قوة الحق لا حق القوة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
سيلٌ من التقارير التحليلية الإخبارية المدعمة بمشاهد حية لحركة حاملات الطائرات التابعة للعدو الأمريكي، والقطع البحرية المرافقة لها، إذ صارت شغل فضائيات البترودولار الشاغل وهي تقصف العقول، وتسمم الأفكار، وتقدم أمريكا إلهاً لا إلهَ غيرهُ، ورباً لا شريك له؛ بيده الموت والحياة والرزق، ولديه القدرة المطلقة على فعل كل شيء، وأمام قوته المطلقة؛ إياك ثم أياك أنْ تفكر ولو لوهلةٍ أنْ تقاوم هذا الطغيان، وتتصدى لهذا الجبروت؛ فيد أمريكا هي العليا، ويدك هي السفلى. سلم بضعفك، وادخل من بوابة العبودية المطلقة، وتجلبب بالخضوع والانكسار، فأنت في حضرة أمريكا؛ «الفعالةُ لما تريد» وبين يدي ترامب؛ الذي هو «على كل شيءٍ قدير».
دعك من المجانين؛ الذين ينادون بالحرية والسيادة والاستقلال، ويتجاسرون على قول: (لا) أمام الولايات المتحدة! فهم قد حكموا على أنفسهم بالفناء الحتمي، فحياتهم منتهية، وأيامهم معدودة.
تلك قلعة الرفض والمقاومة، مناهضة الاستكبار، داعمة المستضعفين في العالم اليوم تقف وحيدة في انتظار قدرها؛ الحاملات تمركزت، والقاذفات تم تذخيرها، والقوة تكاملت عناصرها، بقي فقط إعلان ساعة الصفر، لترى عاقبة الأحرار، الذين لم يقبلوا بالذل.
نعم، ذاك هو خطاب معظم وسائل إعلامنا العربي لساناً العبراني فكراً وثقافةً ووجهة وقراراً؛ لم يعرفوا أننا نقاتل بالروح قبل السلاح، ونصنع من المأساة لبنة التحول الأولى إلى مدارج النصر، ونختط بدمائنا (ا) (ب) التمكين والغلبة.
إرادتنا قوية، وثباتنا شديد الرسوخ، وخصوصاً في زمن الغربة والاستضعاف.
ثقتنا بالله أكبر، وتوكلنا عليه هو الزاد. قد لا تستوعبون أن كل هذه القوة التي يستعرض بها الأمريكي تزيدنا يقينا بالنصر عليه، وتؤكد لنا أن يوم الفرقان بات قاب قوسين أو أدنى من الإشراقة لشمسه، وذاك شأنكم. أما نحن فإن متنا فقاهرين، وإن حيينا فظاهرين؛ تاريخنا جهاد، وأعيادنا بذل واستشهاد، وغداً تنقلب الأمور وترون لمَن البقاء!
لسنا مطالبين بأن نصبح أندادا للعدو بقوته المادية، بل بإعداد ما نستطيع في إطار حركة إيمانية عمادها: قوة الحق، لا حق القوة.
من هنا تنطلق إيران في مواجهة أمريكا، وإذا كانت الزوارق السريعة والغواصات الصغيرة لا تجدي نفعاً! وإذا كانت الألغام البحرية لا تنفع كذلك! وإذا كانت الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لا تقدم ولا تؤخر هي الأخرى! وإذا كنتم ترون أمريكا، «إلهكم أنتم»، الذي لا يقهر؛ فلماذا تراجع ترامب، وسحب أسطوله أمام اليمن، في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس؟
تعالوا وانظروا ماذا صنعت قوة الحق بحق القوة حينها:
1. وكالة «أسوشيتد برس» (Associated Press): «أعنف قتال منذ الحرب العالمية الثانية» هذا التقرير هو الأكثر انتشاراً وتداولاً، حيث نشرت الوكالة تقريراً حصرياً من على متن السفن الأمريكية تضمن اعترافات مباشرة من قادة البحرية.
الوصف: نقلت الوكالة عن قادة في البحرية الأمريكية قولهم: إن الحملة ضد الحوثيين تحولت إلى «أعنف معركة بحرية مستمرة تواجهها البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية».
التفاصيل: التقرير أشار إلى أن السفن تتعرض لهجمات يومية ومكثفة، وأن الضباط والبحارة ليس لديهم سوى «ثوانٍ معدودة» لاتخاذ قرارات الاعتراض وحماية السفينة، مما يضعهم تحت ضغط نفسي وعصبي هائل.
2. موقع «بيزنس إنسايدر» (Business Insider): «كابوس استنزاف وإرهاق»
ركز هذا الموقع في عدة تقارير على الجانب النفسي واللوجستي، واصفاً المعركة بأنها استنزاف حقيقي للموارد البشرية والمادية.
