بين الحق والباطل
 

مجاهد الصريمي

مجاهـد الصريمي / لا ميديا -
جميلٌ أن نشهد في ميدان الكلمة الشاعرة توجهاً لاستلهام مبادئ القرآن الكريم، والعمل على تعزيز مفاهيمه لدى المتلقي بالشكل الذي يوحي بأننا بتنا نعي عظمة ما نحن عليه من نهج وخط، وبالمستوى الذي يجعلنا نستحضر تعاليم الوحي في مختلف شؤوننا، بحيث يصبح القرآن الكريم هو الباعث على الحركة والضابط للتصرفات والسلوكيات، والحاكم للنظرة في كافة أمور الحياة بكل مفرداتها وبجميع تفاصيلها، فالقرآن يبني النفوس ويحيي القلوب ويوقظ الإحساس ويفجر المشاعر، ويصنع الثبات ويعزز الدوافع وينميها باعتباره السبيل الوحيد لإيجاد الإرادة القوية والصلبة التي تلتقي فيها الجوانب الروحية والعاطفية بالجوانب الفكرية الموجبة لوجود الذات القادرة على تغيير نفسها والساعية أبداً لصياغة الواقع على ضوء ما تؤمن به، لتصبح الحياة كلها صوراً لكل ما تختزنه تلك الذات في دواخلها من مُثُل، وهكذا تدرك تلك الذات موقعها في الكون وعلاقتها بكل ما فيه وعلاقة كل ما في الكون بها، لتنطلق صوب الهدف من الخلق ولتعمل على ضوء الالتزام بالغاية من الوجود، "ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار".
ولكن كيف لنا أن نستدعي المعنى القرآني أو المفهوم أو الدلالة أو القصة أو المفردة التي تتضمن توجيهاً ما أو تبين سنة من سنن الله سبحانه، التي لا تتغير ولا تتبدل، ونعبر عن ذلك كله بالشعر دون أن نفرغ المعنى القرآني أو أي جانب من الجوانب التي نتكئ عليها في التعبير قرآنياً، من الحيوية والجاذبية المتمثلة بروعة التعبير وجمال ودقة التصوير القرآني الذي إلى جانب عمق الفكر لا يغفل عن الصياغة الفنية والبلاغية التي تسلب اللب والإحساس؟
إذ الملاحظ أن ثمة شعراء كثراً اليوم يتبارون في هذا المضمار، ولكن هناك القليل من هؤلاء من دخل في هكذا توجه وهو فعلاً يمتلك الأدوات التي تمكنه من أن يبدع ويثري التجربة الشعرية بما تجود به قريحته وتتدفق به مشاعره من واقع إحساس ناتج عن يقين إيماني واستقلالية في النظرة جعلتنا نلمس رسوخها لدى هؤلاء القلة من الشعراء من خلال نتاجاتهم التي تثير كوامن النفس وتفجر مدامع العين وتريك الحق في أكثر من مشهد يربط الشاعر فيه بين مضامين محكم التنزيل وبين تجليات تجسيد تلك المضامين في حركة الصراع بين الحق والباطل في واقعنا اليوم، ومع هذا ظل نتاج هذه القلة مغيباً عن الساحة فلا تكاد تجده سوى في صفحاتهم عبر شبكات التواصل دون أن يكون لذلك صدى في الإعلام لكون أولئك شعراء حقيقيين، ونحن اليوم لدينا مشكلة تتمثل في فقدان القدرة على تمييز الشاعر من الناظم والأديب من الخطيب، فكلما كان الشعر أقرب إلى النظم وخالياً من أي دلالات أخرى توحي بأنه شعر، كان الأكثر انتشاراً، وكلما كان الشاعر ساذجاً في الطرح كثير الإسفاف لصيق بالأرض عاجزاً عن التحليق، ازداد شهرة وحضوراً، فهل نحن في عصر المماليك؟ ربما!

أترك تعليقاً

التعليقات