مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الكتب الممنوعة.. من قرار الحظر إلى حفلة الإعدام
كان الزمن الجميل -كما نحب أن نسمّيه- زمناً يقرأ فيه الناس ما يُسمح به فحسب، ويكتب فيه الكُتّاب بالحبر الممزوج بالقلق. زمناً تُسترق فيه الكتب الممنوعة كما تُسترق القُبَل.

تهمة من ورق
في ذلك الزمن، لم يكن الكتاب يُقاس بجمال فكرته، بل بمقدار ما يربك الحاكم، ويقلق الواعظ، ويُثير الشبهة في رأس الرقيب.
كانت الأسئلة التي تُقرّر مصيره قصيرة كالرصاص: هل يقترب من السياسة؟
هل يلمّح إلى رمزٍ مقدّس؟
هل يكتب مؤلفه من خارج السرب؟
وما إن يُجاب واحد من هذه الأسئلة بـ"نعم"، حتى يُسحب الكتاب من الضوء إلى الظل، ويُختم عليه بالحبر الأحمر كأنه ارتكب خطيئة النطق!

منع الدخول.. وتسهيل التهريب!
كانت المعارض الدولية للكتاب تشبه الحدود السياسية: يُفتَّش فيها الغلاف كما يُفتَّش الجواز، وتُكتب القوائم السوداء بخطٍ متوتر على أوراق رسمية يعلوها الغبار.
لكنّ الكتب كانت تعرف طريقها، كعصافير تهرب من شبكةٍ كثيرة الثقوب.

النار تنتشر
ما إن تصل النسخ الأولى، حتى تبدأ العدوى: يتناقلها المثقفون كما يتناقل الأطفال كرة النار.
تُقرأ على عجلٍ، وتُستعار كأنها سرّ دولةٍ لا يجوز تسريبه. وفي الأمسيات الرمادية، كانوا يلتقون في المقاهي، يناقشون الفكرة وكأنهم يتهامسون باسم معشوقةٍ ممنوعة: "هل قرأت الكتاب؟"، "فيه فصل يهدم جداراً بأكمله"، "والكاتب يغمز من قناة لا يجرؤ أحد على النظر إليها"...
وهكذا، صار الممنوع هو الأكثر حضوراً، وصار الضوء يُستعار من نار الرقابة نفسها.

عناوين تثير الرعب والفضول معاً
لم يكن على الكتاب أن يدعو إلى ثورةٍ كي يُمنع. كان يكفي أن يُفكر بصوتٍ مرتفع.
عناوين مثل "نقد العقل العربي"، "الحريم السياسي"، "محاكمة فكر"... كانت كافية لأن تُرفع الحواجب، وتُستدعى اللجان، ويُفتح ملف جديد في أرشيف "الخطر الثقافي".

الدولة نفسها كانت تقرأ الممنوع
يا للمفارقة! كانت النسخ الأولى من الكتب الممنوعة تصل إلى المكاتب العالية، فيُطلب من "جهة مختصة" أن تقرأ وتكتب تقريراً بعنوان: "أثر الكتاب على الرأي العام في حال تسربه!".
وهكذا كان الكتاب يُقرأ مرتين: مرة بشغفٍ من قِبل العقول المتعطشة، ومرة بخوفٍ من العيون المتوجسة.

خاتمة: من رقابة الحبر إلى رقابة الرماد
في الماضي، كانت الرقابة تخاف من الكلمة فتمنعها.
أما اليوم، فقد صارت تخاف من الذاكرة نفسها، فتمدّ يدها إلى المخازن القديمة كمن يفتّش في المقابر، تنبش الصناديق التي نام فيها الورق لسنوات، وتُخرج الكتب واحداً واحداً، تنظر إلى عناوينها كما ينظر القاضي إلى وجه متهمٍ بلا ذنب، ثم تُلقي بها إلى الشاحنة، إلى الحريق، إلى النسيان...
كانت منشورات وزارة الثقافة يوماً نوافذَ تُطلّ على العالم. منها تعرّفنا على "تولستوي" و"نيتشه" و"فرويد" و"لوركا"، على موسيقى الفكر العالمي وأحلام الإنسان الحديث...
أما اليوم، فقد أُغلقت تلك النوافذ، وصار الهواء نفسه موضع شك.
كنا في الزمن الجميل نشكو من الرقابة. أما الآن فنشكو من محو الذاكرة نفسها، من زمنٍ يُعدم فيه الفكر كما يُعدم الخونة، ويُعامل الإبداع كما يُعامل الوباء.
وهكذا، نكتشف أنّ الهزيمة ليست هزيمةَ كتابٍ، بل هزيمةَ زمنٍ كان يحلم بالتنوير فاستيقظ على العتمة!

أترك تعليقاً

التعليقات