أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
مقدمة
تتجاوز الحرب الدائرة على إيران حدود كونها مواجهة عسكرية مرتبطة بالبرنامج النووي أو توازنات الأمن الإقليمي في الخليج والمنطقة «الشرق الأوسط»؛ فهذه الحرب تكشف في جوهرها عن تفاعل عميق بين ثلاثة مستويات بنيوية للصراع الدولي: المستوى الجيوسياسي المرتبط بالسيطرة على المجال الأوراسي و«الشرق أوسطي»، والمستوى الاقتصادي المرتبط بأزمة النظام الرأسمالي العالمي «الإمبريالي» وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، والمستوى السياسي المتصل بمرحلة التحول التاريخي في بنية النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
لم يعد «الشرق الأوسط» في هذه المرحلة مجرد مسرح لصراعات إقليمية أو نزاعات محلية بين دول المنطقة، بل أصبح أحد أهم مسارح إعادة تشكيل التوازنات العالمية، فمع تراجع القدرة الأمريكية على إدارة النظام الدولي كما كان الحال خلال تسعينيات القرن العشرين، ومع صعود قوى دولية جديدة مثل الصين وعودة روسيا لاعباً مؤثراً في السياسة الدولية، أخذت المناطق الحيوية للطاقة والممرات التجارية تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة.
في هذا السياق تبرز إيران بوصفها عقدة جيوبوليتيكية في قلب هذه التحولات؛ فهي دولة تقع في موقع جغرافي يربط بين عدة فضاءات استراتيجية كبرى: الخليج الفارسي-العربي، آسيا الوسطى، القوقاز، شبه القارة الهندية، وشرق المتوسط، كما أنها تمتلك موارد طاقة ضخمة، وتسيطر على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إضافة إلى امتلاكها شبكة علاقات وتحالفات إقليمية واسعة.
إلى جانب ذلك تشكل إيران أحد أبرز التحديات الاستراتيجية لكيان العدو «الإسرائيلي»، الذي ينظر إلى تنامي القدرات العسكرية الإيرانية وإلى شبكة تحالفاتها الإقليمية بوصفها تهديداً مباشراً لتفوقه العسكري ولمنظومة الهيمنة الأمنية التي سعى إلى تكريسها في «الشرق الأوسط» منذ عقود، ولهذا السبب لعبت «إسرائيل» دوراً مركزياً في الدفع نحو تدويل المواجهة مع إيران، سواء عبر الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة والغرب، أو عبر تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية مباشرة استهدفت البرنامج النووي الإيراني والبنية التحتية العسكرية والعلمية للدولة الإيرانية.
لهذا السبب لا يمكن تفسير الحرب على إيران بوصفها حصراً مجرد محاولة لمنعها من امتلاك قدرات نووية أو صاروخية، بل ينبغي فهمها ضمن سياق أوسع يتصل بإعادة تشكيل المجال الجيوسياسي لـ»الشرق الأوسط» بما يضمن الحفاظ على التفوق العسكري والعلمي التقني «الإسرائيلي» ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على موازنته، وبما يخدم في الوقت نفسه محاولة الولايات المتحدة إعادة ضبط موازين القوى في المنطقة بما يرسخ دور الوكيل «الإسرائيلي» في منظومة الهيمنة الإقليمية، بالتزامن مع انتقال مركز ثقل أولوياتها الاستراتيجية نحو النصف الغربي من الكرة الأرضية وبحر الصين الجنوبي.
تسعى هذه الورقة إلى تفسير الحرب على إيران ضمن هذا الإطار البنيوي الواسع، من خلال تحليل ثلاثة مستويات مترابطة: موقع إيران في الجيوبوليتيك الأوراسي، ودورها في الصراع على إعادة تشكيل «الشرق الأوسط»، ثم علاقتها بالتحولات الأوسع في النظام الرأسمالي العالمي وبنية النظام الدولي.

إيران في قلب الجيوبوليتيك الأوراسي
يمثل الموقع الجغرافي لإيران أحد أهم المفاتيح لفهم الصراع الدائر حولها؛ فإيران تقع عند نقطة التقاء بين عدة مناطق استراتيجية في أوراسيا، وتتحكم في عقدة جغرافية تربط بين آسيا الوسطى والخليج العربي و»الشرق الأوسط» والقوقاز.