الوصف: نشر تقارير تتحدث عن «الإرهاق الشديد» الذي يعاني منه طاقم حاملة الطائرات آيزنهاور (USS Dwight D. Eisenhower) والسفن المرافقة لها.
التفاصيل: أشار الموقع إلى أن البحرية اضطرت لتمديد مهمة الحاملة مرتين، مما أدى إلى حالة من التعب المزمن بين الطاقم، ونقل عن محللين أن استمرار وتيرة الهجمات اليمنية جعلت بيئة العمل «كابوساً لوجستياً» بسبب الحاجة المستمرة لإعادة التذخير في وسط البحر.
3. مجلة «ناشيونال إنترست» (The National Interest) و»The War Zone»: «التهديد الأكبر لحاملات الطائرات»
هذه المواقع المتخصصة في الشؤون العسكرية نشرت تحليلات تفصيلية عن خطورة الصواريخ الباليستية المضادة للسفن التي يستخدمها اليمنيون.
الوصف: وصفت التقارير استخدام اليمنيين للصواريخ الباليستية ضد السفن المتحركة بأنه «سابقة تاريخية» وتحدٍ تقني لم تواجهه البحرية من قبل.
التفاصيل: موقع The War Zone ذكر أن حاملة الطائرات آيزنهاور كانت في بعض الأحيان هدفاً لهجمات قريبة جداً، وأن الدفاعات الجوية كانت تعمل بطاقتها القصوى. كما ناقشت National Interest كيف أن هذه الحرب أثارت شكوكاً حول «جدوى حاملات الطائرات» كأهداف ضخمة ومكلفة أمام طائرات مسيرة وصواريخ رخيصة الثمن.
4. صحيفة «وول ستريت جورنال» (The Wall Street Journal): «حرب غير متكافئة من حيث التكلفة»
ركزت الصحيفة على الجانب الاقتصادي للمعركة وصعوبتها من حيث التكلفة.
الوصف: نشرت تقارير توضح المعضلة الأمريكية المتمثلة في استخدام صواريخ اعتراضية تبلغ كلفتها ملايين الدولارات (مثل صواريخ SM-2 وSM-6) لإسقاط طائرات مسيرة يمنية لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف.
التفاصيل: وصفت الصحيفة الوضع بأنه «معادلة خاسرة» على المدى الطويل، وأن البحرية الأمريكية «تحرق أموالاً» بمعدل غير مسبوق للحفاظ على وجودها في المنطقة دون القدرة على ردع الهجمات بشكل كامل.
5. مركز «سي تي سي سنتينل» (CTC Sentinel) - ويست بوينت: «قدرات من الطراز الأول»
نشرت دورية مكافحة الإرهاب التابعة للأكاديمية العسكرية الأمريكية (ويست بوينت) دراسة تحليلية معمقة.
الوصف: اعترفت الدراسة بأن الحوثيين أثبتوا أنهم يمتلكون قدرات عسكرية واستخباراتية «من الطراز الأول» (Tier-One Capabilities) فيما يخص الحرب البحرية غير المتكافئة.
التفاصيل: التقرير أشار إلى دقة الاستهداف والقدرة على المناورة وإخفاء منصات الإطلاق، مما جعل مهمة الطائرات الأمريكية في «اصطياد» المنصات على الأرض «صعبة للغاية وشبه مستحيلة».
6. موقع «نيفي تايمز» (Navy Times): «القتال الحقيقي الأول»
الموقع المتخصص بأخبار البحرية الأمريكية نقل عن قادة المدمرات (مثل USS Carney وUSS Mason) تفاصيل الاشتباكات.
الوصف: وصف الموقع الاشتباكات بأنها المرة الأولى التي تخوض فيها البحرية الأمريكية قتالاً بصواريخ حقيقية وبهذه الكثافة في العصر الحديث، ونقل عن قادة السفن قولهم: إن الطواقم كانت تعمل في حالة استنفار دائم (General Quarters) لفترات طويلة جداً، وهو أمر منهك نادراً ما يحدث خارج التدريبات الكبرى.
الخلاصة: تجمع المصادر الأمريكية (الصحفية والعسكرية) على أن ما واجهته في البحر الأحمر لم يكن مجرد «مناوشات»، بل حرب استنزاف عالية الكثافة، وضعت التكنولوجيا الأمريكية والبشرية تحت أقصى اختبار حقيقي منذ عقود، مع اعتراف ضمني بصعوبة الحسم العسكري لهذه المواجهة.
هذه هي قوة الإيمان؛ كحق يملك قوته، ويغلب الباطل المتلطي خلف حق القوة.

أترك تعليقاً

التعليقات