ترامب: فقاعات الكلام الفارغ
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
إلى جانب كونه أسطورة وهمية، يستحق ترامب أن يُوصف بأنه سلسلة من التهديدات. إذ لا يكاد يخلو أي خطاب أو مؤتمر صحفي أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي من تهديدات ضد إيران. في يوم من الأيام، يهدد بالقصف، وفي اليوم التالي بالإبادة الشاملة، وبعد ذلك بـ»تصعيد أكبر»، ثم يعود للحديث عن المفاوضات وكأن التهديدات السابقة لم تكن موجودة.
إن التهديدات المتكررة تفقد قوتها الرادعة، وتتحول إلى مجرد خطابات جوفاء. فعندما يسمع الناس أسبوعياً عبارات مثل «سيتم تدمير إيران»، أو «يجب على إيران الاستسلام»، أو «سيتم قصف إيران بشكل أشد»، لا يعود العالم ينظر لتلك اللهجة الخطابية انعكاسا للقوة، بل كعروض كلامية تُعاد بلا نهاية. وهكذا، يتضخم معنى الخطاب الذي يهدف إلى الترهيب، وتتراجع قيمته بسبب الإفراط في استخدامه.
حوّلت إيران تهديدات ترامب إلى دعاية مضادة. انتشرت على نطاق واسع صور ساخرة، ولوحات إعلانية، ومقاطع فيديو، وحتى مقتطفات من خطاباته، تسخر من أسلوبه المسرحي الرتيب. وفي طهران، ظهرت لوحة إعلانية ضخمة تسخر من ترامب بصورة كبيرة لمضيق هرمز مُركّبة على وجهه، في إشارة إلى فشل التهديدات الأمريكية في بثّ الخوف.
لم تقتصر هذه الموجة على إيران وحدها، بل امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمحتوى مضاد من معارضي الإمبريالية الأمريكية، ومعارضي الغطرسة الغربية، والجماعات المناهضة للصهيونية حول العالم. وتحولت المنصات الرقمية إلى ساحات لإبراز مدى عبثية الصورة الخطابية لأمريكا. كما سخرت حسابات موثقة، ومعلقون سياسيون، ومؤثرون بارزون، وحتى شخصيات عامة من مختلف البلدان، علنًا من تهديدات ترامب.
هنا تكمن المفارقة الصارخة للسياسة المعاصرة. تمتلك أمريكا حاملات طائرات، وتسيطر على طرق التجارة، وتستطيع فرض العقوبات، ولديها قواعد عسكرية، وهيمنة اقتصادية، لكن وسائل التواصل الاجتماعي تُدمر سلطتها الرمزية بمجرد صور ساخرة، ومقاطع فيديو قصيرة، ومحاكاة ساخرة بصرية، ومقاطع خطابات مُعدّلة، لقد أصبحت مثار سخرية عالمية. تهديدات الرئيس الأمريكي التي كانت تُثير الخوف الدولي أصبحت الآن مجرد محتوى ترفيهي رقمي.
يفشل ترامب في إدراك حقيقة أساسية: لا تُقاس القوة فقط بالقدرة على تدمير الخصم، بل بالقدرة على الحفاظ على الهيبة للقوة العظمى أمام الرأي العام العالمي. فعندما تُطلق التهديدات باستمرار دون نتائج حاسمة، لا يقول الرأي العام العالمي: «أمريكا مخيفة»، بل يقول: «هدد ترامب مجدداً اليوم».

أترك تعليقاً

التعليقات