هذا الموقع جعلها منذ قرون محوراً مهماً في التنافس بين القوى الكبرى؛ فقد كانت إيران في القرن التاسع عشر جزءاً مما عُرف في التاريخ الجيوسياسي باسم «اللعبة الكبرى»، وهي الصراع بين الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الروسية للسيطرة على آسيا الوسطى والطرق المؤدية إلى الهند.
وفي القرن العشرين اكتسبت هذه المنطقة أهمية إضافية مع اكتشاف النفط في الخليج و»الشرق الأوسط»، ما جعلها أحد أهم مصادر الطاقة في العالم الصناعي، ولهذا السبب حرصت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، على بناء شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والقواعد العسكرية في المنطقة لضمان السيطرة على تدفق النفط والغاز.
كما ارتبطت هذه الاستراتيجية أيضاً بضمان أمن كيان العدو «الإسرائيلي» الذي أصبح منذ تأسيسه إحدى الركائز الأساسية للترتيبات الجيوسياسية الغربية في «الشرق الأوسط»، إذ سعت الولايات المتحدة إلى دمج أمن «إسرائيل» ضمن منظومة الأمن الإقليمي في المنطقة، بما يضمن الحفاظ على تفوقها العسكري ويمنع ظهور قوى إقليمية قادرة على تهديده.
في الأدبيات االجيوسياسية الغربية تم تفسير هذه الأهمية الاستراتيجية ضمن نظريات أوسع حول السيطرة على أوراسيا، فقد اعتبر الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر في دراسته الشهيرة «المحور الجغرافي للتاريخ» (1904م) أن من يسيطر على قلب أوراسيا يمتلك القدرة على السيطرة على العالم.
لاحقاً أعاد عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين تطوير هذه الفكرة، ومن أبرزهم زبيغنيو بريجنسكي الذي أكد في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» (1997م) أن أوراسيا تمثل المسرح الجيوسياسي الأساسي للصراع العالمي.
في هذا الإطار تُعد منطقة «الشرق الأوسط» والخليج العربي جزءاً من الخاصرة الجنوبية للمجال الأوراسي، وهي المنطقة التي تمر عبرها أهم طرق الطاقة العالمية، إضافة إلى كونها نقطة اتصال بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
تقع إيران في قلب هذا المجال الجغرافي؛ فهي تشرف على مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية في العالم، كما أنها تقع على الطريق البري الذي يربط بين آسيا الوسطى والخليج العربي.
إلى جانب ذلك تمتلك إيران حدوداً طويلة مع عدة مناطق استراتيجية: العراق وبلاد الشام غرباً، القوقاز شمالاً، آسيا الوسطى شرقاً، والخليج العربي جنوباً. يمنحها هذا الموقع القدرة على التأثير في عدة مسارح جيوسياسية في الوقت نفسه.
لهذا السبب كانت إيران في مرحلة الحرب الباردة جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الاتحاد السوفييتي، فقد اعتمدت واشنطن على نظام الشاه بوصفه أحد أهم حلفائها في المنطقة، واعتبرته ركناً أساسياً في منظومة الأمن الإقليمي في الخليج، وكذلك في الترتيبات الأمنية غير المباشرة التي هدفت إلى حماية التفوق «الإسرائيلي» في المنطقة.
لكن الثورة الإسلامية عام 1979م غيّرت هذه المعادلة جذرياً؛ فقد تحولت إيران من حليف استراتيجي للولايات المتحدة إلى دولة تسعى لبناء قدر من الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري عن النظام الغربي، كما تبنت خطاباً سياسياً معادياً للهيمنة الأمريكية وللاحتلال «الإسرائيلي» في المنطقة.
هذا التحول جعل موقع إيران الجيوسياسي يتحول من ركيزة في الاستراتيجية الغربية إلى أحد أبرز التحديات أمامها في «الشرق الأوسط»، كما جعلها في نظر «إسرائيل» التهديد الاستراتيجي الأكثر خطورة على المدى البعيد.

