درسٌ من حضرةِ إيران
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كلما أمعنَ المرء النظر في السمات والخصائص التي تمتاز بها الشخصية الإيرانية؛ انفتحت له أبواب لا حصر لها؛ للدخول إلى كنوز معرفية؛ لم تُدونها أقلام المنظرين في بطون الكتب؛ ولم تنطلق من أفواه المثقفين القابعين في أبراجهم العاجية، فتطير بها دور النشر وأجهزة الإعلام في كل الدنيا؛ وإنما هي: ملاحم اختطها الإيرانيون بعرقهم ودمائهم، وروتها الحركة والتجربة العملية التي تنطلق من واقعها لتفعل فيه؛ لا لتنفعل به، ولتغيره؛ لا لتتغير حسب طبيعة المتغيرات التي يفرضها الأقوياء على الضعفاء، ويمليها المتبوع المستكبر على التابع الذليل.
إنني هنا؛ لا أقدم بين يدي القارئ مادةً تعتمد على خيال قاص، أو أحاسيس شاعر، ولا كلماتٍ منسوجةً بخيوط العصبية، مصبوغةً بصبغة الحماس المذهبي؛ الذي يجعل صاحبه مجرد ترسٍ في آلةٍ كبيرةٍ جداً؛ اسمها: (القطيع)، وإنما؛ أتحدث بعقلية الباحث؛ المدافع عن الحقيقة، الملتزم بحمل هم أمته ومجتمعه، المنحاز إلى صف المظلوم لمواجهة الظالم، الرائي في محيطه العربي؛ جماهير مستلبة؛ وأنظمة تابعة؛ وتنظيمات وحركات استنزفت المجتمعات؛ فنتج عن ذلك كله الإحساس بانعدام الوزن، والعيش في برزخ الموت والحياة. أمام هذا الواقع العربي المزري؛ برز الإنسان الإيراني؛ ليعيد تعريف الواقع، ويقوم برسم المعادلات على مستوى منطقة غرب آسيا. وهو جديرٌ بذلك، لأنه؛ مزج بين الإسلام بمفهومه الأصيل الشامل، وبين الحضارة العظيمة التي ينتمي لها؛ فأرانا كيف تبنى الشخصية الكاملة للإنسان الحر؛ الإنسان الذي هو مزيج من الفكر والعرفان، وأصل من أصول العقيدة والتاريخ، الذي هو: ثوريٌ في تركيبه الجيني؛ مقاتلٌ سلاحه الصبر والصبر والصبر.
مثل هذا الإنسان؛ لا يمكن لأحد أن ينال منه، فيلحق به الهزيمة، لأنه؛ حين يقف في ساحة الدفاع عن وجوده وعقيدته وانتمائه؛ لا يكون قتاله مبنياً على الحماس والانفعال؛ اللذان يحكمان واقعنا، فيصبح همنا هو: كيف نسيطر على اللحظة الزمنية الراهنة، الأمر الذي يجعل كل مشاريعنا: مجرد ردود أفعال على الواقع السيئ الذي نعيشه؛ وما إن نقضي عليه حتى نؤسس لعودته من جديد؛ لأننا منطبعون بطابع ردة الفعل؛ التي سرعان ما تنطفئ جذوتها؛ فيقودنا العمى الاستراتيجي إلى استعادة فصول الظلام فصلاً فصلاً، فنعود كما كنا، وذلك: لأن العربي عادةً؛ يحب جلاديه؛ إذ نجده لا يثور عليهم؛ إلا ليستعيد سيرتهم من خلال كل ما يقوم به من أعمال، ويصدره من قرارات، ويحتكم إليه من نظم وقوانين.
لهذا حصدنا الفشل، وتجرعنا مرارة الغبن والهزيمة والضياع وخيبة الأمل، بينما نرى إيران؛ تحصد القوة والعزة والنماء والترقي في مدارج النهضة والاقتدار المطلق؛ لأنهم؛ يقاتلون دفاعاً عن المعنى، ويتحركون بروحية المستوعب لماضيه وحاضره ومستقبله، فتصبح نظرته للزمن كله، ومن هنا؛ تتجلى تلك الروحية التي تنسج بدقة لامتناهية بساط الخلود والديمومة، هذه الروحية؛ لا تتنكر لمشروعها وعقيدتها إذا ما تعرضت للحصار والعقوبات، بل تزيدها المعاناة إيماناً بهما، واعتزازاً بكل ما يشتملان عليه من أفكار ومبادئ.
كيف لا؛ ونحن نراهم يحكمون قراراتهم وخططهم ببرود أعصاب، وأناة وبصيرة ناسجي السجاد، وإذا فُرِضت عليهم الحرب؛ وجدناهم يضربون بيدٍ موصولةٍ بيد الرحمن، ويسيرون بيقين الوحدانية الذي به تقوم الأرض والسماوات؟!

أترك تعليقاً

التعليقات