إيران؛ ثورةٌ قوامها الحق
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لم تكن الأيديولوجيا التي قامت عليها الثورة الإيرانية لحظية، لا هم لها سوى استثارة العواطف، وتعزيز الحماس المؤقت؛ بل كانت البنيان المتماسك القوي الشامخ الراسخ رسوخ جبال تلك البلد المعطاءة، إذ تسمع الإيرانيين يقولون: منذ انطلاق الثورة؛ صرنا بمواجهة مع الاستكبار، هذه المواجهة ستكون واسعة بسعة هذا الكون، شاملة لكل جانب من جوانب الحياة، داخلة في كل لون من ألوان العلاقات والمعاملات والثقافات والأنشطة الأخرى، ولكلٍ من طرفي المواجهة ما يعينه على تنفيذ مشروعه، وفرض رؤيته وسياساته وقوانينه على الواقع، إلا أننا الأقوى، في حال اعتمدنا على الله، وتوكلنا عليه، ووثقنا به، والأقدر على كسب الساحة كلها لصالحنا، وفي خدمة مشروعنا، ولكن بشرط: أن نستوعب كل الدروس والعبر التي زخرت بها مدرسة الأنبياء، ونستفيد من جميع تجاربهم، وننظر إلى ما بين أيدينا من الكتاب النظرة التي أراد لنا الله أن ننطلق إليه منها، بحيث يصبح هذا الكتاب كتابا للحياة بجميع تفاصيلها، عندها سندرك أن بوابة القيام لله، ونقطة التمكين ووراثة الأرض، وتحقيق الغلبة على الاستكبار: تبدأ من الارتباط بكتاب الله، ارتباطٌ لا يتجمد عند القدرة على استنطاق الآيات في المجال التعبوي والتثقيفي فحسب، وإنما ينطلق من وحي الشمول الذي يزخر به هذا الكتاب، ليوجه نشاطه وحركته باتجاه بناء الحياة الشاملة، والتي لن تتم إلا متى ما توفرت الإرادة الجادة لفتح الكتاب الآخر الذي جعله الله مصداقاً لكلماته، وبياناً لمضامين وحيه، وشاهداً على قدرته، وسعة ملكه، وعظيم سلطانه، وهو كتاب الكون، بكل ما فيه، والغفلة عن دراسته غفلةٌ عن القرآن، وكفر وجحود بآيات الله وتعاليمه، وإهمالٌ للكثير من الأسلحة الوقائية والهجومية التي لا يستطيع امتلاكها إلا مَن درس هذا الكتاب الكوني، وأدرك نظمه وأسراره، وتفاعل مع ما سخره الله له فيه، وأجراها في رضا ربه، وأعطى الحياة من حوله كل البراهين التي تثبت مدى استحقاقه لمنصب خليفة الله، وتشرح عمق جدارته بهذا المنصب والشرف.
وهي رؤية فكرية قوامها: الحق، كما يعبرون، الذي هو ركيزة التحولات كلها لديهم. لذلك يرددون:
بالحق انتصرنا على كل قوى الشر والفساد والعمالة، وأنظمة وممالك الارتهان والتبعية. وبالحق أزلنا كل الحجب والغشاوات والحواجز والعقبات والمعوقات التي حالت دون معرفة العقل العربي والمسلم لطبيعة مشروعنا، ونبل غاياتنا، وسمو وعظمة أهدافنا، والهم الذي نحمله، والقضايا التي نتبناها ونستميت في الدفاع عنها. وبالحق نقف اليوم في وجه الصهيونية الاستكبارية العالمية، والله معنا ناصراً ومسدداً وممداً وراعياً وحافظاً ومثبتاً ومعيناً. وهكذا نمضي ويد الله فوق أيدينا، لنبين للناس أن كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله» في قاموسنا، ليست خاضعة للفكر المعياري، بل هي حقيقةٌ نوقن بها، وفكر نعيشه ونتمثله في أقوالنا وأفعالنا، وبُعدٌ نبني على أساسه رؤانا للكون والحياة والإنسان، ونتخذ بموجب التزامنا به مواقفنا في جميع الأحوال ومختلف الظروف، ونحدد بموجبه كيف نعمل، وماذا نعمل، وأين نتحرك، ولماذا، ومتى نسالم أو نحارب، ومَن هو العدو أو الصديق، ولماذا نحن موجودون... كل هذا وأكثر هو سر قوتنا، والأصل الذي ببركته تحققت الانتصارات، وحصلت التحولات الكبرى والنقلات النوعية، إلى أن أصبحنا نداً للشيطان الأكبر وقبيله وحزبه، وصرنا جديرين بشرف منازلته، وإلحاق الهزيمة والعار والخزي به، ليستفيق بعدها العالم على حقيقة ما يعنيه قول: الله أكبر، ويدرك المسلمون كم كانوا بعيدين كل البعد عن جوهر الإسلام لله، ومقتضى الإيمان به سبحانه، إذ عبدوا من دونه أمريكا لقرون من الزمن، وأسلموا لها القلب والعقل واليد واللسان والعرض والأرض والبشر والحجر والشجر، واعتبروها المحيي والمميت والرزاق والمبدئ والمعيد والأول والآخر ومَن بيده كل شيء، وهي على كل شيءٍ قدير!
نعم، هذه هي ثورتهم، فكل شيء هنا وعلى امتداد 47 عاماً يوحي بأننا دخلنا ولاسيما بعد معركة «طوفان الأقصى» مرحلة وحقبة زمنية جديدة، هي مرحلة ظهور الإسلام الإلهي على الإسلام الأمريكي: إسلام الصهاينة الأعراب، إسلام المصلحة والتدين الزائف، إسلام السوق والمظاهر الشكلية، إسلام العبودية لغير الله، إسلام السكون والعزلة والانغلاق وإلغاء العقل، إسلام العاطفة والخرافة وشيطنة الحق وأهله.

أترك تعليقاً

التعليقات