حول الصراع السعودي الإماراتي في اليمن
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
لم تعد الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن تُقرأ بوصفها تباينات تكتيكية داخل تحالف واحد تحالف العدوان أو ما سمي بـ»التحالف العربي» هذا التحالف الذي لم يعد فيه سوى الرياض، لم يعد الصراع السعودي الإماراتي خلافاً داخل هذا التحالف، بل صراع صفري حول من يبسط نفوذه على اليمن، ما يجري منذ أواخر 2025م يشير إلى انتقال علاقة البلدين من مرحلة تقاسم الأدوار والوظائف والمصالح غير المشروعة في اليمن، إلى مرحلة إعادة تحديد من يملك القرار النهائي في اليمن المناطق الواقعة خارج جغرافيا السيادة الوطنية.
في هذا السياق، تميل السعودية إلى إنهاء نموذج تعدد الوكلاء (المرتزقة) الذي حكم المرحلة السابقة، لصالح هيمنة مباشرة عبر واجهة سياسية أمنية واحدة وتسويقها محلياً ودولياً سواء في مسار الحرب أو في مسار التسوية. في المقابل ترى الإمارات في هذا التحول تهديداً جوهرياً لاستراتيجيتها القائمة على شبكات المرتزقة، والسيطرة الهادئة على العقد البحرية والأمنية، وترى أن السعودية في غضون أشهر تسعى لطمس كل ما راكمته في اليمن من نفوذ معاد منذ العام 2015م.
انعكست هذه المقاربة المتعارضة بشكل مباشر على حضرموت وعدن، بوصفهما ساحتي اختبار مركزيتين: الأولى كعمق بري -لوجستي، والثانية كعاصمة مُفترضة وأداة شرعنة دولية.
يندرج التنافس السعودي الإماراتي في اليمن ضمن سياق إقليمي أوسع حول إعادة توزيع الأدوار داخل المعسكر الغربي نفسه بالتزامن مع اتجاه أمريكي للانحسار من المنطقة؛ فكلا الدولتين، رغم تباين أدواتهما وتضارب مصالحهما التكتيكية، تتحركان ضمن سقف استراتيجي غربي واحد قوامه «حماية» منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة بخطوط الطاقة والتجارة، و»تأمين» الممرات البحرية الحيوية، ومنع تشكّل كيان وطني يمني مستقل يمتلك قدرة سيادية على التحكم بموقعه الجيوسياسي.
في هذا الإطار، تميل السعودية، بوصفها دولة مركز طاقوي داخل النظام العالمي، إلى إدارة نفوذها في اليمن من خلال هيمنة مباشرة مُقنّعة بواجهات سياسية وأمنية «رسمية -معترف بها دولياً»، بما يضمن لها ضبط المجال اليمني بوصفه امتداداً لأمنها القومي وحدودها الاقتصادية، ويُبقي القرار النهائي في ملفات الحرب والسلم بيدها مع قابلية تسويقه دولياً. أما الإمارات، بوصفها دولة وسيطة لوجستية -أمنية، فتفضّل نمطاً مختلفاً من التدخل يقوم على شبكات نفوذ غير معلنة، وتفكيك المجال إلى عقد قابلة للإدارة (موانئ، جزر، قوى محلية)، بما يتيح لها تحقيق وظائفها البحرية والتجارية دون تحمّل كلفة السيطرة السياسية الشاملة.
ورغم أن هذا الاختلاف في المنهج يُنتج صدامات فعلية على الأرض، كما في عدن وحضرموت، إلا أنه لا يخرج عن كونه صراعاً على من يتولى أداء الوظيفة داخل المنظومة الغربية، لا على جوهر الوظيفة نفسها؛ فسواء انتهى الأمر بترسيخ هيمنة سعودية مباشرة أو بإبقاء نفوذ إماراتي معطِّل، فإن الجنوب اليمني يُعاد تعريفه بوصفه فضاءً وظيفياً يُستثمر ضمن مصالح الغرب الأمنية والبحرية، لا بوصفه قاعدة لبناء دولة يمنية مستقلة ذات قرار سيادي.
وعليه، لا يُفهم هذا التنافس بوصفه صراعاً بين مشروعين متعارضين في المآلات، بل بين مقاربتين مختلفتين لإدارة المجال ذاته: احتكار للقوة تسعى إليه السعودية بهدف إنهاء تعدد الوكلاء وتثبيت مرجعية أمنية واحدة، في مقابل تعطيل مُزمن تنتهجه الإمارات لإبقاء المشهد مطرباً ومنع اكتمال هذا الاحتكار دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وفي الحالتين، تبقى المصلحة الوطنية اليمنية غائبة عن معادلة القرار، بينما يُعاد إنتاج الصراع داخل اليمن بوصفه جزءاً من هندسة إقليمية أوسع لا تهدف إلى تمكين الدولة اليمنية، بل إلى ضبطها وإبقائها قابلة للتوظيف.

الحسم السعودي مقابل التعطيل الإماراتي
تتعامل السعودية مع المرحلة الراهنة بوصفها لحظة حسم تكتيكي تتجاوز مجرد إعادة ترتيب أمني إلى إعادة ضبط شاملة لطبيعة السيطرة في الجنوب اليمنية وشرقه، جوهر المقاربة السعودية يقوم على الهيمنة منفردةً، خصوصاً في عدن بوصفها مركز القرار السياسي والواجهة السياسية لحكومة المرتزقة، في هذا الإطار، لا يُنظر إلى عدن باعتبارها ساحة أمنية فقط، بل كمساحة يجب إخضاعها لمرجعية واحدة واضحة، تُغلق الباب أمام أي قدرة محلية أو إقليمية على تعطيل القرار أو ابتزازه.
يترافق هذا المسار مع سعي سعودي لربط الأطراف الجغرافية في الشرق، بمنظومة ضبط صارمة تُحكم السيطرة على خطوط الحركة والانتشار، وتمنع تحوّلها إلى مساحات رخوة قابلة للاختراق. لتحقيق ذلك، توظّف الرياض أدوات متعددة تشمل إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتغيير المسميات والمرجعيات، وإخراج المعسكرات من المراكز الحضرية (كما في حالة عدن ومطار الريان)، بالتوازي مع تفعيل خطاب دولي يركّز على مكافحة الإرهاب والاستقرار. هذا الخطاب لا يُستخدم فقط لتبرير الإجراءات الميدانية، بل لتأمين غطاء سياسي خارجي يحيّد أي اعتراض داخلي أو إماراتي على مسار الهيمنة السعودية.
في المقابل، لا تتحرك الإمارات في الاتجاه المعاكس عبر محاولة استعادة نفوذها السابق أو فرض حضور عسكري مباشر، بل تعتمد مقاربة مختلفة تقوم على منع اكتمال الحسم السعودي وفرض الهيمنة الكاملة. وجوهر هذه المقاربة الإماراتية الإبقاء على الوضع الأمني مضطرباً بما يجعل أي احتكار سعودي للقوة مكلفاً وغير مستقر، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تفرض أثماناً سياسية وأمنيـــــة عالية علــــى أبوظبي.
يتحقق هذا التعطيل عبر أدوات غير مباشرة، تشمل الاستناد إلى شبكات محلية متضررة من النفوذ السعودي، وإنتاج حالات إرباك أمني موضعي تُكسر بها وتيرة التثبيت، إضافة إلى ضغط إعلامي وسياسي غير مباشر يعيد تغذية سرديات الفوضى وعدم الجاهزية، وبهذا الأسلوب، تحافظ الإمارات على قابلية المشهد للمساومة والأخذ والعطاء، وتمنع تثبيت واقع أمني نهائي لصالح السعودية، دون أن تتحمل كلفة الظهور بشكل صريح كطرف معرقل، فهي أعلنت انسحابها النهائي من اليمن، وكل ما تقوم به حالياً بصورة غير مباشرة ولا تريد تحمل كلفته.
في هذا السياق، يكتسب استمرار الحراك الجماهيري لـ«المجلس الانتقــــالي» دلالة سياسية أمنية خاصة، لا بوصفه امتداداً لقوته العسكرية السابقة، بل كآلية بديلة للحفاظ على الحضور والتأثير بعد الإزاحة الميدانية؛ فالمجلس، رغم تراجُع قدرته على فرض الوقائع بالسلاح، لم يخرج من المجال العام، بل انتقل إلى تفعيل أدوات التعبئة السلمية والتنظيم الاجتماعي في محاولة للحفاظ على تماسك قاعدته وإثبات أنه لا يزال فاعلاً في معادلة الجنوب.
ولا يقتصر هذا الحضور على الدعوات الاحتجاجية، بل يتجلّى أيضاً في استمرار بعض الممارسات الميدانية، مثل وجود نقاط أمنية غير رسمية تُفرض عبرها جبايات لصالح كيانات اقتصادية مرتبطة بالمجلس، إلى جانب استمرار عقد اجتماعات تنظيمية لفروعه في عدد من المحافظات، ورغم أن هذا النشاط لا يرقى إلى مستوى السيطرة السابقة، إلا أنه يؤكد أن «الانتقالي» لم يُفكَّك بالكامل، وأنه ما يزال يمتلك هامشاً يسمح له بإرباك المشهد أو تعطيله عند الحاجة، وهو هامش قابل للتوظيف من قبل الإمارات ضمن استراتيجية التعطيل غير المباشر، في مقابل مسار سعودي يعمل على احتوائه تدريجياً وبأسلوب ناعم لتفادي تفجير مواجهة مفتوحة.
في المقابل، تعتمد المقاربة الرسمية للسعودية عبر الحكومة العميلة على تشديد القبضة الأمنية ورفض أي تجمعات أو تظاهرات في ظل قانون الطوارئ، ما يرفع من احتمالية انتقال الصدام إلى مستوى الاحتكاك المباشر مع الشارع وحتى الآن لم يحدث صدام من هذا النوع لكن استمرار التظاهرات الأسبوعية يقوي هذه الاحتمالية.

