برزخ من قش
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -

قابض على وسيلة الكتابة التي حلت محل القلم العادي حسب ما اقتضته الحاجة الناتجة عن الإعاقة البصرية وفرضه انطفاء العين من بدائل أزالت هواجس الرضوخ لانعدام حاسة الرؤية واستلزمته حاكمية العمى وقوة جبروته ومظاهر سطوته التي انبنت وفقها زنزانته الكبرى وتكونت من أمشاج هذا الجبروت وسائل ومستلزمات هذه الزنزانة التي هيّأ لها العمى كل الطرق وذلل لها سبلاً تستطيع على إثرها خلق عالم آخر له مقوماته وخصوصياته.
هذه المقومات والميزات والخصائص القائم بها هذا العالم المستقل عن عالمنا الافتراضي والداخل ضمن كوننا الوجودي، تمكنت من خلق حواجز وتوفير موانع تم على ضوئها ترسيم المساحة التي تمحور فيها العمى والخاضعون لسلطانه، بحيث أصبح له ولهم حيز ونطاق لا يجوز تجاوزه إلى ما تم فصله عنه من بواعث ومشتركات جرت بموجبها حركة الحياة، واستقامت بها مظاهر الطبيعة، وامتاز بها نسق الآدمية المسند إليها صياغة وتشكيل مناحي الحياة على أساس شريعة الخالق عز وجل، إلا أن فقدان حاسة البصر استطاع تقسيم ظاهر البشرية المعروف بتداخله المترابط من خلال وحدة نواة خلقه وتشابه خلقته وطبيعة جنسه إلى عالمين ووجودين لكل منهما ظروفه وبيئته الملازمة له والمخولة بتحديد مهامه وقدراته، والتي توافرت لها قواعد جبرية يحرم التمرد عليها.
إذ كان للفقهاء ومسائل الفقه دور كبير في إسدال المزيد من السواتر المعتمة على عتمة العمى، ليجد الكفيف نفسه محشوراً في زاوية العدم الذي حل به نتيجة لانعدام بصره، وكأن انطفاء عينيه جزء من عالم المثل التي أوجدت لها شكلاً في عالم الحس تجلى بنظرة كل عين إليه، لأن عماه بات عالم المثال الذي ساغ نظرة كل عين إليه بحسب ما قامت عليه الفلسفة القديمة، فكونه لا يرى إذن لن يراه أحد، والأبشع من ذلك عندما تصبغ على هذا الفصل بين الأعمى والمبصر صبغة القداسة، وتصبح من المعلوم من الدين بالضرورة دونما عودة إلى كتاب الله أو اقتداء بنبيه صلى الله عليه وعلى آله، وإنما عملاً بما بلغته عقول أهل الاجتهاد وتوصلت إليه آراؤهم، وعليه فما قالوه يعد مصدر تشريع لا مناص من الالتزام به لأن مخالفته كفر، لذلك قال المجتهدون الذين أحلوا أنفسهم محل كتاب الله إن الأعمى لا يشتري ولا يبيع ولا يعتد بشهادته ولا يتولى أموراً متعلقة بجانب الحكم والسياسة والقضاء، لكون عماه شرطاً موجباً لفقدان القدرة والاستطاعة لديه على القيام بهذه الأمور.
وبالمناسبة تحضرني قصة عايشتها أثناء حضوري حلقة درس يقيمها أحد علمائنا، كان ذلك قبل سنوات مضت وتحديداً في شهر رمضان المبارك، وتزامناً مع ذكرى استشهاد سيد الوصيين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد عرج عالمنا الجليل على فضائل إمام المتقين، ومدى ما لحق به من ظلم، وكيف جحد الجاحدون حقه ومكانته، وكل هذا صحيح وليس فيه مورد شك، لكن ما إن وصل أستاذنا إلى ما جاء به كُتاب السير والمغازي في ما يتعلق بغزوة العسرة حيث قالوا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله خلف الأعمى ابن أم مكتوم والياً على المدينة وخلف علياً في أهله، وأسند إلى ابن أم مكتوم أيضاً مهمة الصلاة بالناس، وهذا لا يعقل ومن المستحيل تصديقه من وجهة نظر عالمنا الجليل، ولكن ليس من خلال أفضلية الإمام علي وأسبقيته في الإسلام ومزاياه الفريدة التي جعلته الأول في كل مقام والشخص المتعذر على أي أحد من الصحابة بلوغ مقام قريب من مقامه، يكون مورداً لمماثلته وبلوغ منزلته، وإنما لكون هذا الذي قدمه الرواة والياً على المدينة في غزوة العسرة أعمى لا يقدر على القيام بشؤونه الخاصة إلا بمساعدة الآخرين، وعليه فكيف يمكن لهذا الأعمى تسيير أمور الناس وهو القاصر عن إدارة نفسه بحسب ما قرره أستاذنا، وهكذا يتضح أن مرد رفض الرواية المتعلقة بهذا الشأن ناتجة عن كون ابن أم مكتوم أعمى، ولو كان أحد آخر سليم في حاسة بصره لقبل الأمر، وهذا ما أظهرته مناقشتي له وطول معارضتي لما قرره وتوصل إليه، فمدار رفضه موقوف على استبعاد الأعمى وليكن البديل سليماً حتى يستساغ القبول لديه حتى ولو كان مروان بن الحكم.
