نتاج الجبن والتفاهة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
نعاني اليوم من الطائفيين وقراءاتهم للواقع، تلك القراءات التي تناهض التنمية المستدامة وتساهم في تخريب البيئة، وفضلاً عن كل هذا فهي تساهم في تمييع المشهد، فالمشهد بات مفتوحاً لكلّ الأغمار والمجاهيل والتافهين الذين وجدوا في الطائفية طريقاً لأمجاد باطلة؛ لأنّ عماء الشهرة والسباق المحموم على بقشيش البترودولار جعل كلاب الدواوير تنبح في كل مكان. يكفي تمثل لغة وحذاقة التحليل لإعادة إنتاج المضمون نفسه، ولا شيء ساهم في تخلف المجال العربي، لاسيما في السنوات القليلة الماضية، أكثر من هذه السلالة البرّ- مائية التي لا ترسو على مبدأ أو فكر؛ لأنها أتت من خارج هذه الاعتبارات، مشحونة بعوامل مكثفة من عقدة حقارة بالمعنى السيكولوجي والسوسيولوجي للعبارة. وندرك أنّ التموضع في التاريخ من خلال هذه العقدة يكون أمراً ملتبساً ومتوتّراً وماكراً ولا يمكن أن يكون أمراً طبيعياً، فخلف كلّ كلب عاوٍ من هذه السّلالة ستجد قيّماً وسيّداً ومافيا؛ ولكن الجامع بين حثالة إنتاج الوعي الطائفي هو الجبن والتّفاهة.
اليوم، يعاني المشهد من صراعات حادة بين الطابور الخامس للبقشيش الرجعي، فالضربات القاصمة التي وجهتها قوى المقاومة والجهاد للجسد النفطي جعلت الطابور الخامس في وضعية البهلوان، فالسكين وضع في الوسط، فمن كان يتشعبط بين الأطراف أصابه السكين، وكثيرون اختفوا كالجرذان في انتظار التكيف مع التّلاشي الجديد.
تمارس هذه السلالة الحقيرة دورها مكرهة بكثير من الحقد والتآمر الغبيّ، ولأنها لا تملك مضموناً مقنعاً فهي تعرض نفسها على الديار البترولية بأثمان بخسة لقاء أنواع من القوادة الإعلامية والثقافية.
يكمن غباء هذه السلالة القردية في أنّ عليها أن تحتاط وهي تتاجر في الأحرار وتتلوّى كالثعابين في سباقها المحموم على الفرص، بأنّ التطاول على الأحرار مكلف جدّاً الآن أو غداً، وأنّ ذكاءهم أو شعورهم بأنهم أذكياء هو تجلٍّ لمرض الانتفاخ من فرط الارتواء ببالوعات المازوت، هؤلاء سواء كانوا أنصاف مثقفين أو أنصاف إعلاميين خريجي الكهوف التطرفية لا يدركون أنّ التاريخ غير مفصّل على مكرهم، بل له مكر خاص، وهؤلاء لا يدخلون في خانة بائعي الذمم، لأنّ لا ذمّة لهم, ولا ضمير لهم، طفيليات أنتجتها الحقارة والدّجل والقابلية للعمالة المقنّعة، تأمّل وجوههم ستجد فيها غبرة ترهقها قترة.
ويكفيك شاهداً على هذا التدهور الأخلاقي إصرار قطاع واسع على التصدع في الصفوف وتكريس الشعث والفرقة مهما كلف الثمن، حتى بات هناك من تخصص في فن التشتيت والتفريق، لا يرعوي مهما تقدمت له خطوات على طريق التقريب. وثمة من فضل نفش الريش والتطاوس في اللجاج الطائفي البغيض، مكفراً ومزندقاً أهل النُّهى، كما لو أن تكليفه الشرعي تحدد في توزيع صكوك الكفر والإيمان، حتى أنه لم يعد من سبيل لإقناع هذا الرهط من المفرقة الجدد بعد أن قضوا مسبقاً بأن كل ما يصدر عنك هو محض تقية وتبييت، فأين يا ترى المفر، إن كانوا قد ركزوا بين السلة والذلة، حتى بات من هذه الشعبة المسرفة من لا يرضيه منك قول أو وجود، إلا أن تستأصل استئصالاً وتندثر من لوح الكينونة اندثاراً، بعد أن لم تر في هذه الشين سوى شين وشنار كما ورد عن الجاحظ في كتاب ابن عبد ربه، ولن تحفظ لك مأثرة ولا فضلاً مهما فعلت. ولعمري لو اجترحت لهم المعجزات، لكذبوك وسفهوا أحلامك.
ومع ذلك، لا مندوحة لمتخلق إلا أن يصفح ويحسن صابراً وفي العين قذى، وليس له إلا أن ينحو منحى أمير المؤمنين قائلاً وفي الحلق شجى: «لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، وكان الظلم فيها عليَّ خاصة».
ولقد رأينا من هذه الشعبة ما تنفطر له القلوب وتفور منه الدماء. وقد أصابنا من هول إسرافها ما لا طاقة لنا به، لولا يقيننا بأنه يجري بعين الله. فإن قلت: ألا ترعووا من هذا التفتين والتجديف؟! تجاسر عليك من لا هو في العير ولا في النفير، مسفهاً أحلامك، حتى يصبح حاميها حراميها. وإن سلمت وقلت -تواضعاً ومحبة- إنك غلبان خفضاً لجناح الذل من الرحمة، داخل هذا الموج الذي لا قرار للمرء فيه إلا أن يكون حلس جوانيته، لا ضرع يحلب ولا ظهر يركب، رأى فيها المناوئ الطائفي خوفاً وتراجعاً. على أن الخوف عز عليه أن يسكن أفئدة سكنتها شهادة أبي الأحرار، ولهج لسانها بهيهات منا الذلة. ولكن كل هذا ليس مرده إلى خلاف في الفروع أو اجتهاد في الكلام، بل هو تدهور في القيم المهذبة للحوار والضامنة لحرية القول. لقد رأينا ما تشيب من هوله الولدان، لما يستغل منظرو التشتيت الطائفي من غير المتخلقين سكوت الهاربين فرقاً من هول الفتن التي هي أشد من القتل. فينبري لك من يختزل التشيع في التمتع كما لو كان التمتع بالنكاح عقيدة لهذه المدرسة وليس من جزئيات الفروع التي لها فقه يعالجها.

أترك تعليقاً

التعليقات