مسألة الدولة
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
من الخطأ فهم الدولة بوصفها مجرد أداة طبقية خالصة تعكس مصالح فئة اجتماعية بعينها، كما لا يمكن التعامل معها في المقابل ككيان محايد يقف خارج الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، فالدولة، في واقعها التاريخي الملموس، بنية مركبة تتقاطع داخلها وظائف متعددة، وتحمل في آنٍ واحد آثار موازين القوى القائمة داخل المجتمع، كما تضطلع في الوقت ذاته بأدوار تتجاوز هذه الموازين لتشمل حماية الكيان الاجتماعي نفسه وتنظيم حياته العامة وصون وجوده من التفكك والانقسام.
إنها من جهة ساحة تتجسد فيها الصراعات الاجتماعية، وتنعكس فيها علاقات القوة والتفاوت، وتترجم عبر مؤسساتها سياساتٌ قد تميل في لحظات معينة إلى خدمة فئات مهيمنة أو إعادة إنتاج اختلالات قائمة، لكنها من جهة أخرى إطار جامع يوفر الحد الأدنى من الاستقرار الضروري لاستمرار الحياة المشتركة، ويشكل البنية التي تنتظم داخلها العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي في الوقت ذاته أداة لحفظ السيادة الوطنية، ووسيلة لتنظيم الموارد العامة، ومؤسسة تضطلع بوظائف أساسية تمس حياة المجتمع بأسره، من التعليم والصحة إلى البنية التحتية والخدمات العامة، ومن الأمن الداخلي إلى حماية الحدود وصون الكيان الوطني من التفكك أو الهيمنة الخارجية.
بهذا المعنى، لا تختزل الدولة في بعدها الطبقي وحده، ولا تفهم بوصفها جهازاً يمكن الاستغناء عنه أو القفز فوقه، لأن وجودها واستقرارها شرطٌ لازم لانتظام المجتمع ذاته، ففي المجتمعات التي تعاني من الضعف أو التمزق أو الحروب أو الانقسامات العميقة، تصبح الدولة الإطار الوحيد القادر على حفظ الحد الأدنى من التماسك، وعلى منع انزلاق المجتمع إلى صراعات مفتوحة أو فوضى ممتدة، وفي مثل هذه السياقات، لا تعود الدولة مجرد انعكاس لمصالح طبقية، بل تتحول إلى بنية ضرورية لحماية المجتمع نفسه، بما في ذلك الفئات الأكثر ضعفاً داخله.
كما أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري أو أمني، بل هي أيضاً حامل للذاكرة التاريخية والهوية الوطنية، وإطار تتشكل داخله العلاقات العامة بين الأفراد والجماعات، وهي المكان الذي تتقاطع فيه المصالح المختلفة، وتدار من خلاله الخلافات، وتصاغ عبره القواعد التي تنظم الحياة المشتركة، ولهذا فإن انهيارها أو تفككها لا يعني فقط زوال سلطة سياسية، بل يعني غالباً انكشاف المجتمع على احتمالات العنف والتشظي، وتراجع القدرة على إدارة الموارد والخدمات، وانسحاب الحد الأدنى من الحماية العامة.
إن موقع الدولة، في هذا الفهم، هو موقع مركزي في عملية التحول الاجتماعي، لا باعتبارها قوة مكتملة الحياد، ولا بوصفها خصماً مطلقاً ينبغي تحطيمه، بل كحقلٍ تتصارع داخله الاتجاهات المختلفة، وتعاد من خلاله صياغة العلاقة بين المجتمع والثروة والسلطة، فهي تحمل داخلها تناقضات المجتمع نفسه، وتعكس اختلالاته، لكنها تظل في الوقت ذاته قابلة لإعادة التشكيل كلما تغيرت موازين القوى، وكلما اتسعت المشاركة الاجتماعية، وكلما تعزز حضور القانون والمؤسسات.
وعليه، يصبح التعامل مع الدولة قائماً على إدراك طبيعتها المزدوجة؛ فهي من جهة قد تعكس التفاوت والاحتكار واختلال التوازن بين الفئات، ومن جهة أخرى تمثل الأداة الأوسع القادرة على تنظيم الحياة العامة وتوفير الخدمات الأساسية وتوجيه الموارد نحو المصلحة المشتركة، وكلما اتسعت دائرة الحقوق داخلها، وتراجعت أشكال الامتياز، وتعززت الشفافية، وتكرست المؤسسات، اقتربت الدولة تدريجياً من أن تكون دولةً للمجتمع ككل لا لفئةٍ محددة.
ومن هنا تتجه الرؤية إلى حماية الدولة من التفكك والانهيار، والعمل على إعادة بنائها وتقويتها بوصفها الإطار الذي يمكن من خلاله توسيع التعليم العام، وتعزيز الرعاية الصحية، وترسيخ الضمان الاجتماعي، وتطوير البنية الاقتصادية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين الفئات المختلفة؛ فالدولة بما تمتلكه من قدرة على التنظيم والتخطيط وتوجيه الموارد، تظل الأداة الأكثر اتساعاً لتحقيق السياسات العامة التي لا يمكن للسوق وحده أن يحققها، ولا للمبادرات الفردية أن تنهض بها بمعزل عن إطار جامع.
ومع تراكم الإصلاحات، ومع اتساع حضور المجتمع في مراقبة مؤسسات الدولة والمشاركة في توجيهها، يتراجع بعدها الطبقي تدريجياً، ويتقدم بعدها الاجتماعي العام، ويصبح دورها أقل ارتباطاً بإدارة الامتيازات وأكثر اتصالاً بإدارة الصالح العام، وأقرب إلى أن تكون مؤسسة لحماية الحقوق وتنظيم الحياة المشتركة وتوسيع فرص العيش الكريم.
بهذا الفهم، لا تعامل الدولة كخصمٍ ينبغي تقويضه، ولا ككيانٍ مكتمل العدالة ينبغي التسليم له، بل كمساحة تاريخية مفتوحة لإعادة البناء والتطوير، وكإطارٍ يمكن من خلاله دفع المجتمع نحو قدر أكبر من العدالة والتنظيم والاستقرار، إنها ليست غايةً في ذاتها، لكنها الشرط الذي لا يمكن تجاوزه في أي مسار يرمي إلى حماية المجتمع، وتعميق العدالة داخل بنيته، وصون كيانه الوطني من التفكك والهيمنة والتبعية.

أترك تعليقاً

التعليقات