إعادة تشكيل «الشرق الأوسط» بوصفه مشروعاً جيوبوليتيكياً
منذ نهاية الحرب الباردة أخذت الاستراتيجية الأمريكية تتجه نحو إعادة تنظيم «الشرق الأوسط» بما يتوافق مع متطلبات النظام الدولي الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
فمع اختفاء المنافس الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة، أصبحت واشنطن القوة العالمية المهيمنة بشكل غير مسبوق. وقد اعتبر عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين أن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام الدولي بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي لعقود طويلة.
في هذا السياق ظهرت فكرة «إعادة هندسة الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً»، وقد تجلت هذه الفكرة بوضوح بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م، عندما أعلنت إدارة الرئيس جورج بوش الابن عن استراتيجية جديدة تقوم على استخدام القوة العسكرية لتغيير الأنظمة السياسية في المنطقة وإعادة رسم توازناتها.
كان غزو أفغانستان عام 2001م ثم غزو العراق عام 2003م أول تجليات هذه الاستراتيجية؛ فقد سعت الولايات المتحدة إلى إعادة بناء النظام السياسي في هذين البلدين بطريقة تجعل منهما جزءاً من النظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن.
لكن هذه الاستراتيجية لم تقتصر على التدخل العسكري المباشر، بل شملت أيضاً محاولات إعادة تشكيل البنية السياسية والاقتصادية للمنطقة عبر دعم تحولات سياسية أو عبر ممارسة ضغوط اقتصادية ودبلوماسية.
في الأدبيات السياسية أطلق على هذه الرؤية أحياناً اسم «الشرق الأوسط الجديد»، وهو مفهوم يشير إلى إعادة تنظيم المنطقة بطريقة تضمن استمرار السيطرة الغربية على موارد الطاقة والممرات البحرية وتمنع ظهور قوى إقليمية قادرة على تحدي هذه الهيمنة.
كما ارتبط هذا المشروع أيضاً بمحاولة إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بكيان العدو «الإسرائيلي»، بحيث يتم تفكيك أو إضعاف القوى الإقليمية التي يمكن أن تشكل تهديداً لتفوقه العسكري أو لدوره المركزي في النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائه في المنطقة.
في هذا السياق أصبحت إيران أحد أهم التحديات أمام هذا المشروع، فبعد سقوط نظام حزب البعث في العراق عام 2003م توسع النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل ملحوظ، كما نجحت طهران في بناء شبكة من التحالفات الإقليمية في عدة دول، وهو ما منحها قدرة على التأثير في التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة.
كما أدى هذا التوسع إلى تعزيز محور إقليمي معادٍ للاحتلال «الإسرائيلي»، وهو ما جعل إيران تُنظر إليها في «إسرائيل» بوصفها المركز الاستراتيجي الذي يغذي هذا المحور سياسياً وعسكرياً.
إضافة إلى ذلك تمكنت إيران من تطوير برنامج صاروخي متقدم وبناء قدرات عسكرية غير تقليدية، وهو ما سمح لها بفرض معادلة ردع إقليمية أمام القوى المعادية لها.
لهذا السبب اتجهت الاستراتيجية الغربية تدريجياً نحو محاولة تقويض النفوذ الإيراني عبر ثلاث أدوات رئيسية: العقوبات الاقتصادية الواسعة، والضغوط الدبلوماسية، والحروب غير المباشرة عبر الساحات الإقليمية، إضافة إلى العمليات الأمنية والعسكرية التي نفذها كيان العدو الإسرائيلي ضد المنشآت النووية والعلمية الإيرانية.
الحرب الحالية تمثل مرحلة متقدمة من هذا المسار، إذ تهدف إلى إضعاف القدرات الاستراتيجية لإيران وإعادة رسم التوازنات الإقليمية بما يتوافق مع المصالح الغربية و«الإسرائيلية».

أزمة النظام الرأسمالي العالمي والعلاقة بين المركز والأطراف
لا يمكن فهم الصراع في المنطقة بمعزل عن الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي منذ أكثر من عقدين؛ فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008م أصبح واضحاً أن الاقتصاد العالمي يشهد اختلالات عميقة في توزيع القوة الاقتصادية؛ فقد أدى صعود اقتصادات جديدة مثل الصين والهند إلى تقليص الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول الصناعية الغربية، وفي الوقت نفسه تواجه الاقتصادات الغربية تحديات متزايدة، مثل تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات الديون العامة وتزايد عدم المساواة الاجتماعية.
