السلام في اليمن: لماذا تتكرر الحرب؟
- أنس القاضي الثلاثاء , 12 مـايـو , 2026 الساعة 12:32:05 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
يُختزل السلام في اليمن غالباً في توقف المعارك أو الوصول إلى اتفاق سياسي بين معسكري الحرب لتقاسم السلطة، بينما تكشف التجربة اليمنية خلال العقود الماضية أن تراجع المواجهات العسكرية لا ينتج بالضرورة استقراراً حقيقياً؛ فقد مرّ اليمن بفترات هدأت فيها الجبهات، لكن أسباب الانفجار بقيت حاضرة داخل المجتمع والدولة والاقتصاد، ثم عادت لاحقاً في صورة صراعات جديدة أشد اتساعاً وتعقيداً.
منذ ستينيات القرن الماضي، انتقل اليمن من حرب إلى أخرى، ومن تسوية إلى أخرى، دون أن تنجح أي مرحلة في تأسيس استقرار طويل يقوم على دولة قادرة تدمج المجتمع وتعالج التناقضات داخله بصورة ديمقراطية. بعد ثورة 1962م، انتهت الحرب بين الجمهوريين والملكيين بتسوية سياسية، لكن الدولة التي خرجت من الحرب نشأت داخل توازنات قبلية وعسكرية وتبعية للسعودية، ولم تتحول إلى دولة مؤسسات حديثة قادرة على ضبط المجال العام بصورة مستقرة. وفي الجنوب، دخلت الدولة «الاشتراكية» نفسها في صراعات داخلية داخل الحزب الحاكم بخلفيات مناطقية وقبلية انتهت بأحداث يناير 1986م، تاركة آثاراً اجتماعية وسياسية عميقة مستمرة حتى اليوم.
بعد تحقيق الوحدة عام 1990م، اتجه اليمن نحو مرحلة جديدة، لكن الحرب عادت سريعاً عام 1994م، وتحولت الوحدة من مشروع سياسي جامع إلى مصدر جديد للصراع والانقسام. وسّعت الحرب وما تلاها من إقصاء ونهب الشعور بالمظلومية في المحافظات الجنوبية، وفتحت المجال أمام إعادة توزيع الثروة والنفوذ لمصلحة مراكز قوة جديدة داخل الدولة والجيش والنخب الاقتصادية المرتبطة بالسلطة. ثم جاءت حروب صعدة بين عامي 2004 و2009م، لتكشف مجدداً عجز الدولة عن معالجة التناقضات الاجتماعية والسياسية خارج الحل العسكري، قبل أن تدخل البلاد بعد 2011م في مرحلة انهيار أوسع انتهت بحرب شاملة ما تزال مستمرة حتى اليوم.
تكشف هذه المسارات أن الأزمة اليمنية ترتبط بطبيعة الدولة نفسها؛ فالدولة اليمنية الحديثة لم تنجح تاريخياً في التحول إلى إطار وطني ضامن لمصالح كل اليمنيين يحتكر السلاح ويضبط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية عبر القانون والمؤسسات. بقيت السلطة مرتبطة بشبكات النفوذ القبلية والعسكرية والمالية، وبقي الاقتصاد قائماً بصورة واسعة على الريع والمساعدات والتحويلات الخارجية والتوكيلات التجارية، فيما ظلت التنمية ضعيفة وغير متوازنة بين المناطق، مع تعمد من السُلطة حرمان مناطق معينة من التنمية.
في ظل هذا الواقع، تحولت الحرب إلى جزء من طريقة إعادة توزيع القوة والثروة داخل البلاد، راكمت نخب عسكرية وسياسية واقتصادية وقبلية نفوذها خلال الحروب، واستفادت من اقتصاد الصراع عبر السيطرة على الموارد والمنافذ، أو من خلال شبكات الاستيراد والتهريب والجباية، أو عبر التمويل الخارجي المرتبط بالحروب نفسها، وتحول الصراع مع الوقت إلى بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية واسعة يصعب فصلها عن حياة الناس اليومية.
