مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الثقافة.. الهامش المسموح والسقف الممنوع
في "الزمن الجميل"، كان المثقف أشبه بشاعرٍ في مجلس خليفة: يُنشد ما شاء من الغَزَل والوصف، يتغنّى بالخمائل والأنهار، يتفنّن في هجاء الزمان والناس... لكنّه يعلم أن بيتاً واحداً يلمّح فيه إلى ظلّ العرش، قد يجرّ عليه صمتاً أثقل من السيوف.

الهامش كان بريقاً من ذهب
كانت الثقافة كالسجادة الفارسية التي تسمح لك أن تخطو فوق زخارفها، لكنها تُفضي دائماً إلى عرش السلطان، حيث تُمنع الخطوة الأخيرة.
كان بإمكانك أن تلعن الجهل، أن تسخر من التلقين، أن تندب موت الشعر... لكن إن سألت: مَن وراء كل هذا؟ فكأنك أزحت الستار عن مجلس الحكم، وهذا محرَّم ككشف الحُجب عن الحريم الملكي.

نافذة للهروب المشروع
كان الكتّاب يتحدثون عن كافكا كمن يروي حكاية من بلاد بعيدة؛ لكن القارئ الفطن يسمع صدى السجون المحلية في أزقة الحكاية.
يفككون رواية "1984" لأورويل، فيرى القارئ الذكي صورة "الأخ الأكبر" وكأنه أمير المماليك، يحصي أنفاس الجنود والرعية معاً.
كانوا يهاجمون الرقابة في أمريكا اللاتينية، ثم يبتسمون ابتسامة باهتة، فكل من عاش تلك الأيام يعرف أن الريح لم تكن تأتي من وراء البحار، بل من ديوانٍ قريب، تُغلق أبوابه في وجه السؤال.

المعارض الصامت
كان هناك مثقف يقرأ قصيدة غامضة في أمسية رسمية، يمزج فيها بين الطائر المقيّد والقفص الذهبي، ثم يغمز لك بعد انتهائها، كأنما يقول: أفهمت؟ لقد كنتُ أكتب بالمداد عن وطنٍ مقنّع!
لم يكن جباناً، بل فارساً بلا درع، يتّخذ اللغة سيفاً من هواء، يمشي على خيطٍ أدقّ من السراط، كبهلوان في بلاط مملوكي، يضحك القوم ولا أحد يجرؤ أن يقول إنه يسخر من السلطان.

لغة غير مكتوبة
لم تكن هناك رقعة مكتوبة بخط الوزير تقول: "هذا ممنوع"؛ لكن الجميع كانوا يعرفون إشارات القلم الأحمر: الكتاب الذي يختفي كأنه طُمر في مكتبة سرية، المقال الذي يُشطب نصفه وتبقى فراغاته كالمساحات البيضاء في مخطوط قديم، الأمسية التي تُلغى بلا سبب، والكاتب الذي يُمحى اسمه من السجلات كما يُمحى اسم شاعر أغضب الخليفة...
إنها رقابة بلا جنود، شرطة تسكن في العقل، كخوف الورّاق من أن يسقط عليه نظر المحتسب.
من الرقابة الخارجية.. إلى الرقابة الذاتية
في العصور السابقة كان الرقيب يقلب دفاترك كما يقلب صاحب الشرطة ديوان الشعراء.
أما في "الزمن الجميل"، فقد أصبح الكاتب نفسه رقيباً على خياله.
يحذف العبارة قبل أن تُسطّرها يده. يخشى الكلمة قبل أن تصير قصيدة.
الرقابة لم تعد سجناً ولا سوطاً، بل صارت ظلاً في الضمير، وصار المنع أشبه بعقوبة النسيان: كتاب يُمنع بحجة "خلل في التفكير"، أو قصيدة تضيع في درج لم يُفتح قط...
أما من أطاع، فقد فُتحت له أبواب الجوائز كما تُفتح أبواب البلاط للشاعر المدّاح.

خاتمة:
في "الزمن الجميل"، كانت الثقافة كزورق صغير في بحر السلطان، يسمحون له أن يبحر، شريطة أن يدور حول الجزيرة نفسها!
لكن إن جَرُؤتَ على تغيير اتجاه الشراع، فالموج يبتلعك، ولا يذكر اسمك أحد.
ومع ذلك، بقيت هناك نصوص مكتوبة بالحبر السري، ومثقفون يتهامسون في الخفاء كما يتهامس المتصوفة في زوايا الليل: كل شيء مباح؛ إلا الحقيقة!

أترك تعليقاً

التعليقات