في الأدبيات النظرية للاقتصاد السياسي العالمي تم تفسير هذه التحولات ضمن إطار العلاقة بين «المركز» و«الأطراف»، فقد رأى عدد من المفكرين، ومن أبرزهم الاقتصادي المصري سمير أمين، أن النظام الرأسمالي العالمي يقوم على بنية غير متكافئة بين الدول الصناعية المتقدمة التي تشكل مركز النظام، والدول النامية التي تشكل أطرافه. وفق هذا التحليل يقوم المركز الرأسمالي بالسيطرة على التكنولوجيا والمال والتجارة العالمية، بينما يتم دمج دول الأطراف في الاقتصاد العالمي بوصفها مصدراً للمواد الخام والطاقة والأسواق الاستهلاكية.
لكن عندما تحاول بعض دول الأطراف كسر هذه العلاقة غير المتكافئة عبر بناء قاعدة صناعية أو عسكرية مستقلة، فإنها غالباً ما تواجه ضغوطاً اقتصادية أو سياسية من القوى المهيمنة في النظام العالمي، وفي هذا السياق تلعب القوى الغربية أدوات متعددة للحفاظ على هذه البنية غير المتكافئة، تشمل العقوبات الاقتصادية والضغوط المالية والعمليات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة.
كما يشكل كيان العدو «الإسرائيلي» في هذا الإطار إحدى الأدوات الجيوسياسية الأساسية لمنظومة الهيمنة الغربية في «الشرق الأوسط»، إذ يعمل بوصفه قاعدة متقدمة للمركز الرأسمالي داخل إحدى أهم مناطق الطاقة في العالم، وقد سمح التفوق العسكري «الإسرائيلي»، المدعوم سياسياً واقتصادياً من الولايات المتحدة والدول الغربية، بترسيخ بيئة إقليمية تمنع ظهور قوى إقليمية قادرة على بناء استقلال اقتصادي أو عسكري خارج المنظومة الغربية.
يمكن فهم جزء كبير من الصراع حول إيران ضمن هذا الإطار؛ فإيران منذ الثورة 1979م حاولت بناء نموذج اقتصادي وسياسي يسعى إلى تقليل الاعتماد على النظام الاقتصادي الغربي، وقد شمل هذا المسار تطوير قطاعات صناعية وعسكرية محلية، إضافة إلى محاولة بناء علاقات اقتصادية بديلة مع دول أخرى خارج المنظومة الغربية.
كما أدى هذا التوجه إلى تعارض متزايد مع المصالح الاستراتيجية لكيان العدو «الإسرائيلي»، الذي يرى في أي قوة إقليمية مستقلة اقتصادياً وعسكرياً تهديداً مباشراً لتفوقه الاستراتيجي في المنطقة، ولهذا السبب شكلت إيران أحد الأهداف المركزية للسياسات الغربية و«الإسرائيلية» خلال العقود الماضية.
جعل هذا المسار إيران عرضة لعقوبات اقتصادية واسعة استمرت لعقود، وهدفت إلى الحد من قدرتها على تطوير اقتصادها وصناعاتها الاستراتيجية، كما ترافق ذلك مع سلسلة من العمليات الأمنية والعسكرية التي استهدفت البرنامج النووي والعلمي الإيراني، وكان لكيان العدو «الإسرائيلي» دور بارز في تنفيذ عدد من هذه العمليات.

الحرب على إيران في سياق التحول في النظام الدولي
تأتي الحرب على إيران في لحظة تاريخية تشهد تحولاً تدريجياً في بنية النظام الدولي القائم، فبعد ثلاثة عقود من الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة على النظام العالمي بدأت ملامح نظام دولي أكثر تعددية في الظهور؛ فقد أصبحت الصين اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما عادت روسيا لاعباً مهماً في السياسة الدولية، خاصة بعد تدخلها في عدد من الأزمات الإقليمية.
في هذا السياق أصبح «الشرق الأوسط» ساحة تنافس بين عدة مشاريع جيوسياسية متنافسة.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية في المنطقة وعلى دورها المركزي في تأمين تدفق الطاقة العالمية، كما تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على التفوق العسكري والسياسي لكيان العدو «الإسرائيلي» بوصفه الركيزة الأساسية للترتيبات الأمنية التي قامت عليها الهيمنة الغربية في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.
