إيران: صراع العقيدة وحرب الوجود 48 عاماً من المواجهة
- شوقي عواضة الأربعاء , 4 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:15:21 AM
- 0 تعليقات

شوقي عواضة / لا ميديا -
منذ اللّحظة الأولى لانتصار الثّورة الإسلاميّة في إيران عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الموسوي الخميني، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكيّة حربها الدّائمة والمفتوحة على إيران الثّورة التي أسقطت ركيزةً أساسيّةً من منظومة التّحالف الغربيّ -»الإسرائيلي» بإسقاط حكم الشاه وتحويل إيران من حليفٍ استراتيجيٍّ إلى خصمٍ عقائديٍّ.
ذلك الحدث التّاريخيّ الذي وصفه حينها رئيس وزراء الكيان الصّهيوني الأسبق مناحيم بيغن بزلزالٍ استراتيجيٍّ هزّ «الشّرق الأوسط» مدركاً خطورته على الكيان الصّهيوني أولاً، وعلى الولايات المتحدة الأمريكيّة وقوى الاستكبار العالميّ في المنطقة، وهي نفس المخاطر التي لخّصها منظّر السّياسة الأمريكيّة ووزير خارجيّتها ومستشار الأمن القوميّ (سابقاً) هنري كيسنجر بقوله: «ان الثّورة الإيرانيّة لم تكن ثورةً سياسيّةً تقليديّةً، بل حركةً ذات طابعٍ دينيّ -عقائديّ كسرت قواعد السّلوك التي يقوم عليها النّظام الدّولي». والنّظام الدّولي بالمفهوم الأمريكيّ هو الهيمنة الأمريكيّة والغربيّة التي قطعت يدها الثّورة الإسلاميّة في إيران كركيزةٍ للإسلام السّياسيّ في المنطقة متبنّية قضية فلسطين والمستضعفين في العالم في أولى استراتيجيّاتها.
وعلى مدى 48 عاماً من انتصار الثّورة لم توفّر الولايات المتحدة جهداً لإسقاط النّظام من اغتيالاتٍ لقيادات الثورة الوليدة والحرب العراقية الإيرانيّة واستهداف للعلماء النوويّين وعدوانٍ وفرض عقوباتٍ ومحاولات انقلابٍ وتفجيراتٍ وكلّ ما يوحي به عقلها الشّيطانيّ قامت به دون تحقيق أيّة نتيجة.
المسار التّاريخي للمواجهة
قد يلخّص البعض الصّراع مع إيران أو يقدّمه كنزاعٍ سياسيٍّ أو أمنيٍّ وعسكريٍّ أو صراعٍ على النّفوذ والمصالح أو صراعٍ جيوبوليتيكيٍّ تحكمه موازين القوّة والرّدع دون إظهار البعد العقائديّ في الصّراع الذي يشكّل جوهره، فالصّراع ليس وليد الثّورة الإسلاميّة بعد انتصارها لأنّه موجودٌ في عمقه التّاريخيّ والدّينيّ منذ صراع الحق مع الباطل ومواجهة الخير للشّرّ، وهو امتدادٌ لحرب العدل الإلهي التي خاضها الأنبياء في مواجهة «بني إسرائيل» من موسى إلى عيسى وخاتم الأنبياء محمد، وإلى علي في خيبر، وصولاً إلى الثّورة الإسلاميّة التي أعادت تفعيل الدّفاع عن الحقّ ونصرة المظلومين والمستضعفين في العالم الذي تتحكّم فيه قوى الاستكبار العالمي وفي مقدّمتها أمريكا والكيان الصّهيونيّ اللّذان كانا يرسمان سياستهما وفقاً لتقاطع الخطاب الإنجيليّ التّوراتي مع التّوجيه التّخطيطيّ للوبي الصّهيوني وإنتاج قواعد موحدة للسّيطرة على العالم العربي والإسلاميّ الذي شكّلت فيه إيران الثّورة السدّ المنيع في وجه الطّغيان الأمريكي و»الإسرائيلي».
وهذه الحقيقة عبّر عنها رئيس حكومة الكيان الإرهابيّ بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكيّ والأمم المتحدة أيضاً بقوله: «إنّ الإسلام السّياسيّ المتطرّف لا يسعى إلى التعايش، بل إلى الهيمنة، وهو تهديدٌ حضاريٌّ وليس أمنياً فقط»، حتى في أدبيّات سياسيّيهم وحاخاماتهم لم يُغيّب البعد الدّيني للصّراع فرؤية موشيه دايان للحرب تتخطّى الحدود والمكان فيقول: «إنّ الصّراع مع العرب ليس على الحدود فقط، بل على الوعي والتّاريخ». وما اعتبار الحاخام عوفاديا يوسف أنّ غير اليهود خُلقوا لخدمة «بني إسرائيل» سوى استضعاف وعنصريّة وتحريض على غير اليهوديّ (شعب الله المختار) وصاحب الامتياز الإلهيّ كما ترامب الذي أعلن أنّ الله أرسله كمنقذٍ. وهو ما يؤشّر إلى تبنّي عقيدة الإنجيليّين التّوراتيّين للبعد العقائدي للحرب الذي يشكّل بالنّسبة إلى إيران بعداً عقائديّاً ووجوديّاً لا يمكن التّراجع عنه ولا مكان فيه لتقديم التّنازلات مهما بلغت التّضحيات.
كلفة الحرب وضريبة تأجيلها
يجمع الكثير من المراقبين والخبراء والباحثين على أنّ مواجهة أمريكا لإيران ستكون كلفتها عالية على أمريكا والكيان الإرهابيّ الصّهيونيّ. فالمواجهة الأمريكيّة مع إيران تخطّت الحدود وتجاوزت قضية الملف النّووي وتطويع النّظام أو إسقاطه وتحوّلت إلى معركةٍ منطلقها عقائديٌّ بخلفيّةٍ وجوديّةٍ ليس لإيران فحسب وسياديّةٍ بامتياز، عزّزت فيها سياسة التّسلّط الأمريكيّة قوّة إيران ودورها وفقاً لما يلي:
1. فشل سياسة ترامب في عزل إيران ودفع روسيا والصين للوقوف معها ودعمها في مواجهة الهيمنة الأمريكيّة.
2. تشكيل جبهة مواجهة (غير متجانسة) يجمعها هدفٌ مشتركٌ وهو مواجهة الولايات المتحدة الأمريكيّة في المنطقة.
3. تحويل الصّراع من نزاعٍ إلى تهديدٍ شاملٍ ووجوديٍّ يقلق الدّول الكبرى.
4. نشوء شبكة تقاطع مصالح في المواجهة وعلى رأسها إيران عقائديّاً وروسيا استراتيجيّاً والصين اقتصاديّاً ولاعبون إقليميّون أمنيّاً.
وفي هذا السّياق عبّرت كلٌّ من روسيا والصين، عبر تصريحاتٍ رسميّةٍ متكرّرةٍ، عن رفضهما للسّياسات الأمريكيّة الجائرة بحقّ إيران من خلال تهديدها والتّدخّل في شؤونها وفرض عقوباتٍ اقتصاديّةٍ عليها، موقفٌ ترجمته الدّولتان عمليّاً بمناوراتٍ مشتركةٍ مع إيران في مضيق هرمز.
مناورات تحمل في أبعادها رسائل تحذير لواشنطن و»تل أبيب» تقول إنّ الرّدّ على أيّ اعتداء سيكون خارج تقديرات القيادة العسكريّة الأمريكيّة والصّهيونيّة سواء في داخل الكيان الصّهيوني أو على منظومة حاملات الطّائرات الأمريكيّة التي ستتحوّل إلى خردةٍ.
والسّؤال الأهمّ هل بمقدور واشنطن أن تدفع ثمن إغلاق مضيق هرمز وباب المندب خاصّة بعد انهزامها وانسحابها في البحر الأحمر تحت ضربات أنصار الله؟ وإلى أيّ مدى ستتحمّل أمريكا والكيان الإرهابيّ في «تل أبيب» ثمن ارتفاع كلفة الانتشار البحريّ وحماية سفنهم؟
خلاصة: إنّ ما عجز عن تحقيقه الشّيطان الأمريكيّ في إيران منذ انتصار ثورتها سيعجز عن تحقيقه في ضرباتٍ خاطفةٍ أو حروبٍ قصيرةٍ أو سيناريواتٍ هوليوديّةٍ، وثمّة حقيقةٌ واحدةٌ وثابتةٌ وراسخةٌ عند الإيرانيّين ولدى كلّ أحرار العالم تقول إنّه بعد كلّ تلك السّنوات العجاف فلإيران ربٌّ يحميها وقائدٌ أبيٌّ وشعبٌ مقدامٌ وجيش عتيد ودرع الثورة وحاميها المتمثّل بالحرس الثوري الذي سيقاتل قتالاً كربلائيّاً لإسقاط المشروع الشّيطاني، ليس دفاعاً عن إيران وحسب بل دفاعاً عن عالم سياديّ..










المصدر شوقي عواضة
زيارة جميع مقالات: شوقي عواضة