مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
هذا هو الواقع باختصار، فجميعنا اليوم يؤكد على مدى فرحته وابتهاجه بمقدم ذكرى مولد النور، ويحث على إظهار المحبة والولاء له صلوات ربي عليه وآله، من خلال نشر الزينة، وعقد الندوات وإقامة الاحتفالات والفعاليات، ولكن؛ لم يسأل أحدنا نفسه: هل الانتماء للرسول والرسالة موسمي أم دائم؟ وهل الاحتفاء والاحتفال بهذه النعمة والفضل، يعفينا من إقامة العدل، والتعامل مع الناس بحب ورحمة وتواضع، والعمل بكل ما نستطيع لحل مشكلاتهم والتخفيف من معاناتهم، وتحقيق المساواة بينهم؟
إن الاحتفال مظهر من مظاهر تعظيم شعائر الله، ودليل على شكر النعمة والفضل، ولكن؛ رسول الله يريد منا أن نؤكد محبتنا له في حركتنا وسلوكياتنا وقراراتنا وأفكارنا ونظرتنا للحياة، رسول الله منهاج عملي يفضح كل الدعوات والادعاءات التي لا تعطي الشاهد على صدق إيمانها في واقعها العملي.
نعم؛ فلا شيء أقدر على إعطائك الصورة الواضحة لكل مَن حولك من الناس، التي تمكنك من الإحاطة المعرفية بهم، وتساعدك على سبر أغوار نفوسهم سوى: ميادين العمل، وساحات تحمل المسؤولية، إذ سيعطيك كل إنسان يتحرك في هذين المجالين من خلال طريقته في العمل، وأسلوبه في التعامل مع زملائه والمحتكين به، والقادمين إليه طلباً لإنجاز معاملة، أو تيسير خدمة، أو رفع مظلمة، كتاباً مفصلاً وتاماً عنه، بحيث تتعرف على ما لا يمكن لأي شيء أن يكشفه لك على حقيقته بهذه الدقة والشمولية، فأنت واجدٌ أولاً السمات والخصائص التي تكشف أمامك طبيعته النفسية، ومكوناته الداخلية، التي كان لها الدور الأبرز في رسم ملامح شخصيته، وتكوين تصوره عن الكون والحياة والإنسان، وستجد ثانياً الفصل الذي يشرح لك الدوافع التي تقف وراء نشاطه العملي، وحركته في الحياة كلها، كما أن باستطاعتك التعرف على جميع الأهداف التي يسعى للوصول إليها، دون أن يكشف هو لك عنها.
وهكذا يبقى العمل: الانعكاس الطبيعي للصورة الداخلية للإنسان، والتي يستحيل رؤيتها بالعين المجردة، أو بأحدث ما توصل إليه العلم من الأجهزة التي تساعد على الرؤيا، فاستطاع الإنسان من خلالها اكتشاف عوالم لا حصر لها من الحشرات والكائنات الحية سواءً ما كان منها يعيش في الطبيعة، أو يستوطن الأجسام والخلايا الآدمية، إذ لا محل للزيف أبداً في الجانب العملي، ولا مجال للتصنع والتظاهر الخادع في ساحة الوقوف وجهاً لوجه مع تحمل المسؤولية.
نعم بإمكان الجبان أن يكون انطباعاً لدى الناس بأنه شجاعاً، ولكن بشرط أن يظل بعيداً عن مواطن الاختبار التي ستفضح زيف ادعائه، ويكتفي فقط بالكلام في المجالس العامة أو الخاصة، ولا بأس أن يضيف شيئا من الحركات والنبرات الصوتية التي تدعم دعواه بامتلاك الشجاعة. وقد يتمكن الجاهل من تضليل خاصته، وبعض المحيطين به، فيعتبرونه عالماً، وما إن يبدأ بتصديق نفسه، عازماً على إظهار علمه للناس حتى يصطدم بالعلماء والعارفين وذوي الاختصاص، وحملة الفكر، ورجال الأدب والثقافة، فيعيدوه إلى موقعه وحجمه الطبيعي، كجاهل مع مرتبة الحمق.
وقد يتخذ بعض الناس من العبادة والتقى والذكر والدعاء، والتظاهر بالتواضع والإحسان والرحمة والصلاح والصدق والعدل والزهد وحسن الخلق مطيةً للوصول إلى أهدافه، وسبيلاً لكسب مجتمعه إلى صفه، وباباً للدخول إلى مواطن الجاه والمنصب، وما إن يبلغ مراده، ويصل إلى غايته، حتى يخلع ذلك الثوب القديم، ويلبس ثوباً جديداً، فتراه بين عشيةٍ وضحاها قد انقلب رأساً على عقب، وصار أشد تكبراً من إبليس، وأعظم طغياناً من فرعون، وأكثر بطراً من قارون، لأن تلك حقيقته، التي لم تغب إلا أملاً بالعودة إلى الواجهة، بعد أن تكون قد حققت من خلال تجميدها في المرحلة السابقة انتصاراً على الصعوبات، وساهمت في اجتياز الكثير من العوائق والعقبات التي كانت تقف في طريقها.

أترك تعليقاً

التعليقات