وهذا جوهر الاختلاف بيننا لأني نظرت بزاوية أوسع قامت من خلالها براهين ردي لهذه الرواية وعدم تصديقها، وإن قيل لي إن الذي نُصِبَ والياً على المدينة أبو بكر أو عمر في ظل وجود أمير المؤمنين عليه السلام.
ها أنذا أقف متوسطاً لتلك الحواجز المحيطة بي من كل الجهات إحاطة السوار بالمعصم محاولاً تجاوزها لأكمل ما بقي لي من فراتق في خط السير كي أصل إلى تحقيق هدفي المبني على أساس الوعي بالغاية من وجودي، وعليه فإن الجدير بالذكر هنا هو أن ما سبق لي ووضعته بين يديك عزيزي القارئ في الجزء الأول من هذه المقالة، ما هو إلا غيض من فيض لما نجده جميعاً كبشر، وخصوصاً كمسلمين، من أفكار وعادات وسلوكيات وقناعات هيمنت على كل مناحي الحياة واستحكمت بكل متعلقات الأحياء وجرتهم بالنواصي والأقدام إلى مدار فلكها، فتتمكن تلك العوامل المختلفة من الوصول إلى مرحلة الاندماج مع بعضها، فتقيم بهذا الاندماج في دواخلنا البنية العقائدية التي بموجبها تنطلق نظرتنا لكل شيء، ونصدر الأحكام على كل شيء، وذلك ما ينطبق على تفسير الظواهر والأحداث وما يتعلق بالموقف من الماديات والمعنويات والعلاقات والمعاملات وكل ما له صلة بوجودنا واهتماماتنا وقضايانا.. ولم يكن "العمى" سوى حلقة متصلة بسلسلة كبيرة إن صح التعبير.
هذه السلسلة التي كبلت بنصفها كل فئات مجتمعنا وأمتنا، وأما نصفها الآخر فقد خُصص لجلد ظهورنا. والسؤال هنا هو: ما الذي جعل لتلك الحواجز الهزيلة والهشة كل هذه الصورة الموحية بالعظمة والمتخذة من القداسة مسحةً حتى لا يتجرأ أحد على مجرد التفكير بتجاوزها والسعي للتخلص من أعبائها وما ينجم عن الأخذ بها من كوارث ونكسات اشتملت صفحات تاريخنا على الكثير منها؟
ولا شك أن الجواب على هذا التساؤل يقول: لأن هذه القناعات والعادات والأفكار والمعتقدات ومتعلقاتها قُدمتْ لنا على أنها الدين الذي جاء من عند الله تعالى، وعلينا أن نقدم على إبراز مقتضى تصديقنا بالله وعبوديتنا له من خلال هذه العوامل المقدمة لنا على أنها الدين بحسب ما اقتضته العادة وجرت عليه الأيام، على الرغم من أن تلك العوامل لا صلة لها بمنابع الإسلام الأصيل، ولا تعبر عن أدنى ارتباط لها بكتاب الباري تبارك وتعالى لا من قريب ولا من بعيد، لكنها الأهواء المتخذة من أول صيحة شيطانية في عصر الإسلام الأول نواة لانبعاث كل الانحرافات ومهداً لتنامي كل الاختلالات ومورداً لتبرير كل انحلال ونقطة بداية لاستشراء كل باطل وتقديمه على أنه الحق الذي لا مرية فيه والهدى الذي لا نجاة لنا إلا بتمثله.
إنها تلك الصيحة المنطلقة من بين ثنايا شخصية تظاهرت بالإسلام وتدثرت بدثاره واستبطنت الجاهلية وحفرت عميقاً في الأرضية التي قام عليها دين الإسلام ليتسنى لها من خلال هذا الحفر استعادة جذور الجاهلية التي تجد تلك الشخصية نفسها بها فقط باعتبارها ضمن فروع بُترت عن أصلها الجاهلي، ولم تطق واقعها الجديد بحال من الأحوال، فما إنْ حان موعد التحاق النبي صلى الله عليه وآله بالرفيق الأعلى حتى أقدمت تلك الشخصية على كشف ما سترته وإظهار ما أخفته وإبداء ما وارته في زمن حياة النبي صلى الله عليه وآله، بحيث كان لمرض رسول الله الذي أقعده على فراش الموت الأثر البالغ في تأجيج لظى الشوق من قبل تلك الشخصية إلى ماضيها الجاهلي السحيق لتجتره إلى واقع الإسلام وتحمل أبناء هذا الدين تبعات هذا السقوط ونتائجه، فما هي إلا كلمة من هادي البشرية لا يتجاوز زمن النطق بها العشر الثواني، ولكنها تضمنت الأمر الذي يضمن استمرارية المسيرة الإسلامية على الحق والهدى على امتداد الزمن.
نعم ما هي إلا كلمة قال فيها الصادق المصدوق: تعالوا اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي أبدا، إليّ بدواة وكتف.. أو كما قال صلى الله عليه وآله. عندها أطلق الشيطان لجام مطيته لتطلق كلمة الكفر بوجه الإيمان، تلك الكلمة التي مثلت معول الهدم المتوارث بأيادي الساعين لتقويض مباني الإسلام عبر الزمن. وهكذا صوبت تلك الشخصية قوسها إلى جبين الإسلام بقولها المعبر عن رفضها المطلق لما أراد رسول الله: دعوا الرجل، أنه يهجر، لقد غلبه الوجع وحسبنا كتاب الله.
ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا ونحن نعيش الرزية كل الرزية التي حالت بين رسول الله وبين كتابه وهي تحول بين الأمة اليوم وبين كتاب الله سبحانه.

أترك تعليقاً

التعليقات