كما أعادت الحروب المتكررة تشكيل المجتمع اليمني نفسه، إذ توسعت الانقسامات المناطقية والمذهبية والسياسية، وتراجعت الهوية الوطنية الجامعية وفكرة الفضاء العام الوطني المشترك لمصلحة الولاءات الضيقة المرتبطة بالجغرافيا أو القبيلة والأسرة والجماعة المسلحة دينية أو حزبية، ودفع انهيار الاقتصاد والخدمات قطاعات واسعة من السكان نحو الارتهان للقوى المسيطرة بحثاً عن الرواتب أو الأمن أو فرص البقاء.
ترتبط الحرب القائمة منذ العام 2015م أيضاً بالموقع الجيوسياسي لليمن، بحكم إشرافه على البحر الأحمر وباب المندب وارتباطه بحركة التجارة والطاقة العالمية. ومنذ الحرب (الجمهورية -الملكية) في الستينيات وحتى الحرب الراهنة، ظل العامل الإقليمي والدولي حاضراً في تشكيل موازين القوى داخل اليمن. وساهمت هشاشة الدولة والانقسامات الداخلية وضعف البنية الاقتصادية والاجتماعية في تعميق أثر التدخلات الخارجية وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
الحرب ترتبط أيضاً بطبيعة الاقتصاد الريعي، وضعف التنمية، والتفاوت بين المناطق، وغياب المؤسسات المستقرة، واعتماد قطاعات واسعة من السكان على الحماية القبلية بدلاً من مؤسسات الدولة.
كما أعادت الحرب تشكيل المصالح داخل المجتمع نفسه، وخلقت مستفيدين جدداً من اقتصاد الحرب، وأنتجت شبكات قوة محلية ارتبطت باستمرار الوضع القائم. وأصبح من الصعب فصل بعض الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية عن الحرب، بعد سنوات طويلة من تشكل مصالح مرتبطة بالمعابر والسلاح والمساعدات والجباية والأسواق التي نشأت خلال الحرب.
لهذا، يرتبط السلام في اليمن بإعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد معاً؛ فالتجارب السابقة أظهرت أن التسويات السياسية التي تُبقي أسباب الانقسام قائمة تتحول مع الوقت إلى فترات توقف مؤقت يعاد بعدها إنتاج الصراع بصورة جديدة. ويحتاج الاستقرار إلى دولة تمتلك مؤسسات فعلية قادرة على فرض القانون بعيداً عن مراكز القوة المسلحة، كما يحتاج إلى اقتصاد انتاجي حديث يخفف الاعتماد على الريع والحرب، ويوفر قدراً من العدالة في توزيع الموارد والخدمات بين المناطق.
ويتطلب الاستقرار أيضاً معالجة الآثار الاجتماعية العميقة التي خلفتها عقود الصراع، من المظالم المحلية، والانقسامات المناطقية، والذاكرة الدموية، وتفكك الثقة بين الجماعات المختلفة. فالمجتمع الذي عاش حروباً متكررة لعقود يحمل داخله آثاراً متراكمة من الخوف والانقسام والعنف، وتحتاج معالجتها إلى مسار طويل من المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية يتجاوز الاتفاقات السياسية المؤقتة.
تتمثل الأزمة اليمنية، في جوهرها، في عجز متكرر عن بناء دولة وطنية مستقرة قادرة على دمج المجتمع اقتصادياً وسياسياً وقانونياً، في ظل تداخل البنى القبلية والمناطقية مع الاقتصاد الريعي والتدخلات الإقليمية والدولية. وداخل هذا الواقع، تتراجع الحروب أحياناً ثم تعود بأشكال جديدة مع كل تغير في موازين القوى الداخلية أو الإقليمية.
السلام في اليمن يرتبط بقدرة الدولة والمجتمع على إدارة التناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون انزلاقها بصورة متكررة نحو الحرب. وبدون تحول عميق في شكل الدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، ستظل البلاد تدور داخل دورة مستمرة من الصراع والتسويات المؤقتة، حتى مع تغير القوى والقيادات والتحالفات.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي