«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 83
- مروان ناصح الأثنين , 19 يـنـاير , 2026 الساعة 12:11:58 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الدين.. بين دفء الإيمان وبرد السلطة
لم يكن الدين في الزمن الجميل معلقاً على الجدران، ولا ملفوفاً في خطب رسمية تُذاع في المناسبات، بل كان يعيش في البيوت، في دفء الأمهات، وفي وجوه الجدّات حين يتهجّين الدعاء كأنهن يتهجّين اسم الحياة.
في ذاك الزمن، كان الله قريباً؛ قريباً لا بحناجر صارخة، بل بقلوب مطمئنة. وكان الإيمان لا يحتاج إلى إعلان، بل يُرى في يدٍ تعطي دون ضجيج، وفي دمعة تسقط في عزّ الليل، وفي نداء الفجر، حين يصدح المؤذن لا ليوقظ الأجساد، بل الأرواح.
الدين في البيوت.. قبل أن تحتكره المنابر
كانت بيوتُنا تبدأ يومها بآية، وتنهيه بدعاء، ليس فرضاً، بل عادة، وكان المصحف فوق الرف لا يُغبره النسيان، تفتحه الأم حين تضيق بها الدنيا، ويفتح الأب صفحة منه قبل أن يذهب إلى عمله، ويتهجّاه الطفل حين يبدأ درب الحروف.
لم نكن نحفظ الدين خوفاً، بل ألفة، وكانت الحكايات الدينية تُروى لنا كما تُروى الأساطير: بساط سليمان، عرش بلقيس، رفقة النبي في الغار... ولم نشعر يوماً أن الله غاضب، بل كان دوماً حنوناً كصوت الجدّة.
المسجد.. قلب الحي
ودفء اللقاء
في الزمن الجميل، كان المسجد بيتاً مفتوحاً، نهراً صغيراً وسط زحام الحي، تدخله لا لتسجّل حضوراً دينياً، بل لتجد السكينة.
كان الإمام يعرف الصغير قبل الكبير، ويعظ دون أن يخيف، ويبتسم حين يخطئ المراهق في الآية.
في المسجد، تعلمنا التواضع لا التعالي، الرحمة لا الإدانة، وتعلّمنا أن الدين لا يُقاس بطول السجدة، بل بلين الكفّ، وبرّ الأم، وخشية القلب.
المدارس والكتب.. حين كانت التربية دينية لا تعصب فيها
لم تكن الحصص الدينية مناسبة لتلقين الممنوعات، بل كانت فسحة نتعلّم فيها الحِلم، العدل، الكرم... وكانت قصص الأنبياء تأتي كمرآة للسلوك الإنساني، لا كحجة على العباد.
لم تكن الدروس محاكم تفتيش، ولا كان المعلم شيخاً جلاداً، بل مربياً يغرس النور لا الخوف، وكانت كتب الدين تمزج بين الشرح، والحكاية، والحكمة، دون أن تحمل روح الوصاية أو التكفير.
صورة رجل الدين.. بين الجاذبية والهيبة
في الزمن الجميل، لم يكن الشيخ مرعباً، ولا مُسرفاً في الوعظ. كان رجلاً بسيطاً، صوته خافت، ولباسه نظيف. وكان يزور البيوت في المناسبات، ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، ويُستشار في أمور الحياة، لا ليحكم، بل ليهدي.
لم يكن مُمثلاً للسلطة، بل كان ظلاً من ظلال الرحمة، وحين يتكلّم، لا نسمع صوت فتوى، بل حكايةَ جدٍّ يعرف الله بقلبه لا بسوطه.
السلطة.. حين وضعت
يدها على المنبر
ثم جاءت مرحلة أخرى، حين بدأت السلطة تدرك أن الدين ليس فقط مكاناً للخشوع، بل ساحةٌ يمكن أن تُستثمر في الضبط والتوجيه.
فأمسكت بالمنابر، وعيّنت الأئمة، ورقّمت الخطبة، وصار للدين صوت رسمي، وصوت خافتٌ آخر يهمس به الناس في بيوتهم كما لو أنهم يرتكبون جرماً!
وبدأ الدين يُحاصر بين جدران، وتُحوَّلت شعائره إلى أدوات مراقبة، وصار بعض رجال الدين يبدون أكثر قرباً من المسؤول، وأبعد عن قلب الناس.
مقارنة مع الزمن الحالي
اليوم، ضاعت البساطة، فقد امتلأ الفضاء بالفتاوى، وازدحمت الشاشات بالوعّاظ؛ لكن شيئاً ما انكسر: فالتديّن اليوم إما صورة على "السوشال ميديا" أو جدال لا ينتهي، وتاهت الروح في زحمة الأصوات، وصار الدين أحياناً جزءاً من معارك الهوية لا من سلام النفس.
أما المسجد، فقد بقي، لكنه تغيّر، وبات كثير من الناس يفتقد تلك الزاوية الصغيرة، التي كانوا يدخلونها دون خوف، ويخرجون منها أكثر رحمة.
الأديان الأخرى.. جيرة في الإيمان قبل العقيدة
في الزمن الجميل، لم يكن الدين سوراً يعزلنا عن الآخر، بل نافذة نطلّ منها على إنسانيتنا المشتركة.
كان المسلم يهنّئ جاره المسيحي في عيده، ويبادله المسيحي التهاني في الفطر والأضحى.
لم تكن العلاقة مدفوعة بالسياسة ولا بالشعارات، بل بصدق الجيرة ودفء المشاركة.
في الجنائز، كان الجميع يمشي خلف النعش، وفي الأعياد تُفتح البيوت بلا سؤال عن الهوية.
وكان رجال الدين، مسلمين ومسيحيين، يلتقون على كلمة سواء: أن الإيمان ما خدم الإنسان، لا ما فرّق بينه وبين أخيه.
ذلك التداخل الحميم جعل من الدين جسراً، لا خندقاً، وجعل من التديّن فعل حبّ يومي، لا شعاراً يُرفع عند الحاجة.
خاتمة:
في الزمن الجميل، كان الدين دافئاً ككوب شاي في يد أمٍّ تهمس بدعاء. وكانت الآية تُقرأ فتسكن القلب، لا لتُقصي أحداً، بل لتلمّه.
لم يكن الناس أكثر التزاماً؛ لكنهم كانوا أكثر طمأنينة، فهل فقدنا الإيمان؟ أم فقدنا الطريقة التي نعيشه بها؟!
ربما علينا أن نعود، لا إلى الماضي، بل إلى تلك الروح التي جعلت من الدين: حياةً، لا سلطة.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح