القاعدة الاجتماعية للتغيير
 

أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
لا تقوم القاعدة الاجتماعية لليسار على طبقة واحدة ضيقة بالمعنى التقليدي، ولا يمكن اختزالها في شريحة محددة من المجتمع مهما كانت أهميتها، بل تتشكل من تحالفٍ واسع يضم مختلف الفئات التي تقوم على إنتاج الحياة المادية والمعرفية والثقافية، فاليسار في صورته المعاصرة لم يعد يستند إلى تعريف جامد للطبقة العاملة كما صيغ في مراحل تاريخية سابقة حين كان العمل الصناعي هو الشكل الغالب للإنتاج، بل ينطلق من فهمٍ أوسع لمفهوم الإنتاج ذاته ودوره في بناء المجتمع واستمراره، ومن إدراك أن أشكال العمل التي تحفظ الحياة الاجتماعية وتدفعها إلى الأمام باتت أكثر تنوعاً وتعقيداً.
تتكون هذه القاعدة من العمال الذين يكدحون في المصانع والورش والبناء والخدمات، ومن الموظفين الذين يسهمون في إدارة المؤسسات العامة والخاصة وتشغيلها، ومن الفلاحين المرتبطين بالأرض وما يتصل بها من نشاط اقتصادي، ومن المهنيين والحرفيين الذين تقوم حياتهم على مهاراتهم وخبراتهم المباشرة، كما تشمل المثقفين والمبدعين والعاملين في مجالات المعرفة والتعليم والفن والبحث، وكل من يسهم بعلمه أو جهده في استمرار النشاط الاجتماعي وتطوره، فالجامع بين هذه الفئات ليس موقعها الاجتماعي الضيق ولا مستوى دخلها، بل مساهمتها الفعلية في إنتاج الحياة وصيانة المجتمع واستمراره.
ويستند هذا الفهم إلى إدراك أن التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة قد غيّرت طبيعة الإنتاج نفسه، وأعادت تشكيل مفهوم الطبقة العاملة. فقد توسع اقتصاد الخدمات ليصبح مجالاً رئيسياً يستوعب أعداداً كبيرة من العاملين في الصحة والتعليم والنقل والإدارة والتجارة والاتصالات، كما برز اقتصاد المعرفة بوصفه مجالاً يقوم على التعليم والتقنية والبحث والإبداع، حيث أصبح إنتاج الخبرة والمعرفة جزءاً أساسياً من خلق القيمة داخل الاقتصاد الحديث. ومع هذا التحول لم يعد الإنتاج محصوراً في العمل اليدوي أو الصناعي، بل أصبح يشمل العمل الذهني والخدمي والتقني والإبداعي بوصفها جميعاً أشكالاً من الجهد المنتج.
ومن هنا اتسع مفهوم الطبقة العاملة ليشمل كل من يعتمد في معيشته على عمله، سواء كان هذا العمل بدنياً أو ذهنياً أو خدمياً أو معرفياً؛ فالمعلم والطبيب والمهندس والممرض والموظف والمبرمج والعامل في الخدمات، إلى جانب العامل في المصنع والفلاح في الحقل، جميعهم يرتبطون بعلاقة إنتاج تقوم على تقديم الجهد مقابل أجر أو دخل يعتمد على العمل المباشر، وهذا الاتساع يعكس تحوّل الاقتصاد نفسه، حيث لم تعد القيمة تنتج فقط في المصانع، بل أيضاً في المعرفة والتنظيم والخدمات والتقنية.
ولا يعني هذا التحالف الواسع إلغاء الفوارق بين هذه الفئات أو تجاهل اختلاف مواقعها ومستويات دخلها وظروف عملها، فبينها تفاوت حقيقي في الأوضاع الاقتصادية والمكانة الاجتماعية وفرص الاستقرار، لكنه يعني إدراك أن بينها مصالح مشتركة تتجاوز هذه الفوارق، تتمثل في الحاجة إلى اقتصاد منتج يخلق فرص عمل حقيقية، وإلى دولة قادرة على توفير الخدمات الأساسية، وإلى بيئة مستقرة تضمن الأمان الاجتماعي، وإلى سياسات تحدّ من التفاوت وتفتح المجال أمام الصعود الاجتماعي القائم على العمل والكفاءة لا على الامتياز والوساطة.
فالفلاح والعامل والموظف والمهني والمبدع، رغم اختلاف مواقعهم، يلتقون في مصلحة عامة تتعلق بحماية قيمة العمل المنتج وتوسيع فرصه وضمان أن يكون الجهد الشخصي مصدراً للعيش الكريم. كما يلتقون في مواجهة الأنماط الاقتصادية التي تهمش الإنتاج الحقيقي لصالح الاقتصاد الريعي أو الاحتكاري، وفي الحاجة إلى استقرار مؤسسي وقانوني يحمي حقوقهم ويمنحهم شعوراً بالأمان والاستمرارية.
بهذا المعنى، تتحدد القاعدة الاجتماعية للتغير بوصفها تحالف المنتجين في أوسع معانيهم؛ أي كل من يسهم في خلق الثروة المادية أو المعرفية أو الخدمية، وكل من يعتمد في معيشته على عمله وجهده لا على الامتياز أو السيطرة على الموارد، وهذا التحالف رغم تنوع مكوناته، يشترك في مصلحة عامة تتعلق بتوسيع فرص العمل المنتج، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد، وتحسين شروط الحياة الاجتماعية، وتطوير دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية وضمان حدٍّ أدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي للجميع.
ومن خلال هذا الاتساع، تتجاوز القاعدة الاجتماعية للتغير حدود التصنيفات التقليدية الضيقة، لتصبح تعبيراً عن كتلة اجتماعية واسعة تمتد عبر قطاعات متعددة من المجتمع، يجمعها موقعها داخل عملية الإنتاج ويقرب بينها تطلعها إلى الاستقرار والعدالة وتحسين شروط الحياة، وهي ليست كتلة متجانسة تماماً، لكنها قادرة، حين تتشكل روابطها وتنظيماتها المشتركة، على أن تتحول إلى قوة اجتماعية مؤثرة تدفع باتجاه بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً ومجتمع أكثر توازناً ودولة أكثر اقتراباً من مصالح الناس الذين يقوم وجودها على عملهم وجهدهم اليومي.

أترك تعليقاً

التعليقات