في المقابل تعمل الصين على توسيع حضورها الاقتصادي عبر مبادرة «الحزام والطريق»، وهي مشروع ضخم يهدف إلى بناء شبكة من الممرات التجارية والبنية التحتية تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
أما روسيا فتسعى إلى تعزيز نفوذها السياسي والعسكري في «الشرق الأوسط»، كما ظهر في تدخلها العسكري في سوريا عام 2015م، وهو تدخل أسهم في إعادة إدخال روسيا لاعباً رئيسياً في توازنات المنطقة.
تقع إيران في مركز هذا التنافس الجيوسياسي، لأنها تشكل حلقة وصل محتملة بين عدة مشاريع استراتيجية في أوراسيا؛ فموقعها الجغرافي يجعلها جزءاً مهماً من الممرات البرية التي يمكن أن تربط آسيا الوسطى بالخليج و»الشرق الأوسط».
كما أن موقعها السياسي داخل محور إقليمي معادٍ للهيمنة الغربية وللاحتلال «الإسرائيلي» يجعلها عنصراً محورياً في إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في «الشرق الأوسط».
لهذا السبب فإن الصراع حول إيران لا يتعلق فقط بمستقبل نظامها السياسي أو ببرنامجها النووي، بل يرتبط أيضاً بموقعها في التوازنات العالمية الجديدة، وبالصراع الأوسع حول شكل النظام الإقليمي في «الشرق الأوسط» ودور «إسرائيل» داخله.

تقدير الموقف
تكشف الحرب على إيران عن انتقال الصراع في «الشرق الأوسط» من مستوى المواجهات الإقليمية المحدودة إلى مستوى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المجال الأوراسي، فلا يتصل هذا الصراع بملفات أمنية مثل البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية فحسب، بل يرتبط بمحاولة إعادة ضبط موقع «الشرق الأوسط» داخل بنية النظام الدولي في لحظة تشهد تراجع القدرة الأمريكية على إدارة النظام العالمي كما كان الحال بعد الحرب الباردة، مقابل صعود قوى دولية جديدة تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي والعسكري في أوراسيا.
تشير المعطيات الجارية إلى أن الحرب تمثل محاولة من الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم كيان العدو «الإسرائيلي»، لإعادة تثبيت الهيمنة الغربية على المجال الاستراتيجي الممتد من شرق المتوسط إلى الخليج، وهو المجال الذي يشكل عقدة الطاقة العالمية وممرات التجارة البحرية والبرية بين آسيا وأوروبا.
وفي هذا السياق تصبح إيران، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، أحد أهم العوائق أمام إعادة تشكيل المنطقة وفق التصورات الغربية و«الإسرائيلية»، ما يفسر انتقال الصراع من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى محاولة إضعاف قدراتها الاستراتيجية مباشرة.
غير أن هذا المسار يجري في سياق دولي يتسم بتآكل الأحادية القطبية وبروز توازنات دولية أكثر تعقيداً، حيث تتزايد قدرة قوى مثل الصين وروسيا على التأثير في مسار الأزمات الدولية، كما تتسع مساحة المناورة أمام عدد من الدول الإقليمية.
لذلك لا يرجح أن يؤدي التصعيد العسكري وحده إلى إعادة تثبيت الهيمنة الغربية بصورة مستقرة، بل قد يؤدي في المقابل إلى تعميق حالة الانتقال في النظام الدولي.
بناءً على ذلك، يرجح أن تتجاوز تداعيات الحرب حدود الساحة الإيرانية لتطال بنية التوازنات الإقليمية والدولية معاً، ففي حال نجحت القوى الغربية وكيان العدو «الإسرائيلي» في تقويض القدرات الاستراتيجية الإيرانية وإعادة ضبط المجال الأمني في الخليج، قد يؤدي ذلك إلى إبطاء مسار التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب وتهديد سيادة واستقلالية دول المنطقة.
أما إذا عجزت هذه الحرب عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فإنها قد تسهم في تسريع تآكل الهيمنة الغربية وفتح المجال أمام توازنات دولية جديدة تتسم بتعدد مراكز القوة وباتساع هامش الفعل أمام القوى الإقليمية.

أترك تعليقاً

التعليقات