ورد ومورد «الحلقة العاشرة»
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا تزال الروح سابحةً في فضاء آفاقها الرحبة المشرقة بنور الإيمان، والمُورِدةِ لدلالات التقوى، والمشرعةِ لأبوابِ الهدايةِ. وقد وصلنا إلى هذه النفحة التي تقول: "الذي بَعُدَ فلا يُرى، وقَرُبَ فسمع النجوى تبارك وتعالى”.
في هذه النفحة الخاشعة الكثير من مضامين المعرفةِ لله في مواقع عظمته ومقامات جلاله وشواهد سعة علمه ومدى قدرته ومستوى إحاطته بكل شيء، فهو البعيد القريب، فهو سبحانه الذي تعالى عن أن يحيط به مكان أو يحده زمان أو يحتويه جسد أو يعتريه تجسيم، لأنه البعيد عن العيون فلا تدركه الأبصار، والمنزه عن الشبيه فلا تبلغ مقام جلاله تصورات الأفكار، فكيف يحد بمكان من خلق المكان؟! وكيف يشبهونه بخلقه وهو الذي خلقهم؟!
علمه سابق ومقامه ظاهر، وسلطانه قوي وقدرته قاهرة، له سبحانه مقام العلو على كل خلقه، ومقام الظهور البين في من خلقهم ورزقهم. وأما قربه عز جاهه فهو القريب من عباده بعلمه وقدرته، فهو الذي يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم، وهو سبحانه الأقرب لك من حبل وريدك، والعارف بكل خفقة لقلبك، وومضة من شعورك ودفقة في حسك وفكرة في خلدك... كل هذا بقدرته سبحانه وتعالى، فله وحده الأمر من قبل ومن بعد، وإليه ترجع الأمور.
كل ما في هذا الكون خاضعٌ لهُ، ولا شيء فيه يستطيع مخالفة مشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو أهل المجد والكبرياء تبارك وتعالى، فالمجد كله له والعلو كل العلو له.
فيا ليتنا نستوعب ما توحي به هذه الكلمات التي تقدم لنا تصوراً كاملاً عن الله وتعزز لدينا معرفته.
فمتى يستغرق الواحد منا في عظمة الله من خلال وعيه بمظاهر عظمته سبحانه الشاهدة بِوجُودهِ والمبثوثةِ في كل زوايا الوجود، إذ نرى الشمس والقمر والليل والنهار والأرض والسماء والجبال والبحار، وكل شيء نراه أليس بكافٍ لنا كي لا نلتفت لأحد سواه ولا نعبد أحداً غيره ولا نخشى أحداً دونه؟! وكم يغتر الواحد منا بالأشخاص، ويستغرق في صفاتهم، وسجاياهم، وينبهر بأفعالهم!!
فكم قد وجدنا من نماذج تلوكها ألسنة المادحين، وكم قد صادفنا في رحلة هذه الحياة أقداماً تنتعل أفواه بشر آدميين!! فلا تكاد تمر دقيقة من الوقتِ دونَ أن نسمع القول بأن فلاناً عظيم وفلاناً قوي وفلاناً كبير وفلاناً غني وفلاناً كريم وفلاناً رحيم...
ولو أننا امتلكنا ذرة من التفكير السليم والواقعي لأدركنا أن هؤلاء ليسوا بشيءٍ أمامَ الله، وإن بلغوا ما بلغوه من القدرة والقوة والعظمة، ولعلمنا أن الله هو الأحق بذكرنا وتمجيدنا وتوددنا وثنائنا وحمدنا وتسبيحنا وتقديسنا، فهو ربنا تبارك وتعالى.

أترك تعليقاً

التعليقات