آثار بنيوية مرافقة للصراع
يُفضي الصراع السعودي الإماراتي، كما يتجلّى في الجنوب والشرق اليمني، إلى جملة من الآثار البنيوية التي تتجاوز نتائجه الأمنية المباشرة، وتمس طبيعة المجال السياسي والأمني ذاته. أبرز هذه الآثار يتمثل في تضخم ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد العنف»، حيث يتحول «العنف» من وظيفة «أمنية» إلى مجال للمقايضة وسلعة، وتصبح الولاءات العسكرية لـ«الانتقالي» والسعودية قابلة لإعادة الشراء والتدوير لمن يدفع أكثر ويضفي شرعية على الوجود المسلح على هذا «العنف»، فتتحول الميليشيات إلى موارد بحد ذاتها، تُستثمر ضمن شبكة مصالح متداخلة.
النتيجة الأخرى تتمثل في إنتاج السعودية وحدة أمنية شكلية تقوم على دمج المسميات والهياكل دون تفكيك البنى العميقة للولاء لـ«الانتقالي» خصوصاً وأن قوات «الانتقالي» قائمة على العصبية المناطقة في معظمها؛ فإعادة التسمية والهيكلة قد تُنتج صورة مؤسسية موحّدة يقف على واجهتها العليمي والمحرمي، لكنها لا تُنهي التعدد الحقيقي في المرجعيات والانتماءات، ما يجعل هذا التوحيد قابلاً للتفكك في ظروف مُعينة، إن لم تسارع السعودية إلى تعميق هيمنتها بشكل أعمق وإيجاد «شرعية» اجتماعية وسياسية لهيمنتها.

المآلات
تشير مجمل المؤشرات السياسية والأمنية خلال الفترة محل التقدير إلى دخول الجنوب والشرق اليمني مرحلة صدام محسوب بين مقاربتين متنافستين داخل المعسكر الغربي نفسه، لا إلى انفلات أمني عشوائي أو صراع نفوذ ثنائي تقليدي. فالسعودية تمضي في مسار تسريع الحسم عبر تثبيت مرجعية أمنية وسياسية واحدة في الجنوب والشرق، مستندة إلى غطاء دولي متزايد وخطاب الاستقرار ومكافحة الإرهاب. وفي المقابل تعمل الإمارات على منع اكتمال هذا الحسم من خلال تعطيل بأدوات محلية يُبقي كلفة السيطرة السعودية مرتفعة ويُبقي المجال مفتوحًا على الهشاشة، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
ولا يُرجَّح، في المدى القريب، تحوّل هذا الصدام إلى مواجهة سعودية إماراتية مفتوحة أو تحوله إلى صراع تناحري بين الدولتين، إذ يظل الصراع محكومًا بسقف معين داخل المنظومة الغربية. وعليه يُتوقع استمرار إدارة الصراع عبر أدوات غير مباشرة، تصبح عدن فيها مختبراً لإعادة توزيع وانتاج القوة والشرعية.
في هذا السياق، يبقى الاستقرار الأمني هشًّا وقابلًا للانتكاس، خصوصًا مع تحوّل الشارع إلى ساحة ضغط موازية (وقد تصبح ساحة صدام)، ومع استمرار الولاءات لـ«الانتقالي» الكامنة داخل الأجهزة المعاد هيكلتها، وما لم تحسم دولة العدوان السعودية وعلى الأرض القوة والقرار والسيطرة سيظل الجنوب اليمني فضاءً للصراع السعودي الإماراتي ولاستنزاف المملكة ولإطالة معاناة المجتمع اليمني في المحافظات الجوبية والشرقية.
استدراك: من حق الشعب اليمني نيل السلام والاستقلال والتعويض وإعادة الإعمار، ويُفترض بالسعودية أن تتجه إلى السلام العادل مع اليمن -على قاعدة خارطة الطريق- فهي الطريقة المثلى لكي تتجنب حرب استنزاف إماراتية وتتجنب ردا يمنيا على سياسة المماطلة والحرب غير المباشرة، وبهذه الطريقة تتفرغ لمشاريعها الاقتصادية وجبهات تنافس أخرى مع أبوظبي، أما الاستمرار في نهج الحرب واستبدال الهينة الإماراتية جنوباً بهيمنتها، ومحاولة توحيد الوكلاء في الجنوب لفتح جبهة حرب شمالاً وغرباً هذه خيارات انتحارية لن تجني منها سوى الخراب!

أترك تعليقاً

التعليقات