مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
التنفيس الفني: المسرح والدراما تحت سقف السلطة
الضحك المسكوت عنه، والدراما التي تتحدث بين السطور.
حين كان الضحك يهمس لا يصرخ.
في الزمن الجميل، لم تكن الخشبة مجرد منصةٍ للعرض، بل مسرحاً للبوح المقنَّع.
كانت الكوميديا تسكن الصالونات مثل ضيفٍ مطمئن، والدراما تبث رسائلها عبر العيون قبل الكلمات.
كل شيء كان محسوباً: النكتة تُقاس بميزان الذهب، والابتسامة تُمنح بترخيص.
كان الفن يعيش بين قوسيْن: قوسٍ للبهجة، وآخر للمراقبة.
ومع ذلك، كانت الأرواح المبدعة تجد دائماً ثغرة للضوء، فتضحك وهي تبكي، وتُشير وهي تصمت، وتكتب التاريخ بين سطورٍ لا يقرؤها إلا الواعون.

الكوميديا.. ابتسامة تحت المجهر
في مقاهي الناس ومجالس البيوت، كان الضحك يُطلق بطمأنينة؛ لكن خلف الكواليس كان الفنان يعرف أن كل ضحكة يجب أن تمر من بوابة الرقيب.
الكوميديا كانت دواءً مهدّئاً، يسكّن آلام الواقع دون أن يعالجها.
كانت الشخصيات تتكرر كالأصدقاء القدامى: الموظف البائس، الزوج الغيور، الجارة النمّامة... وكلها وجوه محبوبة، لا تخيف أحداً.
الضحك كان مطلياً بالسّكر؛ لكن تحته طعم المرارة. وأحياناً توحي السلطة لنقد الجهاز البيروقراطي من الرأس إلى القدم، وأحياناً أخرى تسمح بالعزف الساخر الخفيف، على بعض الأوتار الوطنية أو السياسية، لتحصد شهادة حسن سلوك من الجماهير المنتشية بـ"كركرات" الوهم العميق. والنتيجة: "كلها مداعبات، للدب في كرم العنب"!

السخرية المرخصة.. لسان السلطة الناعم
لم يكن الضحك مجانياً. فكل نكتةٍ تحمل إذن عبور.
كانت السخرية تُستخدم لتلميع الواقع لا لتغييره، لتنفيس الغضب لا لإشعاله.
هكذا تحوّل الفنان أحياناً إلى صوتٍ مروّض، يطلق النكتة كما يُطلق بخار القدر حذر الانفجار.
وكانت السلطة تُدرك سحر الكوميديا، فقرّبت ممثليها، ومنحتهم الامتيازات والعطايا، لأنهم بوصلتها إلى قلوب الجماهير.
فحين يضحك الناس مع ممثلٍ محبوب، ينسون مَن يقف خلف الستار.

الدراما الجادة.. الكلام بين السطور
أما حين يُقرر الفن أن يتكلم بجدّ، فإنه يتكلم بالرمز، لا بالتصريح.
كانت المسلسلات الجادة تزرع أفكارها في حقول التاريخ والأسطورة، كمن يكتب الحاضر على جدارٍ قديم.
في كل مشهدٍ حلمٌ يرمز إلى واقع، وفي كل كلمة صمتٌ يصرخ.
هكذا صار المخرج شاعراً بالكاميرا، والكاتب متآمراً مع جمهوره بلغةٍ سرّيةٍ لا يفهمها الرقيب.

المسرح.. المرآة التي تُخيف
المسرح كان أخطر من الشاشة؛ لأن الجمهور فيه يتنفس في وجه الممثل.
الكلمة على الخشبة كانت قادرة أن تهزَّ صالةً بأكملها؛ لذلك وُضع حولها حزامٌ من المحاذير.
ومع ذلك، كان المسرح فنّاً عصيّاً على الترويض، يحمل في عمقه تلك الطاقة المتمرّدة التي تجعل الضحك مقاومة، والنكتة سلاحاً أبيض في وجه العتمة.

التنفيس الجماعي.. 
حين يصبح الجمهور شريكاً في اللعبة
كانت الدولة تعرف أن الناس بحاجة إلى متنفس، فسمحت بالمهرجانات والجوائز والبرامج التي تزرع البهجة.
وكان الممثل الكوميدي محبوب السلطة والجماهير معاً؛ يُمنح السفر والتكريم، ويُستدعى لحضور "الأعياد الوطنية"، وكأن ابتسامته إعلانٌ رسميٌّ للرضا العام.
هكذا تحوّل الضحك إلى جسرٍ ناعم بين الحكم والشعب، تمرّ فوقه الرسائل الخفية في الاتجاهين.

الهروب عبر الضحك.. ضحكٌ لا يجرح أحداً
ضحك الزمن الجميل كان يشبه حلماً جميلاً في بيتٍ قديم.
يجمّل الواقع ولا يغيّره. يسكب الضوء على الجرح دون أن يلمسه.
كان الناس يهربون إلى المسرح كما يهرب الطفل إلى حضن أمه؛ لا ليثور، بل لينسى.
وهكذا صار الضحك علاجاً بلا شفاء، يريح ولا يحرّر.

الفن بين الرقابة والحرية.. التوازن المستحيل
كانت العلاقة بين الفنان والسلطة رقصةً على حبلٍ مشدود.
كل كلمة يمكن أن تُفسَّر، وكل مشهد يمكن أن يُدان.
ومع ذلك، كان هناك من يتقن المشي فوق الحبل بابتسامة، فيجعل من الرقابة ملهماً ومن الخطر مادةً للإبداع.
في تلك المسافة الدقيقة بين المسموح والممنوع، وُلدت "أعظم" لحظات الدراما في الذاكرة العربية.

خاتمة:
في بلدٍ يُمنع فيه التصريح، تصبح التورية بطولةً، والضحك شجاعةً ناعمة.
كانت الكوميديا الوطنية أشبه بحصان طروادة، تدخل النقد تحت قناع الترفيه؛ ولكنه نقد لا يقدم ولا يؤخر.
أما ممثلو الكوميديا الذين جلسوا في الصفوف الأولى من اللعبة الفنية، فقد أدّوا دورهم بإتقانٍ مزدوج: أضحكوا الجماهير، وأراحوا السلطة.
لكن السؤال يبقى مفتوحاً حتى اليوم: هل كان الزمن الجميل جميلاً حقاً؟! أم أننا نحن الذين نجعل من القيد ذكرياتٍ دافئة كي لا نواجه سؤال الحرية؟!

أترك تعليقاً

التعليقات