الإمام وأعداء العدالة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كانت ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ضربةً قاصمة لظهور النافذين والمستغلين والمترفين والمتعصبين والمغترين بقرشيتهم وسابقيتهم في الإسلام، إذ المساواةُ بين الناس في الحقوق والواجبات ثابت من ثوابت نهجه السياسي والدستوري، فنراه إلى جانب قراره باسترداد الأموال والقطائع المنهوبة في عهد عثمان، يعلنُ: أنه سيوزع المال بين جميع المسلمين بالتساوي، قال عليه السلام: ألا لا يقولَنَّ رجالٌ منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فيستنكرون ذلك، وينقمون، ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا، ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يرى أن فضله على سواه لصحبته، فإن الفضل النير غداً عند الله، وأجره وثوابه على الله، وأيما رجل استجاب لله وللرسول، فصدق ملتنا واستقبل قبلتنا، ودخل في ديننا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يُقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين غداً عند الله أفضل الجزاء، وأفضل الثواب..
ومن الطبيعي أن توجها سياسيا عادلا كهذا لا يعجب الطبقة المتنفذة والمترفة، التي راكمت الأموال في حجرها طوال خمسة وعشرين عاما، ولكنه قد أنعش القلوب المستضعفة والعيون الحزينة والوجوه المكفهرة، من عامة الناس، وغالبية المجتمع المسلم، التي ترزح تحت خط الفقر، وتقاسي الظلم والجور والاستبداد والاستعباد، ولكن هيهات لحلم هؤلاء المعذبين في الأرض أن يتحقق! فالمترفون لم يقفوا مكتوفي الأيدي في مواجهة علي عليه السلام كمنهج وفكر ومشروع لبناء الفرد والمجتمع والدولة، لذلك بدأت مرحلة تشكل خلاف جديد، على يد تلك الطبقة المستأثرة، والتي كانت تحيك المكائد من وراء حجاب، ومع الأسف وجدت تلك المكائد والدسائس مَن يصدقها بين المسلمين، ويلتف حول مطلقيها، ويقاتل من أجلها، ولا غرابة أن نجد مَن يحمل راية الناكثين والظالمين، ويصطف بصفهم، ليواجه العدل والإنسانية والحق والحرية والمساواة بقيادة الإمام علي عليه السلام، لأن هذه المسألة ما هي إلا نتيجة طبيعية لتلك السياسات غير الحكيمة التي مارسها السابقون، حتى وقع بسببها المجتمع في هذه الهوة السحيقة، وهذه هي بعض إفرازاتها.
ولعل الأمر يتضح أكثر حينما نقف مع الذين تزعموا حركة التمرد على الإمام، وبعد أن بايعوه طائعين، ولم يكونوا في شيء من أمرهم مكرهين، فبعد أن أعلنوا تمردهم، استدعاهم الإمام عليه السلام، وحاججهم في قضية خلافهم معه، فقد أجابوه بأن نقطة خلافهم معه هي: قضية تقسيمه للأموال بخلاف ما جرت عليه العادة منذ عهد عمر، وإنه بذلك قد ساوى بين القرشي والحبشي، والأبيض والأحمر، والقوي والضعيف والقريب والبعيد.
وقد ظل هؤلاء الزعماء على رأيهم في رفض المساواة والعدالة، حتى وصل بهم الحال إلى التحرك عسكرياً لمواجهة المشروع العلوي برمته، وإسقاطه من الداخل، فكانت معركة الجمل، التي اتخذ قادتها من قميص عثمان وسيلة لتحقيق غاياتهم، ومن أعظم ما يبكي ويضحك في هذا الجانب أن نجد أهم الرؤوس الثلاثة التي شجعت ومولت وأفتت في الثورة على عثمان، تقف اليوم لتطالب الإمام علي عليه السلام بدمه! ولكنها الدنيا ومطامعها، والله المستعان.

أترك تعليقاً

التعليقات