القلم مبضع جراح
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
قد يصبح القلمُ أحياناً لدى الكثير من أصدقائه ومحبيه ليس قلماً بيد كاتبٍ أو بيد راغبٍ بأن يكون كذلك، ولكنه يصبح مبضعاً بيد جراح يرغب وبقوة أن يترصد كل داء، إما على مستوى النفس وما يرقد في حناياها أو يستقر في أغوارها، وإما على مستوى المنظومة الاجتماعية ككل وما ينتج عن طريقة تفكيرها وينبعث في سياق أقوالها ويتأكد في نطاق أفعالها وتصرفاتها، ولكن لن يتيح الناس للكاتب الجراح وللقلم المبضع الاستمرارية بمثل هكذا مهمة، لأن هنالك الكثير منهم يحبون التصالح مع العجز، ويعيشون المحبة والوئام مع الفشل، ويأنسون بالنقص، ويألفون، أيما ألفة، المراوحة مكانهم والمشي دون أن يسيروا أو يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام.
هؤلاء يعملون كل ما بوسعهم ليجعلوا من ذلك القلم المبضع خنجراً يغرزونه بين ضلوع الكاتب الجراح ليتم لهم بذلك البقاء على ما هم عليه من جمود في أماكنهم كأحجار صلبة صماء قوية لا سبيل لتحريكها أو الاستفادة منها، وهم المنجذبون إلى السكون تماماً كالمياه الراكدةِ في الحفر والتي كلما طال عليها الأمد ازدادت تخثراً واتساخاً، وهم عادةً ما يعتبرون أي كلمةٍ انطلقت بصدق من لسان مخلص أطلقها تجاه قضية ما، حجراً حرمتهم لذة منامهم العميق في وكر الغفلة، لذلك يبادرون لقطع كل لسانٍ يتعرض لهم بالنقد والتقييم، ولكن ليس على طريقة العرب القدماء الذين كانوا كلما لاح لهم في الأفق نجم شاعرٍ يوشك أن يهمي شعره ناراً تحرق أمجادهم وتحط من قدرهم، كانوا يتواصون في ما بينهم بالقول: "اقطعوا لسانه"، أي جودوا عليه من الأموال بالمستوى الذي يمنع لسانه من التعرض لكم حتى كأنكم قد قطعتم لسانه.
كان ذلك في زمن لعب الشعر فيه دور الصحيفة والإذاعة وكافة وسائل الإعلام، ولكن قاطعي الألسن اليوم لا يقطعون لسانك كما هي عادة العرب قديماً، بل يمحون أثرك ويطمسون ذكرك وينزعون عنك كل ممكنات بقائك في أداء دورك ومهمتك في هذه الحياة، فكم هو مؤلم حقاً أن يجد الواحد منا نفسه واقعاً كسجين في قفص النظرة الضيقة دون ذنب سوى أنه كان يحلق بجناحين من اليقين والأمل في فضاء مسكون بالنور ومبنيٍ من الحقيقة.

أترك تعليقاً

التعليقات