في رحاب إسلام الأنبياء
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ثمة فرقٌ بين إسلام وإسلام؛ فإسلام القصور والكهنة غير إسلام الأنبياء والمستضعفين.
من هنا يتضح أن الإسلام المحمدي الأصيل منظومةٌ متكاملةٌ من الأفكار والمبادئ والقيم والأخلاقيات التي تهب الحياة بمعناها العام مضامينها ودلالاتها، والدليل على أنه دينٌ للحياة والإحياء هو إيمانه بمبدأ السببية والعلة، كأساسٍ قائمٍ عليه نظام الكون، ومنطلقةٍ على ضوئه حياة وحركة كل المخلوقات والموجودات، وهذا المبدأ كفيلٌ بإيجاد مسلمين حقيقيين، يتحركون في كل مواقع وميادين الحياة بطريقةٍ واقعية، تأخذ في الحسبان الظروف الطبيعية التي تحيط بالأشياء، وتقف وراء وجودها، وتعمل على دراسة وفهم واستيعاب السنن والقوانين التي تحكم المسيرة الوجودية للبشرية في كل جيل، وتؤدي بالنهاية دورها القاضي بزوال أمة، وانهيار حضارة ما، وولادة أمة وحضارة جديدتين.
وهناك حقيقة أخرى؛ تقول: إن العبرة ليست بصحة البدايات، وعظمة المنهجية المتبعة؛ وإنما بالثبات على المبدأ، وحسن الخواتيم. فقد يبتلى المنهج الحق بوجود أشخاص وفئات سرعان ما يتنكرون لوعودهم وعهودهم التي قطعوها سابقاً، ويتجهون لفعل ما هو أسوأ بكثير من الأشياء التي كان يفعلها حكام الجور والطاغوت، ويقومون بتكرار جميع ممارسات وأساليب أنظمة الوصاية والتبعية التي ثاروا عليها، لكن هؤلاء سواءً كانوا أفرادا معينين، أو أصبحوا تكتلات وجماعات وعصابات وفرقا مصلحية، يجمعها هدف التخريب من الداخل، لن يكونوا يوماً القضاء والقدر الذي يفرض على الحق وأهله بحيث لا يمكن تجاوزه، أو تغييره، أو التخلص منه، إذ المسألة ببساطة شديدة: مسألة اختبار وابتلاء وتمحيص للقلة الواعية الصادقة في إيمانها، والمخلصة في توجهها، هل ستقوم بدورها كاملاً غير منقوص، أم ستظل قابضة على يدها، ممسكة لسانها، لا تعمل بالمعروف، ولا ترشد إليه، ولا تحارب المنكر، ولا تحث على اجتنابه؟
فالحق لم ينتصر عبر التاريخ إلا بالقلة الواعية المنظمة الثابتة، المنطلقة من منطلق الثقة بالله، المستعينة به في كل الأحوال، الطالوتية في صبرها والتزامها، الجاعلة تقوى الله نصب عينيها.
وأخيراً؛ إنَّ فاعلية أي مشروع تغييري تبرز من خلال ما يقدمه من إسهامات ورؤى في طريق تحقيق البناء الحضاري، وإنجاز التغيير التقدمي الشامل، واللذين لن يتحققا لأي حركة ثورية إلا متى ما سعت لمد مشروعها بكل العناصر اللازمة لكي يبقى قوياً ومتجدداً، يحترم العقل، ويلتزم بأحكامه، بذلك فقط تكتسب المشاريع التغييرية القابلية والقدرة التي تمكنها من البقاء والثبات، مهما تغيرت الأوضاع، وتعددت واختلفت وتنوعت القدرات والأساليب المتبعة من قبل أعدائها، فمادام العقل هو الجوهر الذي سيقوم عليه المشروع التغييري فإنه لن يصاب بالهرم والشيخوخة، إذ سيظل يخطو خطوات نحو الأمام، خطوات كلها عزيمة وإصرار على الاستمرارية في السير بالناس في طريق تعميم وتنمية كل الأسس التي تريك النتائج والآثار التي تنعكس على حياتهم اليومية، بحيث لا يغفل عما طرأ من مستجدات وتحديات فرضها العصر، ولا يفقد توازنه إزاء ما يجده من متغيرات تحيط بالواقع، والتي عادةً ما ينتج عنها تغيير كبير من حال إلى حال، الأمر الذي يستوجب العمل على إيجاد الحلول والتصورات العملية المنسجمة مع المشروع، والملبية لتطورات الزمن، والمستوعبة لحاجات وآمال المجتمع، والمنسجمة مع أفكاره وقيمه ومعتقداته.

أترك تعليقاً

التعليقات