بطبق فول وابتسامة، شاهدًا على الزمن الجميل.. ذلك الزمن الذي كان بسيطًا، لكنه ظلّ عميقًا في الذاكرة مثل نكهة لا تُنسى.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح