فجرٌ كونه الدم
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
أيُ أمةٍ هذه؟ أمةٌ قتلت عظماءها، وتآمرت على أحرارها؛ أمةٌ توارثت المكر والكيد لكل حملة راية الحق، وتجند السواد الأعظم من بنيها بصف الظلم والطغيان، أمةٌ آثرت طاعة اللآم، على مصارع الكرام. أمةٌ علمت الحق؛ فعملت على محو وجوده، وعرفت الباطل والظلم؛ فباعت نفسها من أربابهما. أمةٌ قتلت بتخاذلها وطمعها وخوفها آلاف من علي، وحسن، وحسين؛ أمةٌ عاشت أكثر من كربلاء عبر التاريخ؛ من الطف حتى غزة؛ فكانت شمر كل ابن زياد في كل مرحلة؛ وسيف كل يزيد في كل مذبحة.
لقد لبست هذه الأمة ثوب الخزي والعار، وديّثت بالصغار منذ زمن بعيد؛ منذ ذلك الفجر؛ الفجر الذي تلطّخ بالدم، وأي دمٍ؟ دمُ إمام البرية، ورجل العدل، وأمير قلوب كل ذي فطرة سليمة. منذ تلك اللحظة حكمت على نفسها بالفناء، ووقعت في أسر الفراعنة والمستكبرين, فما أدركت صلاحا، ولا اطمأنت لحكم، ولا استقرت لها دولة، لقد سقطت حين سقطت العدالة ساجدةً لله في ذلك اليوم؛ حين انحنى السيف, وارتفع الإمام عليّ (ع) شهيداً في سماوات الملكوت.
فما أشد وطأة فجر تلك الليلة؛ ليلة التاسع عشر من رمضان، كان بيت أمير المؤمنين عليّ (ع) يفيض بنور العبادة كعادته، كان يكثر النظر إلى السماء ويقول: «والله ما كذبتُ ولا كُذِّبت، إنها الليلة التي وُعدتُ بها».
لقد كان يشعر بقرب اللقاء؛ وما إن أطل السحر حتى قادته خطاه إلى مسجد الكوفة؛ الخطوات الأخيرة لكل ما هو أمان وعدل ورحمة؛ خرج الإمام عليٌ (ع) نحو مسجد الكوفة، يوقظ الناس لصلاة الفجر، كان صوته حنوناً وهو ينادي: “الصلاة الصلاة” وفي زاويةٍ من المسجد كان الشقاء ينتظر؛ عبدالرحمن بن ملجم يترقب لحظة الغدر، وسيفه مسموم بالحقد.
ضربةٌ هزّت الأرض، سجد الإمام (ع) لله سجدته الأخيرة في الدنيا، وفي تلك اللحظة هوى السيف على هامته الطاهرة، فارتفع صوته الخالد: «فُزتُ وربّ الكعبة» لم تكن صرخة ألم، بل إعلان انتصار الروح العلوية على الظلم، وأن الدم قد كتب خلود العدالة.
وبين الجرح والشهادة حُمل الإمام عليّ (ع) إلى داره، والسم يسري في جسده الطاهر، وكان أول ما أوصى به: العدل، والرحمة، والإحسان حتى مع قاتله. وفي ليلة الحادي والعشرين من رمضان ارتقت روحه شهيداً، وبقي اسمه خالداً، رمزا للحق، وصوتاً للعدالة لا يخفت عبر العصور.

أترك تعليقاً

التعليقات